بدوي “الشحات”

نورالدين عثمان

ضمن ما سمعته وأسعدني مع ملايين السودانيين في الداخل والخارج، ما قاله “المحترم” الدكتور عبدالله حمدوك خلال الخطاب التاريخي بعد توليه منصب رئاسة الوزراء: “إن السودان لن يعيش على الإعانات والهبات، وسنعتمد على الإنتاج والصادرات المصنعة”، واعتقد أن هذه المقولة هي المحور الأساسي للنهوض باقتصاد السودان المنهار، ولكن يبدو أن وزير المالية الدكتور إبراهيم البدوي ينتهج نهج لا علاقة له بـ”الإنتاج”.

لم أسمع عن وزير المالية حتى اليوم، حديث جاد عن دعم سياسة الإنتاج، أو تشغيل المصانع المعطلة، أو دعم وإعفاء قطاعات كالزراعة، والصناعة، والنقل، من الرسوم والجمارك وغيرها، أو خطط لتوفير مدخلات الإنتاج لتبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران من جديد.

كل تصريحات الوزير، تدور حول “روشتات” جاهزة لمجتمع استهلاكي، كرفع الدعم عن السلع الغذائية والوقود، مناشدة المجتمع الدولي لدعم السودان عبر الهبات والقروض، زيادة سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، فتح حساب مصرفي لاستقطاب دعم المغتربين، استجداء الشركات التابعة للجيش والشرطة والأمن والمؤسسات الحكومية لتدعم خزينة الدولة، توزيع مبالغ نقدية مباشرة لـ4.5 مليون مواطن سوداني، زيادة ضريبة المنتجات الزراعية وغيرها..

كل ما سبق يصلح كبرنامج “شحتة” بامتياز، لا علاقة له من قريب أو بعيد بإصلاح اقتصادي، أو إنتاج أو تنمية أو بناء بنية تحتية قوية، والغريب في الأمر لم يتطرق الوزير حتى لخطط مستقبلية لبناء مؤسسات اقتصادية حكومية قوية في مجالات التعدين والذهب والزراعة وغيرها كشركات قابضة، تدعم خزينة الدولة، أو إنشاء “صندوق سيادي” يستثمر في أسهم وسندات وصكوك خارجية توظف عوائده في التنمية، أو حتى مجرد إشارة للموسم الزراعي الذي يعاني من ندرة في المياه وارتفاع في تكاليف التشغيل.

كل المقدمات التي يضعها وزير المالية أمامنا الآن، تقود إلى نتائج كارثية لاقتصاد مبني على الهبات والإعانات والقروض، اقتصاد يضع مصيره ومستقبله مقابل تسديد الفوائد المتراكمة، ويتجاهل بشكل متعمد إمكانات هذا البلد الهائلة من مياه، وأراضي زراعية، وثروة حيوانية وسمكية، وثروات معدنية وغيرها، وجميعها متروكة للسماسرة، والتجار، وعدد قليل من الشركات الخاصة “المشبوهة” التي تستغل هذه الموارد لتهربها إلى الخارج، في هدر واضح لثروة البلد، وسط تواطؤ من جهات تتحكم في هذا الملف، وتتعمد تدمير الاقتصاد وتجويع المواطن، لتبدأ تنفيذ خطط السيطرة والتمكين.

ما لم يبدأ وزير المالية، في الإعلان عن خطط استراتيجية واضحة لمستقبل الاقتصاد، بعيدا عن “الشحتة” والتسول، لن تعود الثقة للاقتصاد، ولن تستثمر الثروات بطرق مستقيمة.

منصة مطلبية:

عندما طالبنا قبل أشهر بتعويم سعر صرف الجنيه السوداني، كان الرفض بسبب الخوف من ارتفاع التضخم، وأسعار السلع، وصعود أسعار العملات، وكانت التوقعات تشير إلى وصول سعر الدولار إلى أكثر من 100 جنيه، اليوم نشهد هذا الرقم بدون تعويم، وتجاوز التضخم حاجز الـ 60 %.. ماذا ننتظر لاتخاذ خطوة جريئة وقوية في اتجاه “التعويم الكامل” وتوحيد سعر الصرف عبر آلية العرض والطلب، لضرب “تجارة العملة” في مقتل، وإعادة رؤوس الأموال إلى حقول الإنتاج، والبدء في تداول العملات الأجنبية عبر القنوات المصرفية..

نورالدين عثمان

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق