مقالات وآراء

مفاوضات جوبا على طريقة بورصة وظائف الإنقاذ

حسن احمد الحسن

ابتداء هل تتفاوض الحركات المسلحة باعتبارها طرف أصيل من قوى الحرية والتغيير وقوى الثورة أم بوصفها حركات مسلحة تتفاوض مع حكومة الخرطوم لتحقيق السلام؟

فإذا كانت الصفة هي الأولى فليس من اللائق أن تعتمد أسلوب المساومات والمحاصصات لجلب أكبر نسبة من المقاعد والامتيازات على حساب قوى كبيرة وكثيرة في السودان سواء في دارفور او على مستوى الوطن بأثره لأن الوضع يختلف الآن تماما في ظل وجود حكومة ثورة قادها الشعب السوداني في كل أنحاء السودان ونجحت في اسقاط النظام المباد وإقامة واقع جديد ، أي ان الحركات بكل وضوح لم تكن عاملا حاسما في اسقاط النظام بل كانت جزءا من الفعل التراكمي وبالتالي فليس من حقها أن تملئ ارادتها على بقية الشعب السودان وكأنها تتفاوض مع نظام الإنقاذ الذي تتقاتل معه.

ثانيا فان تفاوضها بمنطق انها حركات مسلحة كل ميزتها على الآخرين أنها تحمل السلاح لا يشكل أفضلية لها بعد الثورة لأن هذه القصة انتهت بسقوط نظام الإنقاذ ولا يوجد مبرر لحمل السلاح وإن من الأجدى أن تتواضع امام الشعب السوداني لأن كل السودان يعاني من نفس الظروف الصعبة اقتصاديا ومعيشيا ولا يخلو مكان لا يحتاج إلى تمييز إيجابي في التنمية والبناء .
وبالتالي فإن من الأمثل معالجة جميع قضايا السودان السياسية والاقتصادية وقضايا الحرب والسلام والمناطق المتأثرة في إطار مؤتمر قومي شامل لحل القضايا الآنية يفضي إلى مؤتمر قومي دستوري شامل لحل كافة القضايا الدستورية محل الخلاف.

أما المفاوض الحكومي الذي يمثل حكومة الثورة فليس مفوضا من الشعب السوداني لمناقشة قضايا دستورية أو قضايا تتعلق بوجهة الدولة الحضارية بل مفوض للتوصل إلى رؤية مشتركة مع الحركات حول تحقيق السلام والتنمية وإعادة الاستقرار في مناطق النزاع وليس التركيز على المناصب والحصص الوزارية لاعتبارات مناطقية تتجاوز المعايير العامة المتفق عليها فكل الأقاليم تشارك عمليا في أجهزة السلطة بدرجات ونسب كبيرة ويحظى أبناء دارفور مثلا بمشاركة واسعة في جميع الأجهزة كغيرهم من أبناء السودان مما يقتضي أن تكون القاعدة هي المشاركة وفقا للمعايير والشروط المتعارف عليها من حيث التأهيل والكفاءة مثلما يحدث في كل العالم وليس عن طريق الكوتة والمحاصصة وهي السياسة التي انتهجها نظام الإنقاذ مع حركات دارفور ولم تحقق سوى الوظائف ولم تحقق تنمية بل فتحت أبواب التنافس بين قادة الحركات في الحصول على الامتيازات والوظائف عن طريق تعدد الحركات وانقسامها وتعدد زعمائها دون تحقيق مصلحة للأقاليم المتضررة ومواطنيها ولا أحد يعلم شيئا عن من يتحدث باسمهم.

فالصحيح أن تكون وظائف الخدمة المدنية على أساس قومي يتساوى فيها الجميع وفق شروط التأهيل والكفاءة لأن جميع الأقاليم فيها نسب مرتفعة من المؤهلين للوظائف المختلفة وليس هناك ولايات تتميز على غيرها في التعليم كما أن العاصمة تمثل أكبر تجمع سكاني سوداني من مختلف أقاليم وولايات السودان يتمتعون بكافة الفرص المتاحة دون تمييز .
وأخيرا لابد من الإشارة إلى أن دستور 2005 الذي كان ثمرة لاتفاقية السلام السودانية قد عالج تماما قضية الخلاف حول موضوع مطلب العلمانية الذي كان يطرح في مقابل التوجه الإسلامي للنظام السابق حيث تم الاتفاق على مدنية الدولة وفق ما عرفه الدستور وقد كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يمثلها عبد العزيز الحلو طرفا اصيلا في ذلك الاتفاق مما يغلق تماما باب المزايدة في هذا الموضوع فليس مقبولا أي حديث عن علمانية بل تأكيد مدنية الدولة على أساس الحقوق المتساوية بين المواطنين.

أيضا فلا مجال لأي تطلعات غير مشروعة في ظل سودان حر ديمقراطي لدعاوى تقرير المصير من قبل حركة عبد العزيز الحلو ويكفي ما حدث لجنوب السودان وتجربته المريرة وذلك لانعدام أي مبرر سياسي أو موضوعي لذلك المطلب غير المنطقي أو المقبول في ظل نظام ديمقراطي حر تقوم فيه المواطنة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين .
باختصار لقد اغرى ضعف ومزاجية وعدم خبرة الفريق الحكومي المفاوض بعض الحركات على المزايدة والتمادي في طلب الامتيازات غير المبررة مما حول المفاوضات من فرصة لخلق اجماع وطني لحل مشاكل السودان وتحقيق السلام العادل إلى بورصة للوظائف والمحاصصات والنسب المئوية في مقاعد الوزارات في الخرطوم ليبقى المواطن المغلوب على أمره في معسكرات النزوح ومناطق الحروب الفقيرة على حاله وقلة حيلته.

حسن احمد الحسن
[email protected]

‫2 تعليقات

  1. هذا هو الحاصل بالضبط ولقد مللنا من التذكير بأن الوفد الحكومي بل أن قحت نفسها ليست مفوضة من الشعب بالتصرف في المسائل الدستورية المصيرية الثابتة مثل دين الدولة إن كان للدولة دين، ولا التقسيم الادداري المستديم لأقاليم الدولة ولا كيفية تقاسم الموارد والثروة الخ مما يقرره الشعب في مؤتمراته الشاملة والمؤتمر الدستوري ومن ثم تضمينها في الدستور الدائم الذي يُستفتَى عليه الشعب بكل مكوناته ولا يتقرر باتفاات خاصة بين مكونات ليس لأي منها تفويض من عامة الشعب سواء كانت هذه السلطة الانتقالية أو الجبهة الثورية….

  2. كلام صحيح 100% و هذه الحركات لا خير فيها و هي شاركت الإنقاذ في تدمير و قتل و تشريد أهل دارفور و النيل الأزرق. .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..