مقالات وآراء

نتعـثَّـر حتى نتعلم المشي.. لكن لا رجعة للوراء..!

بقلم: علي مالك عثمان
(١)
الأوضاع في السودان هذه الأيام لا تسرُّ صديقاً ولا عدواً، فقد تفاقمت الأزمات ووصلت حداً فوق طاقة الناس على الاحتمال، وأصبحت السلع الأساسية كالخبز والوقود في حالة ندرة متواصلة، ويصعب الحصول عليها إلا بشقِّ الأنفس، وأسعار السلع المختلفة في تصاعدٍ يومي، ولا يمكن التحكُّم فيها بسبب الإرتفاع المستمر لسعر الدولار في مقابل العملة الوطنية. يقابل كل ذلك أداء حكومي أقل ما يمكن أن يوصف به هو العجز والفشل في مواجهة التحديات، من حكومة أتت عقب ثورة عظيمة، وعلَّق الشعب عليها أمالاً عِـراضاً. إزاء هذه الأوضاع تعالت كثير من الأصوات في وسائل التواصل الاجتماعي تَسْلَق حكومة د. حمدوك بألسنةٍ حدادٍ أشحةً على الإنصاف، لم تترك لها جانب تتكئ عليه، وتدعوا صراحة لعودة النظام السابق، أو عودة العسكر للحكم مرة أخرى.
(٢)
ما أود طرحه ومناقشته في هذا المقال هو محاولة الإجابة على الأسئلة التالية: ألم يكن الوصول لهذه الأوضاع متوقعاً؟ أليست هنالك أسباب موضوعية قادت إليها؟ ألم تكن الفرحة بالثورة عظيمة، والآمال فيها عريضة، بحيث غطَّت على التحدي الحقيقي الذي كان ينتظر الشعب السوداني بعد نجاح ثورته؟ وهل الصورة الحالية للأوضاع قاتمة بالكليَّةِ ولا جانب مشرق فيها؟ وهل المخرج من هذه الأوضاع هو العودة للنظام القديم وسياساته التي خبرها الشعب جيداً، أو دعوة العسكر لتسلم الحكم؟!!
(٣)
لا يختلف اثنان أن حكومة د. حمدوك ورثت بلداً منهاراً من جميع النواحي، وخزائن مَصْرِفه المركزي خاويةً على عروشها، وليس فيها دولاراً واحداً، ومؤسسات الدولة – خاصة الاقتصادية منها – كسيحة ومتهالكة وتحتاج لإعادة بناء وإصلاح، الشيء الذي يجعلها غير قادرة على تنفيذ ما يُوكل إليها من سياسات. فمثلاً بنك السودان غير قادر على تنفيذ سياسة نقدية تساهم في استقرار سعر الصرف، بسبب فقدانه السيطرة على البنوك وعلى السيولة المهولة الموجودة خارج الجهاز المصرفي، والتي قام المخلوع بطباعتها بكثافة في آخر أيامه دون تغطية حقيقية لها، مما سبب عجزاً كبيراً ومديونية على الدولة، وهي في ظني السبب الحقيقي – بجانب أسباب أخرى طبعاً – لعدم قدرة الدولة في التحكم في سعر صرف الجنيه أمام الدولار. مثال آخر يتمثَّل في عجز وزارة المالية على وضع يدها على حصائل الصادر بسبب تجنيب الشركات لتلك الحصائل، وعمليات التهريب الواسعة التي تقوم بها. وكهذا نجد أن الأمثلة على المشاكل الموروثة والدالة على مدى التدهور أكثر من أن تُحصىٰ. يضاف إلى ذلك جهدٌ دؤوب من فلول النظام السابق على وضع العصي في دواليب هذه الحكومة، ومنعها من تحقيق أهداف الثورة، أملاً في عودة هي من المستحيلات. وإذا أضفنا لكل ذلك إنعدام ثقةٍ وتوجُّس بين المكونيْن المدني والعسكري داخل الحكومة الإنتقالية، لا نستغرب أبداً ما يحدث من تعثُّر في أداء الحكومة، والأزمات الحالية المصاحبة لهذا التعثُّر.
(٤)
