
ليست هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التى نخاطب فيها الشهداء، ومن الضرورى أن نقدم بعد كل فترة ما يجدد العهد بأبطال ضحوا من أجل الوطن وثورته ،على رأس هؤلاء سقط بالأمس القريب شهيد الحركة الطلابية الرفيق معتز محمد احمد بالجريمة البشعة بجامعة الجزيرة.
هؤلاء الشهداء قد ارتقوا وأصيبوا في ميادين الثورة وحملوا مع غيرهم من الشباب أمل الثورة ورسالتها الكبرى في تحقيق العيش الكريم لهذا الشعب والحرية الأساسية لكافة مواطنيه والكرامة لكل إنسان والعدالة الاجتماعية للجميع، ومن ثم فإن مصير هؤلاء الشهداء لا يتعلق بأهل لهم أو باعتبارهم أولياء دم ولكن مصير هؤلاء الشهداء معقود ومنوط بثورة ديسمبر واهلها بما يشكلونه من طاقة ثورية جامعة لكافة الحركات التحررية والمكونات السياسية التي من حقها أن تدافع عن هذه الدماء والقصاص لها.
إن هؤلاء الذين يستهينون بهذه الدماء التى سالت هدراً بتبرئة المسئولين والمستخفين بالنفوس وإخلاء ساحاتهم وجعل هذه الأمور محل مساومات في صورة تعويضات أو ما شابه لهو استمرار لمسيرة التفريط في دماء الشهداء وإغلاق باب القصاص ليكون حياة للجميع وردعاً للقاتلين أو المستهينين بالأرواح والمستخفين بالنفوس، الدم ليس له ثمن إلا القصاص، والتعويضات كمساومات غير مقبولة فضلا عن أنها مساومات فاشلة .
في ظل هذه الحالة السائدة والسياسات الممتدة لأصحاب السلطة وتعدت تلك الاستهانة بالنفوس واستباحة الأرواح مسائل تتعلق بالتظاهر والاحتجاج إلى النظر للإنسان وكأنه لا وزن له ولا قيمة لحياته، وبدت الأمور تتحول أن الإنسان تحول إلى مجرد رقم وربما ضنوا عليه كذلك بأن يحصى كعدد أو رقم، ومن ثم وجدنا أشكالا كثيرة للاستهانة بالنفوس، واستباحة الدماء وكأن ذلك أصبح سلوكا يومياً قامت به السلطة السابقة وهي تضمن أن تزيد فاتورة الدماء ولا يمكن بأي حال محاسبة من قتل أو أساء، باتت المسألة بتزوير الحقيقة ليموهوا عن سبب القتل والحديث على الوفاه حتى لو تعددت الطعن أو الضرب في ظهره أو في قلبه أو رأسه.
ويتطور الوضع الآن الى التعمد فى إسقاط الشهداء ظلما وعدوانا بل وخارج إطار القانون والتصفية الجسدية والقتل تحت التعذيب، والإهمال بالنفوس والاستخفاف بالأرواح عمداً حتي يفارق الحياة.
إذ قلنا أن هذا صار مساراً مستمراً ومتراكما حتى أنه يعكس في حقيقة أمره أن تلك السياسات القائمه لا يعتذر عنها ولا يتحدث بشأنها ولا يطالب أحدا بالقصاص لها، والكل يموه على الحقيقة وبعض القضاء يسهم في ذلك ليمرر الأمور من غير حساب أو عقاب، وصارت كل الجهات والمؤسسات التي من أهدافها وأدوارها، من وظائفها ومهامتها أن تقوم بحماية النفس البشرية والتأكيد على حرمتها تتوارى في العمل بل وتختفي في التأثير والأثر.
