مواكب لجان المقاومة.. تفويض ثوري لـ(حمدوك) على الهواء مباشرةً

الخرطوم: عبدالناصر الحاج

ليس المباغتة في أن يُحرك ثوار لجان المقاومة بالخرطوم موكباً هو مُعلن عنه رسمياً منذ فترة للمطالبة بضرورة استكمال هياكل الفترة الانتقالية، ولكن المباغتة التي حواها موكب لجان المقاومة هو الإعلان عن تأييد لرئيس الوزراء عبدالله حمدوك ودعمه على الرغم من العواصف الأخيرة الكثيرة التي أحاطت به بسبب تعقيدات المشهد السياسي الانتقالي عموماً، أما الأكثر مباغتة فهو أن تصبح ساحة تجمع الثوار من أمام مجلس الوزراء بالخرطوم، معرضاً حقيقياً لعرض كل القضايا التي عكرت صفو الفترة الانتقالية خلال الفترة الماضية، فضلاً عن المفارقة الكبيرة التي تعرت في موكب لجان المقاومة، وهي أنه في الوقت الذي تستعيد فيه شوارع المدن عافية الاحتجاجات وحرق الإطارات تعبيراً عن رفضهم للظروف المعيشية الخانقة، هو ذات الوقت الذي تصدح فيه حناجر الثوار بالهتاف وفي قلب الخرطوم : (الجوع الجوع ولا الكيزان).

مشاهد مألوفة

تزينت شوارع الخرطوم مرة أخرى بالأعلام والطبول والهتافات، ولم تخلو المشاهد من إصطفاف القوات الأمنية والشرطية على جنبات الشوارع الرئيسية المؤدية إلى القصر الجمهوري، كما أن الاختناق المروري وضجر أصحاب المركبات أصبح السمة الملازمة للمواكب كلما تعطلت حركة المرور، بيد أن الثوار دائماً ما يحيلون لحظات الضيق عند المواطنيين إلى نزهة سياحية شيقة، كلما تجسدت ابتكاراتهم الجديدة في فنون التعبير عن مطالبهم، ومما يمنح مواكبهم حيوية قصوى تأبى أن تصبح رهن الاعتقال في خانة النمط والتكرار.

مواقيت الثورة

تحركت موكب لجان المقاومة في تمام الواحدة ظهراً بمواقيت الثورة، أو تلك المواقيت المعلومة والمحفوظة لدى الثوار. وبحلول الساعة الواحدة أصبح كل شئ في وسط الخرطوم والمنطقة المحيطة بمجلس الوزراء ليست كعادتها، حيث بدأت المركبات العامة والخاصة في رحلة الهروب العكسي من منطقة الزحام، وارتفعت أصوات أبواق السيارات، وبدأت الاقدام الزاحفة للشباب من كلا الجنسين تتسارع خطاها نحو بوابة مجلس الوزراء. وهناك احتشد الثوار بهتافاتهم المألوفة وطبولهم الصاخبة، بيد أن الجديد اللافت هو اللافتات التي تؤكد الدعم لرئيس الوزراء، وأن الثوار لا زالوا على عهدهم مع الشهداء ومع حراسة وحماية الثورة.

