مقالات وآراء سياسية

سيف العدالة في السودان وليس الجنائية!

أبو الحسن الشاعر

فاجأتنا الأنباء أمس ، بقرار مثير للجدل هو الثالث من نوعه في غضون أيام ، فقد بدأت المفاجآت بتطبيع البرهان مع إسرائيل دون علم أو استشارة الحكومة أو مؤسسات الدولة .. ثم تبعه رئيس الوزراء حمدوك بخطابه للأمم المتحدة والذي ظهر بعد أيام من إرساله فأحدث هو الآخر خلافا كبيرا بين من يعتبرها طلب الوصاية أو لنقل طلب ” الولاية ” ومن يعتبرها مجرد ” طلب مساعدة ” لا تترتب عليها مخاطر !! ثم جاءت ثالثة الأثافي بالإعلان من جوبا عن تسليم الرئيس المخلوع والمطلوبين معه لمحكمة العدل الدولية .. ولا أخفي معارضتي لكل هذه القرارات الثلاثة بشدة وقد دخلت في جدل مطول على بعض القروبات فلم تقنعني مساجلات من يرون في التطبيع نفعا للسودان ومثالنا العديد من الدول التي سبقتنا في مضمار الركض نحو إسرائيل .. ولم تقنعني كذلك تفسيرات وحجج المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة وبعض السفراء الذين أجهدوا أنفسهم للي عنق الحقيقة وشهادتهم بالطبع مجروحة لكونهم ممثلين رسميين لـ ” حكومتنا ” .. أما قضية تسليم البشير فهذا شأن آخر ندلي فيه بدلونا.

وحتى لا يزايد علينا المزايدون فقد سبق أن كتبت في ” الراكوبة ” مقالا بعنوان ” مقصلة كوبر ولا فندق الجنائية ” كان المقال قبيل سقوط البشير بأيام ثم أعدت نشره بمقدمة الفرح والبشرى عند سقوط البشير مباشرة ” ويمكن الرجوع إليه على “الراكوبة”

ونجمل فيما يلي مآخذنا على قرار تسليم البشير وبقية المجرمين المطلوبين للجنائية:

أولا: تم الإعلان عن القرار من العاصمة جوبا .. وهو إعلان متعجل كان ينبغي أن يعلن من مقر الحكومة في الخرطوم ضمن كل ما يتم الاتفاق عليه في المفاوضات .. لكن يبدو أن المتفاوضين أرادوا الإعلان عن تقدمهم في المفاوضات لأن هذا كان شرطا للحركات المسلحة.

ثانيا : هذا القرار لا تسنده أي مؤسسة دستورية وكان الصحيح في نظري أن يتم الاتفاق عليه مبدئيا على أن يعرض على المجلس التشريعي بعد تكوينه وفق الوثيقة الدستورية ليأخذ طابعا تشريعيا سليما خاصة أن تكوين المجلس يشمل 67 % لقوى الحرية والتغيير وهي أغلبية تمنحها تمرير القرارات متى شاءت.

ثالثا: السودان ليس عضوا بعد في محكمة الجنايات الدولية والمعروف أن الاتحاد الأفريقي ضامن الوثيقة الدستورية لديه محاذير من توجهات المحكمة وقال إن المحكمة تستهدف الأفارقة دون غيرهم وسبق أن رفض تسليم البشير بل أن بعض دوله انسحبت من الجنائية الدولية.

رابعا : البشير لن يحاكم بجرائم دارفور فحسب بل على جرائم ارتكبت في حق كل أقاليم السودان ، وهذا القرار يفقد بقية الخصوم حقهم في الحصول على العدالة والقصاص من البشير وزبانيته وأولهم شهداء الثورة الذين لم تجف دماؤهم بعد.

خامسا : جرائم دارفور لم يرتكبها البشير وحده ومن ثم تجب محاكمة كل من ارتكب جرائم في دارفور وغيرها ومن بينهم محمد حمدان دقلو ” حميدتي ” الذي كان قد حدد شهر يناير موعدا لاستعادة جبل مرة لولا أن فاجأته الثورة وفي كل دارفور يعرفون العمليات الانتقامية التي قام بها.