لا أبحث عن مبررات لعجز حكومة د. حمدوك عن مجابهة التحديات الماثلة أمامها، لكن ما يحدث الآن في تقديري هو مخاض طبيعي تَمرُّ به كل الثورات وهي وتتلمس طريقها نحو تحقيق أهدافها، لأن نجاح أي ثورة يأتي من الشعوب وليس الحكومات. فالشعوب هي التي تُحدد الأهداف والوسائل، ثم تختار حكومةً تُمثِّلها، تُنَفِّذ لها تلك الأهداف، ثم تصبر عليها، وتقف من خلفها داعمة وناقدة ومصححة للأخطاء، وكاشفة لمواطن الخلل حتى يستقيم المسير، وذلك لأن الذي لا يُخطِىء هو الذي لا يعمل. وهذا في تقديري ما يحدث الآن. فلو أخذنا مثلاً قضية شركة الفاخر المتصدرة للأحداث حالياً، والتي تم إسناد تصدير الذهب إليها بصورة مشبوهة، نجد أن هذه القضية تُمثِّل نموذجاً واضحاً على يقظة المجتمع وإستحالة حدوث عمليات فساد كبيرة فيه بعد الآن، وليس كما كان يحدث خلال حقبة المخلوع وما استشرى فيها من فسادٍ أزكم الأنوف واستعصى على العلاج، كما حدث في قضية شركة الأقطان الشهيرة مثلاً. أيضاً المؤتمر الإقتصادي المزمع عقده نهاية هذا الشهر لإختيار أفضل الحلول للتعامل مع الأزمة الإقتصادية الحالية، والذي فرضته المعارضة الواسعة لِوَصْفَة وزير المالية للتعامل مع الوضع الإقتصادي، هو أيضاً مشروع شراكة مجتمعية واسعة للبتِّ في قضايا كبرى كان يَفصِل فيها في الماضي نفرٌ قليل، وداخل غُرَفٍ مغلقة.. عليه أرىٰ أن عملية إشراك المجتمع في إدارة شؤونه، وقيامه بدوره الرقابي على أداء الحكومة هو ما يحدث الآن، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير يُحسب لهذه الثورة، ويُرسِي أهم دعائم الدولة الحديثة، ممثلة في الرقابة والمحاسبة لأداء الحكومة، وبالتالي ليست الصورة للأوضاع الحالية قاتمةً بالكامل.
(٥)
أما أولئك الذين يرفعون الصوت عالياً في الأسافير هذه الأيام داعين لعودة النظام البائد، نقول لهم هل استطاع البشير في آخر أيامه إيقاف عجلة التدهور في كل مناحي الحياة؟ وهل لو كان على سدة الحكم حالياً هل كان سيقف سعر الدولار مقابل الجنيه عند العتبة التي وصلها يوم الإطاحة به؟ ثم أليس البشير هو من بذر بذور التدهور الإقتصادي الحالي الذي نعيشه اليوم كما فصَّلنا في مقدمة هذا المقال؟ ثم هل مَنْ بَقِيَ في الحكم ثلاثين عاماً وأوصل الأوضاع لما وصلت إليه، هل هو قادرٌ على الإصلاح وتصويب الأمور؟ ونقول أيضاً لدعاة الإنقلاب العسكري وإستلام الجيش لمقاليد حكم البلاد، قولوا لنا كيف يستطيع العسكر – لو قُدِّر لهم العودة مرة أخرى للحكم – حل الضائقة الإقتصادية الحالية بغير التسوُّل لدول الخليج؟؟!! مع ما في ذلك من وصايةٍ ومذلةٍ، ووَصْفةٍ لم يُقصِّر المخلوع في تجريبها، وأوصلت الأمور لما هي عليه الآن من تردِّي وتدهور؟؟!!
(٦)
على الشعب السوداني أن يدرك جيداً أن الذي يحدث الآن عقب الثورة المباركة هو ليس حلاً لمشاكل عيشه اليومية فقط، وإنما هو وضع اللبنات الأولى لإرساء أسس الدولة الحديثة والمستقرة، وبالتالي لا حياد عن الديمقراطية كنظامٍ للحكم، ولا منجىٰ غير الصبر عليها، وأنه ليست هنالك حلولٌ جاهزة لمشاكله، وإنما تَّعلُّمٌ من الأخطاء، وإستفادةٌ من التجارب، ومغادرة لمقاعد المتفرجين على أداء الحكومة، ومشاركة حقيقية للجميع في إيجاد الحلول المناسبة لتلك المشاكل، من خلال الإسهام بالرأي والنقد الباني والمراقبة والمحاسبة وتصويب الأخطاء، بشرط سلامة النيَّة، ووضع مصلحة البلد فوق كل اعتبار، وليس نقداً خبيثاً يستبطن إعادة عقارب الساعة للوراء، وإعادة فلول النظام السابق للحكم مرة أخرى، أو تقديم أجندة حزبية ضيقة. كل ذلك مع الثقة في النفس، وعدم استعجال النتائج، والصبر على مصاعب الطريق، لأنه ببساطة لا طريق آخر سِوىٰ طريق الأغبياء، المتمثل في العودة للوراء، وتجريب المُجرَّب، وعدم التعلُّم من الأخطاء.. والسلام.

علي مالك عثمان
[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى