مقالات وآراء سياسية

حكايتي مع البوذيين.. و(جوبا) الطفشت بوذا!

إبراهيم مصطفى

في العادة آوي إلى فراشي للخلود للنوم عند الواحدة صباحا بعد سياحة عبر القنوات الفضائية ومنها بالطبع القنوات السودانية والتي يكون حظي منها دائما برامج الأطفال بحسب الفترة المتاحة لي للمشاهدة التي تصادف هذه البرامج لاختلاف التوقيت ، لكني ما أن أبدأ في مغازلة النوم بعد إطفاء النور ، إلا ويبدأ ذلك الراهب البوذي الذي يسكن في الشقة في الطابق الأسفل (بقيام الليل) و(التهجد البوذي) وأداء ترانيم بوذية بصوت عال مع الضرب على آلة إيقاعية مثل (الدلوكة الصغيرة ) أو (الشتم) بصورة مزعجة تجعل النعاس يفر من عينيي ، فأمتلئ غيظا وتغلي بداخلي جينات “الكواهلة” فأنعل ( أبو خاشه) رغم إنني لا أعرف معنى (خاشو) !! ثم أزداد غليانا وتمور في داخلي جينات (المحس) فأجد نفسي (أسب ديشه) كما يفعل بعض السودانيين عندما يبلغ بهم الغضب المنتهى ويثقل عليهم (سب الدين)!! ومع ذلك أكثر من الاستغفار بعدها ، كما إنني عند الذهاب إلى مكتبي بوكالة يونهاب للأنباء أشق يوميا في طريقي جيئة وذهابا أكبر معبد بوذي في كوريا لطائفة بوذية تسمى (جوكيسه) وذلك لوقوعه مجاورا للوكالة فأشهد يوميا صلواتهم التي هي أشبه بالمكاء والتصدية وهم يسجدون لبوذا ويجرون السبح تسبيحا ، هذا فضلا عن صدفة جمعتني بشاعر بوذي يسمى “تشوي” ونشأت بيننا صداقة ،وهو في الحقيقة رجل رقيق الطبع .. سمح الخصال وطيب المعشر ، لكنه ما أن يدعوني إلى قهوة أو طعام إلا و(يهريني هري) بأشعاره التي لا أفهم منها حرفا واحدا ويتوهم أنه بمقدوري أن أقوم بترجمة ديوان شعره من الإنجليزية إلى العربية ويتعشم فيني خيرا بل يلح علي في ذلك وأوعده خيرا و(الوعد عندي غير مأمول ) ، كما أتيحت لي أيضا فرصة نادرة أن أكون في صحبة البروف العلامة جعفر ميرغني عند زيارته إلى كوريا بدعوة من إحدى المؤسسات الثقافية للتعرف على الثقافة الكورية فزرت معه معظم المعابد البوذية واستمعت إلى عدة محاضرات في تلك المعابد ، وإزاء هذه الخلفية عكفت على قراءة سطحية غير متعمقة و لمحات وقطوف من البوذية والتي كانت بالنسبة لي منطقة ممنوع الاقتراب منها بحسبانها ديانة لعبادة الأوثان والتماثيل والخزعبلات وقد وجدتها فعلا كذلك ولكنني اكتشفت أشياء كنت أجهلها عنها أحاول أن أوجز لمحات عنها بأسلوب عامي مبسط هنا تعميما للفائدة

# أولا فالبوذية هي ( فلسفة) أكثر من كونها ديانة ، أسسها رجل يسمى سيدهارتا غوتما قبل أكثر من 500 عام قبل ميلاد المسيح وكلمة (بوذا) ليست أسمه الأصلي وإنما لقبه وتعني الشخص النبيل اليقظ (التفتيحة) وهو في الأصل لم يزعم أنه إله أو نبي أو صاحب ديانة ولا يحزنون وإنما مريديه وأتباعه هم من ألهوه بعد موته فالرجل ولد لأسرة (مرطبة ترطيبا) وفي يده ملعقة من ذهب وكان (ود عز ومهلة وآخر دلع) وعاش في ترف وبذخ داخل قصر منيف على سفح جبال الهملايا معزولا عن المجتمع الذي كان في حالة فقر مدقع ،ماتت أمه وهو في السابعة من عمره وتولت تربيته عمته ، عندما بلغ عمره 16 سنة زوجوه (رغم أنفه) بأميرة جميلة لكنها (امرأة نقناقة) تسمى (جوبا) لا أعرف إن كان للإسم علاقة بعاصمة الجنوب !! وفي رواية أخرى اسمها (ياسهورا ) وأنجبت منه طفلا ، لم يدم الزواج طويلا وكرهته الزوجة الجميلة (بالنقة الكثيرة) عيشته فانفصل عنها و(طفش) هاربا ليصطدم بمجتمع مزري من الفقر والبؤس مختلف تماما عن واقع الحياة داخل القصر المنيف .

# عاش لمدة ست سنوات مشردا معتكفا في الجبال واختار حياة الزهد والتقشف والتجرد من الشهوات والتأمل لينسى آلامه ويداوي جراحاته يأكل من الحشائش التي تنبت على الجبال ومن خشاش الأرض.

# من الخزعبلات الأساسية التي تقوم عليها فلسفة البوذية التي أصبحت ديانة بعد موت مؤسسها هي أن الشخص عندما يموت يتم حرق جسده وتنتقل روحه إلى جسد آخر (تناسخ الأرواح) فالروح في المعتقدات البوذية لا تفنى ولهذا يعتقدون أن روح بوذا عائشة تنتقل من جسد لآخر و هذا يفسر وجود تماثيل مختلفة لبوذا .

# البوذية لها طوائف وجماعات ومعتقدات وطرائق قددا .

# البوذيون يعتقدون في مسألة التمائم والحجبات و(المحاية) و بركات بوذا ، فنجد الكوريين منهم عند حلول امتحانات الشهادة يذهبون للتبرك في المعابد وشراء الأحجبة والتمائم من أجل نجاح أبنائهم في الامتحانات كما أنهم لا يأكلون اللحوم بجميع أنواعها والرهبان منهم رجالا ونساء يحلقون (صلعة) ولا يتزوجون بتاتا .

# كما إنهم يمارسون شعيرة الصيام أيضا لمدة أربعة أيام في السنة وفقا للشهور القمرية . والصيام يبدأ بالامتناع عن الأكل والشرب من شروق الشمس ويتم الإفطار مع غروبها .

# يؤمن البوذيون بقراءة الطالع (ضرب الودع) وهناك مكاتب (لستات ورجال الودع) يرتادها كبار رجالات الدولة والسياسيون ومرشحو الرئاسة كما أن معظم رجال الأعمال لا يبرمون الصفقات إلا بعد قراءة طالعهم والاطمئنان على نجاح تجارتهم.

# في ختام هذه اللمحات فقد قرأت أن بعض المسلمين يزعمون أن النبي ذي الكفل، هو بوذا، بينما يرى جمهور العلماء أن ذي الكفل هو النبي حزقيال ولكنني شخصيا رغم إنني لست فقيها ، أرى خطل الزعم بأن بوذا هو أحد الأنبياء نظرا لعدم إيمانه في الأصل بيوم البعث والحساب.

إبراهيم مصطفى

صحفي بوكالة الانباء الكورية يونهاب

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..