سادسا : الجرائم لا إقليم لها والبشير من المؤكد لم يقتل بيده بل قتل الجنود بأمره ومسؤوليته تترتب على منصبه بحكم مسؤوليته وهنا تقتضي العدالة أن يكون البرهان وحميدتي أيضا على رأس المجرمين المطلوبين للعدالة السودانية والدولية في جريمة ” فض الاعتصام ” فهما بحكم منصبيهما وقواتهما واعترافهما بعقد جلسة تشاورية تقرر فيها فض الاعتصام ، مسئولان مسئولية تامة وعليهما أن يدحضا البراهين الشاهدة أمام المحكمة ولو على طريقة ” قلت لي  فض الاعتصام .. ما قلت ليك “.

سابعا : المطالبة بتسليم البشير وزمرته كانت بسبب أنه في سدة الحكم أما وقد وقع تحت قبضة الشعب وسيف العدالة في نظام ” حرية.. سلام.. وعدالة ” فلا مسوغ لتسليمه للجنائية الدولية ما دام سيلقى المحاكمة العادلة والقصاص العادل بما يشفي غليل أهل السودان.

ثامنا : توقيت الإعلان عن التسليم لم يكن سليما وهو سيأخذ الناس لجدل عقيم وقضية انصرافية بطلها يرزح في السجن مثلما صرف لقاء البرهان نتنياهو ورسالة حمدوك للأمم المتحدة الناس عن الأولويات خاصة أن ظروف البلد تقتضي الاهتمام بالأولويات مثل الخبر والوقود ومؤامرات الإخوان المسلمين لإشعال ثورة مضادة حسب أحلامهم .

تاسعا : من الشواهد أن السلطات العراقية رفضت تسليم الرئيس الراحل صدام حسين لأميركا أو أي جهة دولية وحاكمته بالإعدام ونفذت في قضية واحدة دون أن تنظر مئات القضايا الأخرى وهي قضية قرية الدجيل التي تم الحكم فيها بإعدام 148 فردا وتهجير النساء في محاولة اغتيال صدام التي لم يصب فيها أحد .. وبذلك تحاشت ألعراق أن تكون لها سابقة تسليم رئيس عراقي لجهات أخرى وكذلك رفضت ليبيا تسليم سيف الإسلام القذافي رغم المطالبات المتكررة خشية عواقب الصدامات القبلية فيما رفض الجنرال حفتر تسليم أحد قادته ” الورفلي ” .. وهاهو يتم استقباله في باريس والإمارات ومصر وروسيا وألمانيا إلخ ..

عاشرا : التسليم قد يكون فرصة للعسكريين للقيام بانقلاب بدعوى رفض التسليم خاصة أن البرهان سبق أن أعلن على الملأ وكذلك فعل الفريق الكباشي في مؤتمر صحفي أنهم لن يسلموا البشير للجنائية خشية أن تعتبر منقصة في حق الجيش السوداني لكن يبدو أن البرهان غير رأيه بعد لقاء نتنياهو.

ومهما كان موقف الإخوان الآن ضعيفا إلا أن تسليمه قد يقود لمواجهات .. وحكومتنا للأسف لم تأخذهم بالشدة المطلوبة فهي حتى الآن لم تقل لنا أين مليشيات الإخوان وأين كتائب علي عثمان وما حدث في تمرد جهاز الاستخبارات غير بعيد.

حادي عشر : إن العقوبات الدولية ستكون على هؤلاء المجرمين بردا وسلاما ومطلبا يسعون إليه بعد أن جربوا حر كوبر وزمهريره .. وتسليمهم لن يشفي غليل أهالي الشهداء والمعذبين من مدنيين وعسكريين طيلة ثلاثين عاما.

وأخيرا فإن القرار مقروءا مع طلب حمدوك ” ولاية الأمم المتحدة ” لفض النزاعات سيجعل ذلك أمرا لا سقف له وبلادنا فيها نزاعات قبلية عديدة فإذا هاجمت قبيلة أخرى واعتبرت أي دولة مجاورة مثلا أو غير مجاورة أن ذلك نزاع يهدد ” الأمن والسلم الدوليين ” جاز تدخل الأمم المتحدة وطلب تسليم أحدهما للجنائية وتسليمه يعني إغلاق الباب أمام أي حلول للنزاع وفتح باب لثارات لا تنتهي .

حاكموا البشير وزمرته في السودان وحققوا العدل فيهم لتكون سابقة للعسكر وعظة وعبرة لهم على جرائمهم .. فقد فعل جعفر النميري الأفاعيل وأعاده البشير معززا مكرما .. ومات على فراشه كما تموت العير .. دون أن يتم القصاص منه للدماء التي أراقها والأرواح التي أزهقها.

أبو الحسن الشاعر

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..