مقالات وآراء سياسية

مهلاً..قبل أن تنهال السكاكين على مسرب الامتحان التجريبي

معمر حسن محمد نور

في الأنباء أن الشرطة في ولاية الجزيرة تحقق مع مدير مدرسة سرب بعض أوراق الامتحان التجريبي للشهادة السودانية لولاية الجزيرة.لا أحد بالطبع يقر ما حدث .وكل النعوت السيئة تجاه الفاعل ،في متناول الجميع.ولكني أريد الخروج من حفلة حملة السكاكين كما وعلى ثور وقع .وأسلط الضوء على جانب من  الأمر .تهون فعلة المدير أمامه بعشرات المرات. في تأثيره على العملية التعليمية في بلادنا ،واستمرار خطايا النظام السابق في هذا المجال.

وأبدأ بطرح سؤال على جيل الآباء ومن قبلهم من الذين جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية. من منكم جلس لامتحان تجريبي إقليمي في ذلك الزمان الذي يحلو للناس تسميته بعصور التعليم الذهبية ؟ لا أريد الدخول في النوستالجيا ولكن الإجابة بالقطع، لا أحد.لتحيلنا الإجابة على سؤال آخر : هل كان ذلك عن قصور من تربويي ذلك العهد أم أن تطوراً نال الإدارات التربوية في زمان النظام المباد ؟ والإجابة عندي ،لا هذا ولا ذاك.بل ولا علاقة لها بهذا المنطق من أساسه.إذن ما الأمر ؟ هنا مربط الفرس.

أي امتحان تجريبي للجالسين لامتحان الشهادة يخرج من أربعة أهداف أو أخرى في سياقها  ،لا علاقة له بالعمل التربوي. وهي 1/ تدريب الطالب على التعود على الجلوس لثلاث ساعات في الامتحان هي المرة الأولى التي يواجه فيها هذه التجربة منذ دخوله سلك التعليم 2/التدريب على توزيع الزمن على الأسئلة3/ تدريب الطالب على طريقة الإجابة على أنماط الأسئلة المختلفة وحدود الإجابة دون زيادة أو نقصان.4/ تغذية راجعة لمعلم المادة لمعرفة مواطن المشكلات التي يواجهها طلابه بعد أن قام بتدريسهم.. إضافة إلى سلوك الطالب خارج المدرسة أيام الامتحانات.

مما سبق ، يتضح أنه لا علاقة لكل ذلك بأي طرف خارج المدرسة. فمن أين جاء تدخل الولاية في هذا الشأن حتى أصبح يقارن بامتحان الشهادة حتى في تدخل الشرطة عوض أن يكون الأمر مجلس محاسبة من إدارته الأعلى ؟

في الإجابة على هذا السؤال تدخل فرضيتنا التي نود إثباتها بأن أي امتحان يأتي من خارج المدرسة في أي مستوى عدا امتحان الشهادة هو على حساب المعلم والطالب ومجمل العملية التعليمية. ولكن ما زال السؤال قائماً عن مصدر هذه الفكرة الدخيلة على تراثنا التعليمي. فامتحانان تجريبيان من المدرسة تفصل أيام بين مناقشة الأول وأداء الثاني ، أعظم اثراً على تحصيل الطالب من كل هذا .فباب الدخول لهذه الفكرة كان عبر مركزية الدولة الشمولية التي تنعكس على كل المجالات بطريقة آلية.فكما صودر القرار السياسي ، فإن القرار الفني  والإداري يسحب إلى أعلى ،فيمارس المدير دور الموظف والوزير دور المدير ومن حول الرئيس دور الوزراء والرئيس دور الكل إذا اقتضى الأمر. وانسحب ذلك حتى على العمل النقابي. فالكل ينتظر ما يتنزل من أعلى . لذلك فإن أي امتحان موحد سواء أكان في الصفوف الدنيا أو الفصل النهائي. هو في الأصل سحب لمسئولية فنية لمعلم المادة والشعبة  نصت عليها اللوائح المدرسية  على مر تاريخ التربية والتعليم في بلادنا . ومن ثم مركزتها في يد موجه الولاية.والقرار الإداري في رئاسة الولاية المنصاعة بدورها لرغبات الوالي وتتحسب لغضبته  بمن فيهم وزيرهم . لذلك فمن غير المستغرب في أيامنا هذه ، ندرة القادرين على اتخاذ القرار.فالمعلم الذي لا يضع امتحان النقل أو التجريبي، منزوع القرار الفني ، الذي يمثل أوسع قاعدة تدريب على اتخاذ القرار دون دورات أو غيرها. ففيه تحمل لمسئولية تحديد مدى صلاحية طالب للانتقال للصف الأعلى وفق تقييمه هو لا تقييم المركز. وكلنا نذكر أن معلماً ما ،يقرر بعد تصحيحه لامتحان ما ويكون فيه التحصيل ضعيفاً ، أن يضيف درجات لكل الدفعة ، دونما وجل بكامل مسئوليته . فهل من تدريب على تحمل المسئولية أكثر من ذلك ؟ لذلك فإن دخول الشرطة في التحقيق مع مسرب الامتحان ، يوضح مدى انحسار المسئولية عن الإدارة التعليمية وذهابها من دون وجه حق لجهة لا علاقة لها بالتعليم.وهي من موروثات النظام البائد فقد تعجب المصريون عندما تورط طلابهم الجالسين لامتحان الشهادة ، ان  أمتحانات الشهادة تدخل ضمن الأمن القومي !! ؟، ولا أدري ما سيكون انطباعهم إذا علموا أن امتحاناً تجريبياً ، يدخل في مسئولية أمن الولاية !!؟

والأنكى أن كل ذلك مربوط بإثقال كاهل ولي الأمر بدفع رسوم باهظة . لكن الأسوأ على الإطلاق ، أن يكون من بين الأسباب الخفية لاستمرار هذا الشكل من الامتحانات . جداول الحوافز الممركزة على هذه الامتحانات . إلى درجة الطلب من مديري المدارس باستخراج نتيجة للامتحان التجريبي ورفعها للولاية !! وقد تصل بعد ان تتحول المدرسة إلى مركز امتحان وفقاً للقانون ، لا يجوز لها الانشغال بغير الشهادة السودانية .  لينهض السؤال : ما الفائدة العائدة من هذا التحليل للولاية  على الطالب ؟ لا إجابة إلا وضع بند من بنود الحوافز يسمونه (حافز تحليل الامتحان التجريبي).

ختاماً وبناء على ما سبق ، فإن على لجان المعلمين العمل بجد لإعادة هذه السلطة الفنية والإدارية إلى المدرسة والمعلم . وكفى عبثاً.

 

معمر حسن محمد نور

[email protected]

تعليق واحد

  1. جلس إبني لإمتحانات مرحلة الأساس قبل ثلاثة أعوام وفؤجئت حينها بحضور إثنين من جهاز أمن المخلوع يمتطون بوكس قبل بدء الإمتحان وعند إنتهاء الإمتحان وعندما إستفسرت علمت أنهم يحضروا لرصد الحضور والغياب
    السؤال الذي لم أجد له إجابة حتى الآن ما علاقة جهاز أمن المخلوع بالحضور والغياب لإمتحانات مرحلة الأساس وكلنا يعلم بأنه من صميم مسؤلية وزارة التربية والتعليم
    وكان ذلك تأكيد لمقولة أن النظام البائد يديره الأمن لا غير في كل مناحي الحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى