مقالات وآراء

تغيير تيراب العقول

سألت والدي رحمه الله، في موسم الدرت، فقلت له : السنة إنتاج الفول قليل! صمت برهة كأن من يناجي شيئاً مفقوداً ،  وبصوت خافت لا يكاد يسمع، فقال لي : يا بني كنا نزرع الفول أبو حبيل، فتم تغيير التقاوي(التيراب)، فكان الإنتاج اكثر مما نتوقع، هنا بادر إلى ذهني أن تغيير تيراب العقول هي الأهم، حيث تحدث تحولاً في تصورات المجتمع، ويصنع المعاني الإنسانية ويطورها وينميها، كما يعتبر بداية التغيير الذي ينزع المستقبل من براثن الحاضر و من فك المستحيل، وبه تقدمت مجتمعات ونهضت أخرى، وبه تم استخراج النفط في الجزيرة العربية التي ظلت كامناً تحت ترابها، كأن أرضها لا تحمل في أحشائها جنيناً الكل يتمنى حضانته وكفالته.

العظمة لا تكون إلا للشعوب القادرة على تغيير التيراب وبأستمرار، فالمجتمع الذي يتفوق أفراده في الإنتاج العقلي والمادي سيكون له السيادة و تخفض له الدنيا رأسها اجلالاً و رهبة ، فالقوي هو سيد الموقف، فإذا تأملنا الشعوب الذين احدثوا تحولات تاريخية، نجدهم غيروا تبرات العقول، وفكروا خارج الصندوق، فأسحاق نيوتن، إن كان وهابياً، لكان مصير التفاحة مثل نظيرتها، لم تسلم من الأكل وقال (المؤمن حلوي)، وما كنا نسمع بقانون الجاذبية، و إن لم يتم تغيير مسلمة الأرض مسطحة، ما حدث تقدم في الأمم، إذن لابد من التفكير خارج الصندوق، والقيام بمبادرات تخاطب أشواق الجماهير ، وتحدث تغييرات على نمط التفكير القديم.

العاجزون عن تغيير  التيراب، تجدهم ضعفاء صناعياً لا يستطيعون صناعة الملاعق لافواههم والإبر لأثوابهم، عاجزون عن الانتفاع زراعيّاً بخصوبة أراضيهم، وغزارة مياهها وتجارياً لا يستطيعون تسويق محاصيلهم، و لا يستطيعون عسكرياً تحرير أراضيهم، وحزبياً لا يستطيعون ممارسة الديمقراطية داخل احزابهم، ودينياً لا يعرفون أن معنى التقوى هو كف الأذى عن الخلق واتقان العمل مرضاة للرب، فهم مستهلكون لا يستطيعون ان يقدموا للعالم شيء سوي الحروب والدمار.

بدون تغيير التيراب، تعتبر المشاكل تحل بالقرارات فقط، والشعارات تجسد الواقع، تجدنا نهتف مدنياووووو، وعقولنا عبارة عن ثكنات عسكرية، بواباتها محروسة، وأسوارها مكتوب عليها ممنوع الاقتراب والتصوير، لا تسمح لأي فكرة جديدة بالدخول. إلا الأفكار القديمة وبالرتب العسكرية المعروفة التي لا تسمح بأستخدام العقل، فقط اتباع الأوامر . فلو تجرأت الفكرة  الجديدة، بطرح سؤال للحراس هل هذا العقل محتل؟ يقولون نحن حراسه نحميه من دخول الأفكار الجديدة خوفاً من أن يتمرد علينا، فعقولنا ليست أكثر من ثكنات عسكرية لا يسكنها في الغالب سوى العسكر.

