أخبار السودان لحظة بلحظة

التجمع الاتحادي: المسارات بوابة لدخول الأصل

زين العابدين صالح عبد الرحمن 

0

جاء في جريدة الجريدة الصادرة يوم السبت 8 فبراير 2020م “أن التجمع الاتحادي طالب بإقاف التفاوض عبر المسارات في مفاوضات السلام الجارية بجوبا و تمسك بإلغائها، و قال الناطق الرسمي بأسم التجمع جعفر حسن عثمان خلال حديثه في ندوة ” ندوة التجمع الاتحادي” بالقضارف، كيف لشخص يسكن وسط أو شمال السودان و يغلق محله التجاري ثم يسافر بطائرة الحكومة إلي جوبا ليفاوض الحكومة نفسها” أن المسارات التي كان قد تحدث عنها هي ” مسار كل من – الوسط – الشمال – الشرق” و هي المناطق التي يوجد فيها ثقلا اتحاديا، خاصة للحزب الاتحادي الأصل. و عندما يأتي حديث إقاف التفاوض عن هذه المسارات المذكورة ليس القضية مرتبطة بقضية وطنية للسلام، أنما هي مرتبط بالصراع بين الحراك الاتحادي في الساحة السياسية، و الذي يشهد حالة من التشظي، و في نفس الوقت حالة من الاستقطاب الحاد بين المجموعات المختلفة.

معلوم أن فكرة المسارات هي جزء من الصراع المستتر بين المكونات السياسية لقوى الحرية و التغيير و الحركات المسلحة، و ليس خافيا أن العسكر ليس محايدين في هذا الصراع، باعتبار أن المساومة السياسية التي حدثت بين ” قحت و المجلس العسكري” يوميا تفرز تحديات في الساحة السياسية، و كل يحاول أن يقوى تحالفه في مواجهة غير معلنة علي الآخر. و التجمع الاتحادي الذي تكون لكي يكون ترياقا حاملا لشعار الوحدة الاتحادية، و أن يدير حوارا مع كل المكونات الاتحادية حول وحدة الصف، قد غض الطرف عن ذلك بعد ما حدث تغييرا في الساحة السياسية، لكن إنفراده بتمثيل الاتحاديين في قوى الحرية و التغيير قد أغرت قيادته بأن تجاوز قضية الوحدة، و جعل من التجمع الاتحادي حزبا قائما بذاته، و الفارق بين الأثنين أن الأول كان قد تكون من مجموعات اتحادية تهدف منه على وحدة كل الاتحاديين، كان ذلك قبل تحالف قحت، أي كان الهدف الوحدة. لكن بعد توقيعه علي إعلان الحرية و التغيير و أصبح أحد مكونات قحت،الأمر الذي أعطاه فسحة للحركة السياسية، و بالفعل أصبح دوره واضحا في مفاوضات قحت مع المجلس العسكري، مما أغرى قيادته أن تغير الهدف، لأنه بات يمتلك أرضية سياسية تحالفية تدعمه كتيار سياسي يختلف عن بقية التيارات الاتحادية الآخرى، هذا التغيير في المشهد السياسي أدى لتراجع قضية الوحدة. و تغيير الهدف إلي تشكيل حزب يتطلب تعريف القاعدة الاتحادية بالمرجعية الفكرية التي ينطلق منها الحزب، رغم أن قياداته في الندوات السياسية تدعي أن الحزب يمثل المنطلق الفكري الذي تأسس عليه الوطن الاتحادي و تطوره التاريخي، لكن كل المجموعات الاتحادية تدعي ذلك، و لكنها تفشل في قضية الوحدة لأسباب معروفة لأن الكل لا يريد أن يتنازل عن القيادة و يترك الاختيار للجماهير التي تشارك في المؤتمر العام للحزب.

أن اللقاء الذي عقد في القاهرة بين الاتحاد الأصل و وفد الحركة الشعبية شمال ” عبد العزيز الحلو” ثم ذهاب جعفر الميرغني للقاء وفد عبد العزيز الحلو في جوبا بوفد يضم ثلاثين عضوا، أعتبره التجمع الاتحادي فتح الطريق للأصل للولوج للساحة السياسية مرة أخرى. كان التجمع الاتحادي يعتقد أن الاتحاد الأصل لن يشارك في أي عمل سياسي في الفترة الانتقالية، و لن تسمح له الأجيال الجديدة المشاركة في الثورة أن يقيم أي نشاطات سياسية في الأحياء، باعتباره من القوى السياسية التي كانت مشاركة في سلطة الإنقاذ حتى سقوطها، لكن جاء كسر الحاجز من قبل قوى سياسية لها دور كبير في صناعة الثورة. ثم حدثت القطيعة بين الجبهة الثورية و قحت، و بالضرورة يكون للعسكر بصماتهم، أن تجيء الثورية بفكرة المسارات، و كما ذكرت في مقال سابق أن المسارات الهدف منها بطريق غير مباشر تجريد قحت من قاعدتها الشعبية، حيث تصبح فصائل الجبهة الثورية هي المسؤولة عن قضايا الناس و مشاكلهم و مطالبهم في هذه المسارات، حيث تم التوقيع في مسارات الوسط و الشمال، و حلت مشكلة الشرق بانضمام عناصر آخرى لوفد الشرق في جوبا، الأمر الذي لا يمكن التراجع عنه، لذلك تجتهد قحت أن يتم تعين لولاة الأقاليم قبل الوصول إلي اتفاق نهائي في قضية السلام، قبل أن تأتي الجبهة الثورية لكي تشارك قحت في هياكل السلطة الثلاث. و مشاركة الجبهة الثورية في كل هياكل السلطة سوف تخلق توازن جديد للقوى في الساحة السياسية تفقد فيه قحت الأغلبية التي سعت لها. و قحت لا تستطيع أن تدخل في صراع مباشر مع الجبهة الثورية، لكنها تستطيع أن تمارس نوع من الضغط من خلال تجمع المهنيين و خروج مسيرات جماهيرية تطالب بتعين الولاة، و كل الخروج الذي يحدث في بعض الأقاليم هو تخيط من قبل قحت و تجمع المهنيين، باعتبار أن الجماهير تضغط لتعين ولاة مدنيين في الأقاليم، كل ذلك يعد جزءا من الصراع.

