عفوا صديقنا “دنقل”… سنصالح وان لم يمنحونا الذهب..

تعليق علي مقال المكرم د. الشفيع خضر (السودان والتطبيع مع اسرائيل)
لك الشكر الخالص د. الشفيع وانت تقدح زناد هذا العصف الذهني المرتجي الذي تدعو له الجميع . ولك الشكر ايضا اذ تكرمت – عرضا – باقتراح ترسيم حدوده في اطار عقلاني يلامس المنهجية الاكاديمية . حيث اراك متعففا تجتنب الوصول لنتائج وتوصيات (برغماتية) مباشرة . رغم هذا الاقتحام الجرئ “لتابو التطبيع” و طرحك لهذا السؤال الفيصل: (هل في مقدور القيادات والزعماء السياسيين في هذه البلدان النامية الدفع ببلدانهم خارج دائرة الاستقطاب التاريخي العربي الإسرائيلي لصالح شعوب بلدانهم، وفي الوقت نفسه لصالح مبادئ العدالة الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الشعب الفلسطيني؟)..
نعم ..الامر في المجمل كما تفضلت بشرحه …فحتي حين قريب كانت المسالة الفلسطينية هي القضية المركزية الأهم للعرب ومن (والاهم).. لكن ما نراه الان أن -التطبيع- هذا التابو الرئيس القديم, صار يتخذ شكلا من قداسة ! اذ تطوعت اكثرية من عرب وعجم وقامت لتغسله بالماء المقدس وقدمت له القرابين بل وتقدم باستمرار روتيني متسارع الايقاع…استجابة ومجاراة لشروط التعايش في عالم سريع التغيرولا يعشق الثوابت. قرر انتاج -او اكتشف- ان هنالك ثمة اعداء جدد أجدر بالمواجهة والمخاشنة . او لعل التطبيع ربما فتح احضانه كأفق بديل بعد عجز ادوات الشجب والنصب والتخوين العربي في صد مده الجسيم. او انه جاء نتيجة حتمية لانحسار المد الثوري الكوني وتقادم بل عبثية قرارات المنظمات الدولية تجاه هذه القضية في عالم اليوم ..عالم القطب الواحد.
دعنا – بالقفز فوق وقائع وتفاصيل كثيرة – نحاول ان نمعن النظر مليا من خلال التلسكوب والمجهرالسوداني الخالص , لما اسميته انت (تابو علاقة إسرائيل مع السودان) علنا نتفق او نقترب من الاتفاق حول الحقائق الاتية:-
• تناهض او تتهرب او لا تبدي حماسا للتطبيع , جل النخب السياسية السودانية – يسارا ويمينا- خاصة تلك النخب الملتزمة ايدولوجيا او تنظيميا او ربما حتي تلك التي تتحكم فيها سايكولوجية الشخصية السودانية (التي من بعض خصائصها انها لتفضل التضحية المطلقة وبلا هوادة فقط من اجل موقف التزمت به من قبل لا تحيد عنه…فقط هكذا!!!)…هذه النخب مجتمعة ما زالت تتوشح بالتمنع و تتمترس خلف اللاءات الثلاث وما زالت تقول بجوهرية ومركزية المسألة الفلسطينية .. بل تنفر نفورا شديدا حتي من مجرد فكرة ابتدار حوار حول التطبيع فهذا تابو وكفي..ولا تابه لكل المتغيرات التي تفضلت بالاشارة اليها.
ولربما شذ عن معظم اؤلئك الساسة “نميري الفرد” ثم “البشير ونظامه ” في اطار سعيهما للحصول علي اكسير الخلود وكلاهما لا تعوزه “اللامبدئية”.. وانطلاقا من ذات “اللامبدئية” هذه تعالت الان مناحات من انصار النظام البائد تنعي عروبة السودان وضياع القدس.!! وعجبا ..اذ هي ذات الاصوات والمنابرالتي أصلت للتطبيع بالامس تحت مطاطية (فقه الضرورة) او اقتداء بمفهوم التعايش في دولة المدينة المنورة..(فالانتهازية المطلقة لا تعدم حيلة)..
• اما وقد اشعل (لقاء عنتبي) الاسافير, فعلي الفلسطينيين والعرب الذين هاجموا وذموا بل ربما اساء بعضهم الادب , عليهم ان ينتبهوا ويفهموا سايكولوجية الشخصية السودانية شديدة الحساسية (حتي تلك النخبوية الرافضة للتطبيع ) فهي لن تقبل التطاول والاملاء ناهيك عن الاستعلاء العنصري اي كان مصدره. ومهما كانت دوافعه…
• في المقابل, فان جل القوي الشبابية الحديثة (اعمار 18 -40 سنة) وهي في الغالب غيرمسيسة , ثم انها تمثل الاكثرية الساحقة من حيث التعداد , لهذه القوي ادواتها الحداثية الخاصة المتاحة من خلال تكنولوجيا التواصل التي تجاوزت بجيلها كل اشكال “التابوهات” .. هذه الادوات الاسفيرية استخدمت في تحليل وفهم المسألة الفلسطينية.. ولذلك فان هذه القوي الثورية ربما تفضل ان تقيس مأساة الشعب الفلسطيني علي ميزان مأساة الشعوب السودانية في الجنوب وفي دارفور وغيرها.. بل علي ميزان نصيب “الامة السودانية” كلها من حيث التنمية حتي بالمقارنة بالضفة الغربية وقطاع غزة.. فتكون نتيجة هذا القياس ليس في صالح القضية الفلسطينية بداهة…ويكون التطبيع او حتي مجرد انهاء العداء عندهم في حكم البداهة ايضا.