مذكرة قوية

دفع الثوار بمذكرة تفصيلية تعبر عن مطالبهم، وقاموا بتلاوتها على الجمهور من أمام بوابة مجلس الوزراء، وقد حوت مطالبهم على عدة اتجاهات، حيث تم إدخال المطالبة بمحاربة التهريب الذي أصبح سمة بارزة في تعقيدات الواقع الاقتصادي المتعسر، حيث جدد الثوار مطالبهم بضرورة أن تبذل الحكومة قصارى جهدها في تنظيف الساحة السياسية من جيوب النظام البائد، مدللين على ذلك باستمرار عمليات تخريب الاقتصاد ولف حبل المتاعب الاقتصادية والمعيشية حول أعناق المواطنيين وعلى مرأى ومسمع حكومة الثورة. ولم يتناسى الثوار قضية الشهداء بحسبان أنها قضية مركزية بالنسبة لهم ، مجددين عدم التراجع عن فعل كل شئ لإحقاق العدالة والقصاص. وطالب الثوار مجلس الوزراء بتجويد الآداء والخروج من خانة الضعف الذي بدأ يكون ظاهراً للعيان ولكل المراقبين، وأبدوا استغرابهم من صفة الضعف الذي بات عنواناً لآداء الحكومة. وفيما يتعلق بضرورة استكمال هياكل السلطة الانتقالية تمسك الثوار بضرورة استكمال هياكل السلطة الانتقالية بحجة أن الأوضاع التي تزداد سوءاً في كل الولايات هي من صميم الفراغ الدستوري الذي شكله غياب الولاة المدنيين والمجلس التشريعي، وأن بقاء سلطة الولايات تحت إمرة المكون العسكري ساهم في إيجاد مناخ مضاد لتطلعات الثورة عبر تنفس عناصر النظام السابق في المحليات والوحدات الإدارية واستمرار سيطرتهم على كل قطاع الخدمات المتصلة بحياة الجماهير.

حمدوك حاضراً

لم يخلو موكب الثوار الذي نظمته لجان المقاومة من إرسال إشارات دعم مباشر لرئيس الوزراء عبدالله حمدوك، حيث حُملت لافتات مكتوب عليها: لجان المقاومة تدعم الحكومة الانتقالية، وكانت صورة رئيس الوزراء حاضرة بين المواكب كتأكيد آخر على وقوف لجان المقاومة إلى جانبه، وأنها ترفض الحملة التي بدأت تنتظم الوسائط الإعلامية ضد حمدوك وتقلل من قدرته على إدارى تحديات الفترة الانتقالية. وتعالى هتاف الثوار : ( يا حمدوك نحن معاك يا حمدوك، وأوع يغشوك يا حمدوك).

تجسيد الموت

ابتكر الثوار إسلوباً جديداً في التعبير عن موقفهم من الثورة، حيث استلقى إثنين من الثوار على الأرض وهم على هيئة موتى يلفهم علم السودان مثل (كفن)، وتجمهر كثير من الثوار حولهم، وحينما استفسرتهم (الجريدة) عن مغذى هذا التجسيد، أجابوا بأنهم يريدون إرسال رسالة واضحة لكل المتربصين بالثورة من فلول النظام البائد، بأن الثوار الذين جربوا الموت من قبل لأجل استكمال أهداف الثورة فهم لن يتوانوا مرة أخرى من تقديم أرواحهم فداء لأجل استكمال أهداف الثورة، وأنهم أيضاً قصدوا إرسال رسالة لأسر الشهداء، بأن الثوار لا زالوا هم أوفياء للشهداء وأنهم سوف يكونون في مكانهم إن تراجعت حكومة الثورة عن تحقيق العدالة والقصاص لأرواح الشهداء.

حضور الكنداكات

بالطبع طغى حضور الكنداكات على الموكب ومنحه الرشاقة والحيوية اللازمة، وأكد موكب لجان المقاومة بأن المرأة حاضرة ولن تغيب عن المواكب، وأنها حاضرة ليست من منظور الحضور الجسدي فقط، بل كذلك من وجهة نظر مطلبية تطالب حكومة الثورة بأن تجد المرأة السودانية نصيباً يضاهي تضحياتها ومشاركتها في الثورة، عبر تمثيل منصف وحقيقي في هياكل السلطة الانتقالية، وكان لافتاً ظهور لافتات تطرح التساؤل عن ماهية مشاركة المرأة في المجلس التشريعي المرتقب.

