أخبار السودان لحظة بلحظة

ملاحظات على دفاتر ثورة ديسمبر المجيدة “3”

آدم أبوبكر مهدى

0

4- المكون العسكرى و “لعبة” التوازنات الخطرة:

أظننا نتفق جميعا أن القراءة المتعجلة وغير الدقيقة لما يجرى فى الساحة السياسية الآن والتى تستصحب الرغبات وليس الواقع لرسم خطى الثورة هى التى نخشى أن تقود البلاد والعباد الى “التهلكة”. لذا يصبح واجبا ملحا,  فى هذا المنعطف الحرج من تاريخ  “الدولة السودانية” ومطلب أساسى لاغنى عنه يقع على عاتق كل قوى الثورة هو القراء المتأنية والفاحصة للمشهد السياسى و تفكيكه لعناصره الأولية  لتصويب مسار ثورة ديسمبر المجيدة ومعالجة البطء فى إجراءآت تصفية “دولة التمكين” التى لازمتها حتى الآن, والذى مثلت  فيه الوثيقة الدستورية المعيبة دور القيد الذى مازال يعيق تقدم الثورة نحو تحقيق أهدافها. القراءة الحكيمة والمتبصرة لهذا الواقع وإتخاذ القرارات المناسبة التى تساعد إستعادة الزخم الثورى تعد واجب مقدم فوق كل الواجبات لأنها الضامن الوحيد لوصول البلاد  الى بر الأمان وتحقيق ما يصبو اليه الشعب السودانى وتحقيق آماله المؤجلة منذ أن نالت البلاد إستقلالها فى الحرية والسلام والعدالة والتنمية والديمقراطية المستدامة مع ضمان بقاء البلاد متحدة ومتماسكة.

فى هذا السياق, وبإخضاع المكون العسكرى فى المجلس السيادى للفحص نجد أنهم فى واقع الأمر ربما بحكم طبيعة مهنتهم من الواضح جدا أنهم لايملكون الخبرة السياسية الكافية  إذ لم يعرف فى تاريخ أى منهم أنه  قد كان له إهتمام “بالشأن السياسى أو بالسياسة كما نفهمها”, ولكنهم جميعا مع ذلك ودون إستثناء قد عرفوا, وبالأخص السادة رئيس المجلس ونائبه, بالحنكة والدهاء العسكرى والدقة فى نصب الكمائن “للأعداء” ويقف تاريخ كليهما شاهدا بذلك, فهو تاريخ حافل بمثل تلك “الإنجازات” العسكرية, وهى التى أهلتهم, فى حقيقة الأمر, لكسب رضاء “الإنقاذيين” عنهم “إستثناءاً” مقارنة برصفائهم  وترقيتهم لأعلى الرتب, فهم ليسو كغيرهم من الضباط  وكذلك المدنيين من عضوية التنظيم  الذين كان الإنتماء والولاء ولا شيئا سواه هو ما أهلهم للحصول على الرتب العسكرية الرفيعة ولتولى أرفع المناصب فى الدولة دون إستحقاق يذكر.

المتابع للمشهد السياسى الحالى فى السودان يلاحظ بوضوح تام أن المكون العسكرى بالمجلس السيادى هو القابض فعليا على “مفاصل” السلطة وذلك بحكم سيطرته وتحكمة على عمل الأجهزة الأمنية, تلك الميزة المجانية التى منحها له من صاغو الوثيقة الدستورية ليس بسبب توازن القوى كما يدعى البعض بل لتحقيق أجندتهم الحزبية الخاصة وتمريرها فى ظلام الغرف المغلقة, ظل شريكا إسميا يوظف تلك السلطة ليس لخدمة أهداف الثورة بل فى “لعبة توازنات خطرة” بين الثوار من ناحية وفلول الإنقاذ من ناحية أخرى مستخدما خبراته العسكرية لضمان إنهاك وإضعاف الطرفين لينقض عليهما فى اللحظة المناسبة طمعا فى إحتكار السلطة والحصول عليها كاملة غير منقوصة.

فالمكون العسكرى  يعلم, من ناحية, أن القوى المنضوية تحت إعلان الحرية والتغيير و تجمع المهنيين ليست قوى “موحدة إستراتيجيا” بل يجمعها هدف مرحلى تكتيكى وهو إسقاط النظام وإستعادة الديمقراطية عند بعضهم بينما البعض الآخر, وبالأخص السيد الإمام يعلمون أن حدوده هى إسقاط “رأس النظام” وليس النظام نفسة وقد تم له ذلك. وهم الآن يغرونه ومعه حزب المؤتمر السودانى بالإنتخابات المبكرة لكى يفضان  عمليا الشراكة مع مكونات “قحت” الأخرى وليعملا سويا  معهم “تحت الطاولة أحيانا وفوق الطاولة أحيانا أخرى” على تخذيل الثوار وشق صفوفهم وإفشال جهود الحكومة كما يحدث الآن.

كما يستخدمون فى ذات الوقت “فلول الإنقاذ وتوظيف نفوذهم المتبقى فى أجهزه الدولة و فى السوق لإرتكاب أعمال إجرامية “مثل رفع سعر الدولار و تخريب الخط الناقل للبترول” وكذلك لمطاردة “شباب لجان المقاومة” لإنهاكهم وإعاقة أنشطتهم لتكون المحصلة شل قدرات الحكومة فى الخروج بالبلاد من النفق المظلم الذى أدخلها فيه نظام الإنقاذ.

ومن ناحية أخرى يقومون بتسهيل مهام الحكومة فى القيام ببعض الإجراءآت المحسوبة التى تضعف قبضة فلول الإنقاذ تدريجيا على أجهزة الدولة عبر إقالة بعض كوادرهم وكذلك السماح بمحاكمة بعض رموز النظام وزجهم فى السجون, وتمثل محاكمة البشير و مجرمى جهاز الأمن الذين إغتالو الشهيد أحمد خير مثالا لذلك.

واضح أن هذه إستراتيجية خائبة ولن تقودهم الى تحقيق طموحاتهم فى الإستحواذ على السلطة ليس فقط لأن المجتمع الإقليمى والدولى يرفض الحكومات العسكرية ولكن لأن الثوار أنفسهم وبالأخص شباب الثورة لن يسمحو أبدا بعودة العسكر للحكم وأن أى محاولة من “المكون العسكرى للإنقلاب على الثورة”  ستواجه بمقاومة عارمة وأكثر ضراوة من التى واجهها المخلوع.

لذا فإنه يجب إسداء النصح “للمكون العسكرى” لإستبدال هذه الإستراتيجية لأنها مكشوفة ومحكوم عليها بالفشل وليعلمو أن قطار عودة دولة الديمقراطية وسيادة حكم القانون قد إنطلق ولن يعود القهقرى.  وأن من مصلحة الجميع  الإسراع للحاق به فلا يوجد خيار غير ذلك لمن أراد النجاة من الطوفان الذى لا محالة قادم متجاوزا حتى “الوثيقة الدستورية نفسها”  إذا لم تتم المعالجات السريعة والعاجلة للأزمات التى يمر بها الوطن والتى يبدأ الطريق اليها أولا بالتصفية الكاملة “لدولة التمكين”.

 

آدم أبوبكر مهدى

[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.