اننا نفتخر أمام كل البشر بأننا الوحيدون الذين نعبد الإله الواحد لا شريك له، ولكن ما أكثر الأصنام التي نعبدها، فالذي يعبد البقر والشجر ليس بأكثر شركاً من الذي يسلم فكره واعتقاده لاحد من الموتى، ليكون مسؤولاً عن عاهاته وذنوبه، لا لانه الأكثر  قوةً، فإنما أسباب الإيمان بالخرافة تكمن في عقولنا، لا في الخرافة ذاتها. فالذي يعرف الله بعقله يجب ان يستخدمه لمعرفة كل شيء، فالناس لا ينقسمون إلى أقوياء وضعفاء، بقدر إيمانهم وإنما بقدر عطائهم، وإيمانهم بالقيم تطبيقاً. نحن نقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين ولم نفكر يوماً أن الرحمة، تمتد للعالمين من شجر وحجر وبشر، وعندما نقول السلام عليكم عقب كل صلاة فهو اكبر من أن تحصر في سجادة الصلاة أو تسجن داخل أسوار المسجد، بل تمتد قيمه لتشمل كل مناحي الحياة.

القيم هي مفاهيم مجردة مثل الحرية، الكرامة، العدل والسلام ولكنها لن تتحول إلى سلوك إلا  بالتطبيق، ولن تُصبح خُلُق إلا  إذا استمرت وأصبحت لصيقة بالإنسان. فهل القيم الكبري تحولت  عندنا إلى خُلُق حتى نُعرف بها عند العالمين بأننا خير أمة اخرجت للناس  ونتباهى بأننا نحن أمة بعث رسولنا ليتمم  مكارم الأخلاق! فهل بدون التيراب يتحرك القيمة من قيمة مجردة موجودة في الذهن ليُصبح سلوكاً تمارس ويتحول إلى خُلُق في حياتنا أم هي مجرد كلمات موجودة في الفضاء؟

لماذا نجحت أمم نعتبرها كافرة، في تجسيد القيم وتنزيلها إلى أرض الواقع،  وفشلنا نحن في تحويلها إلى واقع معاش؟ فالأمم أنجزت رحلة القيم من الإقلاع إلى الهبوط، مروراً بكل المطبات الهوائية، ولكن نحن ما زالت القيم عندنا لم تتجاوز القيم عندنا مرحلة شراء التذاكر حتى الان، فإذا تحدثنا مع الآخرين، نتباهى بأن كل شئ موجود في كتابنا المقدس، ولكن بنظرة قصيرة إلى الواقع نجده احزان، دموع ودماء، فالشباب يبحثون عن  الخروج إلى المجتمعات الكافرة في نظرنا، فمنهم من يرمي نفسه في ظلمات البحر يُمني نفسه الوصول إلى شواطئ أوروبا، عملاً بوصية الرسول لاصحابه، عندما طلب منهم الذهاب إلى الحبشة لان لديها ملك لا يظلم عنده احد.

التحولات الكبرى تحتاج إلى تجديد تيراب العقول لتعيد تشكيل وجه الإنسانية وترسم عليها لوحة من الجمال بأزهى الألوان، وتمنحه قسمات الأمل والإصرار. فبإعادة تشكيل العقل، يتم تعريف الممكن والمستحيل ومراجعة المسلمات وأنماط التفكير القديمة. فأستقرار الأفكار لفترات طويلة، لا يدل بالضرورة على نضج العقل الإنساني، بالعكس يعني الجمود والانكسار، فلا توجد تحولات تاريخية دون تغيير تيراب العقول. واخيراً اذا اردنا تغيير واقعنا السياسي والاجتماعي والفكري ومقاومة المسلمات الخاطئة فلابد من تغيير التيراب. إن مسؤولية حماية أنفسنا من الهزيمة  تقع على عاتقنا نحن، ولكن فرصة هزيمة العدو يوفرها لنا العدو نفسه جراء خطأ يقع فيه.

ختاماً بتغيير تيراب العقول تتغير نظرتنا للحياة، فعندما ننظر لبائعة الشاي في الطريق، لا نراها بإحتقار بقدرما نرى السؤال المكتوب فوق جبينها، (لو سمحت ممكن تساعدني)، فحينها نري بقية الأسئلة تدور من حولها، كم مليون مثلها تريد المساعدة، فعندها تتغيير نظرتنا للإنسان كهارد ورد(Hard word)، وفق منهج (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) بغض النظر عن البرامج المُحمل داخله مسلماً كان أم غير ذلك اسوداً كان أم ابيضاً.

د. الهادي عبدالله إدريس أبوضفائر

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..