الجوع ولا الكيزان

بالطبع لم يغيب الوضع الاقتصادي المُعقد الذي يعيشه المواطنون بحثاً عن الخبز أو الوقود. ولطالما ارتفع السخط الشعبي في الأيام الماضية على انعدام الخبز أو صعوبة توفره، لم يتناسى موكب لجان المقاومة هذا المطلب الحيوي والمهم للجماهير السودانية، وعلى الرغم من أن الثوار أقروا بهذا المطلب الجماهيري في مذكرتهم التي رفعوها أمس لمجلس الوزراء، إلا أن الهتاف الطاغي كان هو : ( الجوع الجوع ولا الكيزان)، وتفاعل الثوار مع هذا الهتاف تفاعلاً كبيراً، وأظهروا حماساً منقطع النظير، وربما أرادوا إرسال رسالة قوية في بريد الحكومة مفادها بأنهم يربطون ما بين تردي الأوضاع الاقتصادية ومحاولات فلول النظام البائد لتخريب الفترة الانتقالية، وأنهم هم غير متخوفون من الجوع، إذا كان البديل عنه هو العودة إلى مربع النظام البائد. وفي نفس الوقت كان الهتاف أيضاً بمثابة إرسال رسالة أخرى في بريد النظام البائد ومناصريه، وهي إن كنتم تظنون أن الجوع وإحكام الخناق الاقتصادي على الشعب سزف يدفعنا لأن نخرج على حكومة الثورة ونمهد لكم الطريق للعودة مرة أخرى فأنتم واهمون، لأننا سنفضل الجوع والأوضاع المزرية بدلاً عن عودتكم مرة أخرى لحكمنا.

صوت الهامش

وفيما يتعلق بتأجيل تشكيل المجالس التشريعية والولاة المدنيين، رد موكب لجان المقاومة عبر مواكب لجان المقاومة في أطراف الخرطوم المهشمة، وهو ما أطلق عليه الثوار صوت الهامش، فقد طالب ثوار هذه المناطق بضرورة إكمال هياكل السلطة الانتقالية دون أن يشيروا إلى ربط ذلك بمفاوضات السلام الجارية حالياً في جوبا، وحمل ثوار مربع 58 السلام العشوائي، لافتة تجسد صوت الهامش وتطالب بضرورة استكمال هياكل السلطة الانتقالية بغية أن تصل إليهم الخدمات. وكان صوت الهامش معنياً في المقام الأول بضرورة إيصال الخدمات إلى هذه الأطراف التي تعاني من غياب الظل الإداري والمجالس التشريعية التي تمثلهم.

شهداء طائرة الجنينة

وكان مدهش حقاً أن تقتحم لافتة تذكر الحكومة الانتقالية بحادثة طائرة الجنينة في الأول من يناير الماضي، والتي راح ضحيتها نفرٌ كريم من أبناء الوطن. وتفاعل ثوار لجان المقاومة مع صور لشهداء طائرة الجنينة، وهو ذات الأأمر الذي منح موكب لجان المقاومة بريقاً إنسانياً آخراً، حيث أصبحت ساحة الثوار معرضاً حقيقياً لكل القضايا التي شهدتها الفترة الانتقالية ومثلت منعطفاً خطيراً في تاريخ الفترة الانتقالية نفسها، كتلك الأحداث التي شهدتها مدينة الجنينة بغرب دارفور والتي تعني لجمهور الثوار غياب الحكومة المدنية في الولاية، وأعتبروها نتيجة لتراخي الحكومة الانتقالية في تعيين ولاة مدنيين والاحتفاظ بسلطة العساكر وهم نفسهم الذين وجهت لهم الجماهير تهمة التراخي في حفظ الأمن في الولاية، الأمر الذي كان قد أدى لتفجر الأحداث وانفلاتها، وراح ضحيته عدداً كبيراً من أبناء الولاية.

الجريدة

‫2 تعليقات

  1. تمام التمام الشباب أذكى من من أن يغرر بهم الفلول والعسكر وأصحاب أجندة الهبوط الناعم والانتخابات المبكرة!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق