مقالات وآراء سياسية

أصلاح فكري وليس ديني!

صديق النعمة الطيب

لا يختلف مسلمان في أن أصل الدين مفارق ومطلق، وهو نداء الهي سامي يبتغي رفع الانسان من بشريته إلى إنسانيته ومن ثم عروجاً حراً في مراتب السمو تخلقاً بصفات الله تعالى فيما يشبه الانعتاق التام، ويلزم عن ذلك ضرورةً استحالة ممارسة هذا الدين على الأرض إلا على شكل صيغة تتفاعل مع النفس البشرية وأثقالها، وهذا هو مقتضى بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) .. ومن هنا يستبين لنا الفارق بين الدين بوصفه نص الهي مطلق ومحكم، وما بين التدين بوصفه فعل اجتماعي يحاول أن يتفاعل مع النص الالهي في حدود الطاقة البشرية ذات الأثقال، من خلال فعل (يَتَفَكَّرُونَ).

وجود الانبياء بين الناس وجود رسالي مؤقت، غير دائم (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، فالدين لا تنتهي سيرورته بموت الانبياء، والتدين لا تنتهي صيرورته بذهابهم، بمعنى أوضح فإن الدين حاجة وجودية للانسان، طالما بقيت هنالك حجب الغيب قائمة، تفصله عن مصير حياة ما بعد الموت (استبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا)، وحياة ما قبل الولادة (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ)، ولادة كل شيء، من نشوء الانسان والارض والافكار والايديولوجيات (reverse engineering).

يقول الله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، بالتالي نفهم أن جوهر الدين هو الايمان بالله والعمل الصالح، والعمل (أخلاقياً) لا يستحق صفة الصلاح إلا إذا حقق أكبر قدر من الخير لأكبر قدر من الناس بالمفهوم الكلي للأخلاق، التي يتفق عليها كل الناس بداهةً وفطرةً ومن ذلك لا نستغرب اجماع الناس على قيم (الحق والخير والجمال)، وهذا الفهم يقترب من قوله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)، سواء كانت هذه المفاهيم (قبلية)، أي ولدنا بها، أو (مكتسبة) من خلال التجربة، على اختلاف الرؤية الابستمولوجية.

يفصل المفكر عبد الجواد يس في كتابه اللاهوت، بين الدين والتدين بفكرته البديعة التي يعبر عنها بقوله أن الدين هو (المطلق – الأخلاق) والتدين هو (لاهوت – تشريع)، فالمطلق والأخلاق الكلية هي شأن إلهي ووحي لا يد لنا فيه، وأما اللاهوت وهو ما يصطلح عليه عندنا بعلم الكلام، فهو يختلف بختلف ادراكنا للحقيقة الالهية، وهذا هو سبب نشوء الفرق الاسلامة من معتزلة وأشعرية وماتريدية وسلفية وغيرها، وأما التشريع وهو الفقه، فهو نتاج التفاعل لاجتماعي وهو محاولة لضبط العلاقات الاجتماعية (فلا غرابة أن يصفه الغزالي بأنه علم دنيا)، ومن الاختلاف في الفقه خرجت المذاهب الفقهية من حنفية ومالكية وشافعية وخنبلية وظاهرية وأوزاعية وغيرها. يتضح لنا أن فعل (يَتَفَكَّرُونَ) لا يكون إلا فيما هو تدين بشري، ولا يكون فيما هو دين (إلهي)، وإلا لأصبح رجال الدين رسل وأنبياء بل أرباباً من دون الله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله).

لذلك تصبح كل محاولات تجديد الدين هي محاولات لخلق دين جديد لاستعباد الناس وقهرهم وسوقهم إلى حتفهم قاعنعين محلقين رؤوسهم ومقصرين، ولا غرو أن تجد كل حركات التجديد تحمل السلاح لأنها تعلم يقيناً أنها منبوذة ومرفوضة لمخالفتا فطرة الله، وهي الايمان بالله والعمل الصالح المتمثل في القيم الاخلاقية العليا. فالتحديد لا يكون إلا في الفكر، وفي كيفية انزل المطلق على ارض الواقع، وهذا الفكر فريضة اسلامية ملازمة للدين لا تنفك عنه. وهو عمل بشري لا خلود له وغير ملزم، لأنه يصيب ويخيب ويبلى وينخرم ويزول.

 

صديق النعمة الطيب

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..