المجلس المدعى بأنه قومي لحقوق الإنسان لا يقوم بأي دور يذكر سوى بأعمال تشكل غطاء لإزهاق الأرواح والإعفاء من المسئولية عن دماء الشهداء والطلاب في استهانة عجيبة وغريبة وكذلك معظم منظمات حقوق الإنسان التي بدت في ثوب الساكت عن الحق، وأي حق أعظم من حق الحياة وحرمة النفوس، فلعبت دور الشيطان الأخرس لا تقوم بوظائفها متهربة منها أو متحاشية لها، أما غياب المؤسسات الأخرى مثل المؤسسات القضائية، والأمنية والشرطية التي انقلبت أدوارها إلى الترويع والتفزيع والقتل فإنها تقوم بضد مقصودها في حماية الناس وتأمين حياتهم، وكذا مؤسسة العدل بدت لا تتخذ من أحكام ضد رموز النظام السابق ما تستهين به من نفوس وما تتهاون فيه من حرمة الحياة، فأعدمت بالشبهة هنا من دون محاسبات وحكمت بالبراءات هناك، وبدا الأمر خارج عن حد العدل إلى كل معاني الظلم والجور.
ويتناسى هؤلاء أخطر ما في الموضوع أيا كان هؤلاء من عسكر أو من قوى سياسية تداعب خيالاتها أن المصالحة يمكن أن تحدث ويتناسى هؤلاء أو يغفلون “لعنة الدم” التي تشكل حاجزا كبيرا وعظيما لا يمكن تجاوزه إلا بوضع استراتيجيات حقيقية لتأمين عملية القصاص في ظل استراتيجية متكاملة للعدالة الانتقالية قادرة على أن تجعل من عملية القصاص أي أهم شروط تحقيق أصول مصالحة استراتيجية كاملة قادرة على تخطي هذا الوضع الذي اصطنعه النظام السابق،
الكارثة تمثلت في الإهدار المتعمد لحقوق الشهداء والمصابين في ثورة يناير، حينما بُرأ المخلوع وأذنابه من جريمتهم الواقعة في حق أبنائنا.
من الدروس المهمة التي نقرأها اليوم ثورة ديسمبر والتي تتالت فيها مرحلة انتقالية فشلت كلها أو أفشلت مع سبق الإصرار والترصد، وطيلة هذه الأيام وتجدد الأحداث كنا نرى أن الاستهانة بالدماء صارت من المسائل الأساسية التي يستبيح فيها صاحب القوة والسلطة دماء الناس من غير حساب ومن غير عقاب، وبدت هذه الأمور خطابا ثابتا يتحدث لبعض هؤلاء الذين يضطلعون بالمهام الأمنية أن يحرضوا بالضرب في المليان وفي القلب وفي الرأس مع وعد من القوة الفاشية لن يطولهم أي عقاب أو أي حساب، الأمر في ذهن هؤلاء هو القيام بعمليات تطويع وتركيع وتفزيع لصناعة عقلية القطيع، وتضمن طاعته وفي طيلة هذه الأحداث وقع شهداء واستبيحت نفوس وازهقت أرواح بغير عدد وبغير إحصاء دقيق فكأن من مات أو قتل أو استشهد لا يستحق حتى أن يحصى عددا فضلا أن يتخذ له قصاصا.
يجب على كل القوى الثورية الاصطفاف والمطالبة بحقوق الشهداء والمصابين في القصاص العادل، دون مساومة أو تفريط، والقيام بكل الفاعليات التي من شأنها الحصول على هذه الحقوق، لأن تحصيل هذه الحقوق هو البداية الحقيقية لانتصار الثورة وأن ضياع هذه الحقوق هو بمثابة التفريط في هذه الثورة وأهدافها ومكتسباتها وستظل قضية القصاص تخص القوي الثورية الشريفة والمواطن بكافة مكوناتها وكياناتها، هي قضية وطن وقضية ثورة وليست قضية أهالي الشهداء أو المصابين ، وأن القصاص بداية طريق لكل من استشهد بعد هذه الثورة.
محمد ادم جاكات