• حقيقة,, ان مفهوم الهوية السودانية لدي الكثيرين يؤثرايجابا واكثر عمقا في مناصرة التطبيع , وقد تأسست علي ذلك وجة النظر القائلة بان الأمرفي جوهره مجرد صراع حول الارض بين ابناء عمومة من الساميين.. فما بال السودانيين الحاميين ياخذونه بصيغة نكون او لا نكون ؟؟ وقد لخص الاستاذ (عبدالواحد محمد نور) الامر بقوله القديم المتجدد: “ان العداء مع اسرائيل امر فرضته النخب الحاكمة المتعاقبة.. ولم تستشر فيه احد”…
عموما,, و مع الاخذ في الاعتبار كل المعطيات والظروف التي تفضل بالاشارة لها المكرم د. الشفيع , فاني لا اريد ان اقفز هكذا الي النتائج و الزعم بان التطبيع امر واقع وحادث لامحالة ..فكما اراها ان هي الا مسالة زمن قصير ليس الا ..وهذا امر مرغوب او مقبول او علي الاقل لا باس فيه عند السواد الاعظم من السودانيين الشباب (رغم افتقارنا المدقع لاليات قياس الراي)..بيد ان البأس والاشكال والمعضلة لربما تكمن في امور اخري واسئلة صريحة ينبغي ان تطرح.
الشاهد: اذا اجمتعنا حول حقيقة انه لم يعد لنا حاجة في العداء مع اي احد كان , فيتوجب ان يأتي التطبيع كخيار استراتيجي مرغوب فيه وفق رؤية عميقة شاملة. نسال فيه انفسنا جهرا ماذا نريد من اسرائيل انيا ومرحليا ومستقبليا وماذا تريد منا؟ هل هي فقط مسالة فتح مجال جوي وعلم يراد له ان يرفرف علي ارض النيلين (رغم الثراء الفاحش لرمزية ان ترفرف نجمة داوءد في ما يسمي عاصمة اللاءات الثلاثة) ؟؟.ام ان الامر لا يعدو كونه تجنيدا للسودان في معسكر السنة في مواجهة المعسكر الشيعي؟
ام ان اسرائيل التي تتفوق علينا في التخطيط الاستراتيجي تريد علاقة جدية مثمرة وهي ربما تدرك حجم ثرائنا اكثر منا ؟؟ ام ان علينا ان نتوجس منها خيفة؟؟ والحديث عن التوجس هنا يقودنا الي ان نسأل هل تحسبنا جيدا نحن الي التوجس الحتمي للجارة الشقيقة من هكذا علاقة تربطنا مع اسرائيل؟ وماهي استراتيجتنا للموأءمة بين مصالحنا طرف هاتين القوتين؟؟…وكل منهما تري في الاخري العدو الاستراتيجي الاول..!!
صراحة ,, لكم وددت ان لو جاءت مساعي التطبيع نتيجة لرؤية ودراسة سودانية خالصة عريضة الافق متفتحة الذهن في اطار التخطيط لسودان ما بعد الثورة ..رؤية تاخذ في الحسبان عنصر الزمن والتوقيت لماذا الان؟ هل هي مجرد محاولة لتمرير صفقة القرن ؟ ام هي محاولة لالقاء طوق النجاة لنتنياهو وترامب ؟؟ وهل تغيب مسألة مياه النيل من حسابات اسرائيل ..وحساباتنا؟..
من جانبنا, هل نطبع فقط من اجل شطب اسم السودان من تلك القائمة التي ادخلتنا فيها حمافات وسذاجة نظام مقتلع؟ ام ان اسرائيل تصلح هي نفسها ان تكون شريكا في التنمية الشاملة المستدامة ان لم نتقبل – حتي الان – فكرة ان تكون صديقا… يؤتمن؟ …
فعفوا ومعذرة .. رائعنا دنقل …الان لم تعد تغني عنا شيئا تلك وصية كليب إلى الزير سالم… ..لا تصالح ……..لكننا لن نمل اغانيك ابدا
[email protected]
احمد البشير احمد المدني
مدير ادارة المجتمع المدني والمغتربين الافارقة
مفوضية الاتخاد الافريقي,,اديس ابابا



