مقالات وآراء سياسية

وزارة المالية وأفكار صندوق النقد الدولي (2)

عبدالمنعم عثمان

الذين يدعون الى تطبيق أفكار صندوق النقد المبنية على تعديل اسعار المنتجات الزراعية كاساس للتكيف الهيكلى ، أى بالعربى ، الى تغيير مؤسسي فى بنية الأقتصاد نحو التنمية ، يتوقعون زيادة الناتج من السلع التجارية للتصدير نتيجة الحوافز السعرية التى تقدم للمنتجين . هذا بالنسبة للبلدان الفقيرة لتى تنتمى اليها معظم البلدان الأفريقية . أما بالنسبة للبلدان متوسطة الدخل ، فان مثل هذه التدابير سوف تحول هيكلها التصديرى بعيدا عن الصادرات التقليدية الى صادرات جديدة ، هى منتجات صناعية بصفة رئيسية .

السؤال الرئيسي هنا هو –حسب البحث – ما اذا كانت الأسعار أم القيود الهيكلية هى المسئولة حقيقة عن انخفاض الأنتاج ؟ وبلغة الأقتصاد :ماهى مرونات العرض فى الناتج الزراعى ؟ ويجيب البحث :

(.. هناك شاهد على الأنخفاض البالغ فى مرونات العرض .فمرونات السعر التجميعى طويلة المدى للعرض الزراعى فى تسع دول جنوب الصحراء كانت موجبة ولكنها بالغة الأنخفاض ” تراوحت مابين 0.07 الى 0.54 بمتوسط 0.21 “. وتقول أحدى دراسات البنك الدولى ، وهو شاهد من أهلها : ان سياسات الأسعار ومعدلات التبادل المنخفضة كان لها عموما أثر سالب على الأداء الزراعى فى أفريقيا . وقد زادت أسعار المنتج المحلى زيادة أسرع من الزيادة فى الأسعار العالمية -1969-1980 – وبالأضافة الى ذلك ، فيما يخص بعض المحاصيل الغذائيه ،لقد نمت أسعار الطعام بصفة عامة أسرع من محاصيل التصدير ولكن

انتاج الطعام لم يرتفع رغم ذلك . )

ثم تأتى نقطة ذات أهمية كبيره فى رأيى ، وهى ( .. وتشير كل هذه الشواهد الى وجود عوامل هيكلية أخرى كثيرة لاتزال تعمل على التقليل من شأن تأثير التغيرات السعرية على الأنتاج . وهذه العوامل الهيكلية الأخرى تشمل القيود التكنولوجية والتنظيمية والمؤسسية ونقص البنية الاساسية ) . وفى رأيي ان هنا بيت القصيد : فتوصيات الصندوق الدولى لا تتطرق ابدا لضرورة التنمية فى هذه المجالات الهيكلية التى اشار اليها حتى البنك الدولى . وربما يكون من المفيد الأشارة هنا الى التطور الرأسمالى السريع الذى حدث فى البلدان الأشتراكية السابقة وعلى راسها الصين بسبب وجود هذه العوامل الهيكلية من بنية اساسية وصناعات ثقيلة وتكنولوجيا متقدمة فى كثير من المجالات . وبالطبع فان توصيات الصندوق لاتأتى عن جهل بضرورة وجود هذه العوامل الضرورية لأى نشاط تنموى ، وانما لأن سياساته مبنيه على اساس أبقاء هذه البلدان على حالها خدمة لأغراض واهداف البلدان الرأسمالية المتطورة . وليس هذا بغريب ، ولكن الغريب هو اقتناع بعض مسئولى التنميه فى بلداننا الفقيرة بهذه النظريات البائنة الأهداف والمجربة النتائج كما وضح من الجزء الأول من البحث . وقد تشير بعض النتائج، التى تبدو ايجابية على الأقل فى مراحلها الأولى فى بعض البلدان متوسطة النمو والتى وجدت ظروف خاصة من المساعدات الأقليمية والدولية الى جانب وجود بعض العوامل الهيكلية المشار الي ضرورتها ، الى بعض النجاح لوصفات الصندوق ، ولكنها نتائج لايمكن تعميمها  ولا ضمان استمرار نجاحها فى مراحل لاحقة .

أما بالنسبة للدول الأفريقية الفقيرة المعنية ، يقول البحث ( .. أنه بينما قد تؤدى التدابير الجديدة الى تحسن الحوافز المقدمة للمزارعين ، الا أنها قد تؤثر تأثيرا ضارا على الأنتاج من خلال أضعاف قدرة الدولة على الأبقاء على بنية اساسية حيوية وتوفير الخدمات الأرشادية ، ومن خلال زيادة تكلفة المدخلات الزراعية – بسبب أزالة الدعم ومعدلات الفائدة الأعلى- وهناك نزعة واسعة الأنتشار تدعو لأن تقوم الحكومات بتطبيق أكبر تخفيضات ممكنة فى ميزانياتها فى ما يتعلق بالأنفاق على البنية الأساسية والأنشطة الأنتاجية المباشرة. والتأثيرات السلبية لمثل هذه التخفيضات على الأنتاج الزراعى قد تتجاوز كثيرا الأثر الأيجابى للحوافز السعرية ) .

وفى نفس هذا الأتجاه النقدى يقول  Mosley & Smith وهما من انصار الأصلاحات السعرية : ( تطلبت هذه الاصلاحات استثمارات عامة تكميليه فى المجالات المذكورة – البحوث والأئتمان والنقل – وذلك لتحقيق الأمكانات الكامنه ، غير انه أثناء الفترة محل الدراسة تقلصت هذه الأستثمارات بصورة جذرية . ومعظم العمل الشاق الذى قامت به الدول الأفريقية لتشجيع العرض الزراعى من خلال التعديلات فى سياسة الأسعار ومعدلات التبادل فى أوائل الثمانينات ، بعبارة أخرى ، قد ضاع بسبب الخفض الفورى للأنفاق الحكومى التنموى الذى جرد معظم الهياكل التى كانت موجودة من قبل من الخدمات المعاونة المقدمة للزراع . )

وبرغم من ان ماحدث فى السودان على عهد الأنقاذ تجربة لايمكن القياس عليها أو تعميمها على البلدان الفقيرة ، الا أن النظر اليها كمتابع دقيق لوصفات الصندوق فى الحد الأقصى ، مع نسف كل الهياكل والمؤسسات بل والسياسات الزراعية التى كانت تمارس بدرجة أو أخرى من الجدية ، ستعطينا صورة مكبرة لآثار اتباع تلك السياسات . انظروا لما حدث للزراعة بشكل عامة وللمشروعات المروية بشكل خاص ومشروع الجزيرة بشكل اخص !

ونحن لانقول بأنه بالضرورة ان تتابع وزارة الماليه السير على نهج الصندوق حتى النهاية ، ولكن اتفاقا مع مثل أهلنا الغبش بأن “الجواب يكفيك عنوانه ” فاننا قد رأينا ان ما اتبع من سياسات فى وضع الميزانية هو عنوان لاتخطئه العين على ذلك النهج ، بالأضافة الى نهج عدم التشاور والشفافية مع أصحاب المصلحة والثورة . ونواصل باذن الله .

عبدالمنعم عثمان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..