أن قيادة التجمع الاتحادي مدركة لهذه السياسة التي سوف تحد من إنطلاقتها، كما أن الأجيال الجديدة أغلبيتهم يعتقدون أن الأحزاب لا تملك رؤى جديدة لمسألة الحكم في البلاد، خاصة أن ميل أغلبية القوى في تحالف قحت مالوا إلي المحاصصة في هياكل السلطة، أو التعينات التي جرت في الوظائف العليا للخدمة المدنية، حيث لم يتم إعلان عن هذه الوظائف لكي يتقدم لها أبناء السودان، هذه السلوك الذي أظهر الميل للمحاصصة، لابد أن يكون له ردة فعل داخل هذه الأجيال، التي تعتقد أن الأحزاب لها دور سالب في عدم تحقيق شعارات الثورة. الأمر الذي يعقد مسار التجمع الاتحادي في عملية الاستقطاب. و الجانب الآخر أن التجمع الاتحادي يتحدث عن دور تاريخي للحركة الاتحادية، و نبش للتراث، دون أن تدري الأجيال الجديدة عن هذا التراث التاريخي شيئا و لم يحقق غير رفع علم السودان،و كان من المفترض أن تكون هناك فكرة مقدمة من قبل قيادات التجمع الاتحادي لكي يلتف حولها الناس و القيادات الآخرى، أو أن تطرح مشروعا سياسيا للحوار الاتحادي تجعل الجميع يفكرون في فكرة واحدة، و لكن محاولة نقل الصراع لمنابر في الأقاليم، أن حظ الأصلي فيه أوفر، خاصة أن الجماعات التي تدين بالولاء للطائفة تعتبر كليات موحدة، تهزم أي فكرة ناشيئة. رغم أن الطائفة تتخوف الخوض في أي صراعات فكرية، لأنها لا تملك كادرا فكريا أو عناصر تشتغل بالفكر تستيطع أن تخوض في جدل حول العديد من قضايا التنمية و تحديث الحزب و تطوره و خلق المرجعية الفكرية له، لكن الطائفية تعرف جيدا كيف تستطيع أن تدافع عن مصالحها في خضم هذا الصراع.

البعض من قيادات التجمع الاتحادي تتحدث عن إنهم غير محتاجين للعناصر التي قد تجاوز أعمارها الأربعين، الفكرة سلبية لأنها تحدث قطيعة بين الأجيال، و أيضا أن الأجيال الجديدة لا تملك الخبرة السياسية الكافية التي تؤهلها أن تتجاوز العديد من التحديات، و أن كانت الفكرة محاولة لخلق حزب شبابي يستطيع التفاعل بيسر مع الأجيال الجديدة، لكن الفكرة تعطي الاتحادي الأصل الفرصة أن يفتح الباب لكل الذين غير مرغوب فيهم في التجمع الاتحادي، كما يحول الساحة الاتحادية إلي حالة من الاستقطاب الحاد، في الوقت أن الساحة السياسية ليست قاصرة علي التجمع الاتحادي و الاتحادي الأصل، بل هناك مكونات اتحادية عديدة تعمل وسط الجماهيري غير راغبة الدخول في حظيرة التجمع الاتحادي هؤلاء سوف يشكلون أيضا تحدي للتجمع الاتحادي.

هناك أيضا ثلاث إشكاليات تواجه التجمع الاتحادي، أولها أن الآزمة الاقتصادية الطاحنة في البلاد، و استمرارها فترة طويلة قد أضعفت الطبقة الوسطى، و أخرجتها من المعادلة السياسية، باعتبارها القوى القادرة علي القيام بدور الاستنارة و أيضا التغيير في المجتمع. الثاني أن هناك قوى عديدة داخل الساحة السياسية تعتبر نفسها تمثل الطبقة الوسطى، و لها إمكانيات تجعلها تنافس يقوة. ثالثها أن النخبة الاتحادية قد أهملت القضايا الفكرية فترة طويلة جدا منذ الجيل الأول و الثاني كأن أخرهم الشريف حسين الهندي، و الساحة الاتحادية لم تستطيع أن تدعم مرجعيتها الفكرية بإنتاج معرفي، و أن الإرث التاريخي لا يعتبر أداة صالحة في هذه الفترة التاريخية، و الحنين لا يسد هذا الفراغ، كما أن التجمع الاتحادي حديث التكوين و الصراع داخله مستمرا حيث خرجت منه أهم الأعمدة التي كانت قد كونته، أولهم تأج السر سرالختم الميرغني و محمد عصمت و غيرهم، هذا الصراع سوف يزيد و لن تخف وطأته. و نسأل الله حسن البصيرة.

زين العابدين صالح عبد الرحمن

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.