مقالات وآراء

السودان حالة السيولة ونذر الخطر

بسم الله الرحمن الرحييم
الاوضاع في السودان تبدو وكانها تفتقد السيطرة وتذهب الي المجهول، او تحركها ايادٍ خفية وهي للاسف تقود لذات المصير. وذلك قد يرجع للصراع المكتوم بين المكون العسكري الذي يسيطر علي السلطة من غير تاهيل، والمكون السياسي وهو مؤهل نسبيا لادارة السلطة ولكنه يفتقد للسيطرة. وجذور هذه الازمة ربما تعود لما قبل ميلاد الحكومة الانتقالية.
عندما اندلعت ثورة ديسمبر المجيدة كانت مطالبها واضحة، وهذا ما ساعدها علي الصمود والاستمرارية حتي ازاحة رب الفساد (البشير) من المشهد السياسي، في واحدة من تجسيّد شعارات الثورة تسقط بس. ولكن ما كان ليس واضحا هو آليات انجاز بقية المطالب، وطبيعة المقاومة الممانعة للتغيير (الشياطين التي تتربص في طريق الثورة). واتضح بعد ذلك ان ما كان يحذر منه البعض واستهنا به (ايجاد البديل) شكل فراغ، سمح لتلك الشياطين بالتمدد والتمكن، وصولا لاطفاء وهج الثورة وهي ما زالت في لحظة الميلاد. ولسوء الحظ، الجسم المنظم الذي لعب دورا كبيرا في قيادة الثورة وتوجيهها (قوي التغيير) كان متفق فقط علي ازاحة البشير (الجهاد الاصغر، هذا اذا ما احسنا النية) اما الكيفية وما يعقبها من تطورات، فيبدو ان ذلك لم يخطر له علي بال (وكانه تفاجأ بسقوط الساقط البشير)؟! ومن هنا بدأت مرحلة التخبط وظهور التناقضات، التي استفادت منها ووظفتها جيدا شياطين الفترة الانتقالية لضرب الثورة. وفي حين ان الشياطين السالف ذكرها (اللجنة الامنية وما تناسل منها، الاسلامويون ومحور الامارات) حددوا اهدافهم مبكرا ووسائل تنفيذها. نجد ان قوي الثورة تفرقت بها السبل، بعد ان افتقدت برنامج الحد الادني، الذي يحكم اطار الاتفاق مع العسكر، ومن ثم يتحكم في ادارة الفترة الانتقالية، تحت رقابة مكونات الثورة الشعبية.
وما يثير الغيظ والحيرة حقا، انه من ناحية، ازاحة طاغية كالبشير لم يكن بالامر السهل واحتاج لكلفة باهظة، سواء علي مستوي الارواح، الجروح، الافتقاد، او الاهانة وانتهاك كافة الاعراف. ومن ناحية اخري، ان لهذه النخبة السياسية تجارب، بل تراث من الاخطاء واضاعة الفرص والتفريط في الثورات (ابريل/اكتوبر)، وما اعقبها من كوارث ذات نسق تصاعدي في الدمار! وهو ما كان يستدعي تقديم نموذج سياسي يرتقي للحظة التاريخية، بدلا من اعادة تجربة آل بوربون وقع الحافر، رغم ان المعطيات الآنية اكثر تعقيدا واخطر مآلاً؟!
وماسبق يجعل الاوضاع الحالية في غاية السيولة وينذر بالخطر القادم من جهة ثالوث الشر ومن دلالات ذلك:
اولا، تفاقم المعضلة الاقتصادية بمستويات غير مسبوقة وبمعدلات انحدار مخيفة، مع العجز التام عن اجتراح حلول ناجعة، تحد من تاثيراتها السلبية علي الثورة وطموحاتها. وحتي المؤتمر الاقتصادي الموعود، غير ان مواعيده تاخرت كثيرا، إلا انه ليس في مقدوره تقديم ضمانات، سواء من ناحية طرح حلول عملية تتغلب علي هشاشة اوضاع غالبية المواطنين، او تقبل المواطنون لتلك المعالجات، او حدوث اجماع او اتفاق الحد الادني بين حكومة حمدوك وحاضنتها السياسية! او من ناحية ما تحدثنا عنه من قبل، عن نفوذ المكون العسكري اقتصاديا وتحكم الاسلامويون في عصب الاقتصاد، من دون ظهور بارقة امل في زحزحة هذه العقبات الكاداء.
ثانيا، زيادة نفوذ حميدتي سياسيا واقتصاديا بعد سيطرته سلطويا، لدرجة اصبحت اقوال وتصريحات حميدتي هي مؤشر لاتجاه الدولة. والحال كذلك، اي حلول مطروحة في كل المجالات الهامة والقضايا الحيوية، هي محكومة بسقف منخفض، وفي كل الاحوال ادني من سيطرة حميدتي. اي كل حل رهين بقبول حميدتي تمريره. وتاليا ليس هنالك فرصة امام احداث حلول جذرية، في اي من المجالات والقضايا الاساسية، من دون تغيير هذه المعادلة المختلة. وفي هذا السياق نجد حديث حميدتي عن عدم حدوث انقلاب صحيح، طالما هو المتحكم الاساس في خيوط اللعبة. وهو ما يشير من طرف خفي ان جيش السودان اصبح شبيه بجيش لبنان ليس في وسعه تخطي الدعم السريع. وكل هذا ما قد يلزم تصحيح عنوان مخطوطة الصادق المهدي الديمقراطية عائدة وراجحة، الي التعايشية عائدة وراجحة! ومن يشكك في ذلك نطرح عليه السؤال التالي، من اين لقوات الدعم السريع بالاموال لمقابلة نفقاتها المتصاعدة بارقام فلكية بعد نضوب معين الذهب او عندما تسوء علاقاتها مع الامارات او تقل عوائد استثماراتها الطفيلية، بعد تعطيل كل مقومات الانتاج بسبب عسكرة او مليشة الدولة؟! اوليس المصدر الوحيد للمال سيكون الضرائب الباهظة والمكوس؟! والاهم اليست التعايشية في اصلها سلطة بداوة مسلحة تفقتر لوعي الدولة وخبرة الادارة، الشئ الذي قادها للدخول في حروب عدمية مع كل مكونات البلاد وجهاتها، لينتهي بها المطاف لقمة سائغة امام اطماع الخارج؟!
ثالثا، صحيح ان الثورة السودانية كانت مبدعة في سلميتها، ولكن تحميلها ما لا تطيق بان في امكانها احداث تحولات جذرية من ضربة واحدة في تركيبة السلطة الانقاذية، كما حدث في ابريل واكتوبر، يبدو وكأنه من باب الامنيات غير الواقعية. والسبب غير ان المحيط الاقليمي وبما يملكه من سطوة مالية وتاثير علي النفوذ الدولي، رافض بل ومعادٍ لاي توجه ديمقراطي، إلا ان نظام الاسلامويين الحاكم كان نظام سلطوي بامتياز (غايته السلطة حصريا) وتمظهر ذلك في عسكرت وامننت ومليَشت شريحة معتبرة من المجتمع، وتاليا اصبح لها مصلحة في بقاء السلطة، بل ولها استعداد لاستخدام العنف لاقصي مدي (فض الاعتصام) من اجل استمرار مصالحها، ومصالح داعميها في الداخل او الخارج. ولكن اهمية سلمية الثورة انها فتحت المجال امام السياسة لتدخل كلاعب في صراع السلطة بعد ان كانت مستبعدة، وامام الشعب خيارات الضغط بعد ان كان مستباح.
رابعا، ضعف حكومة حمدوك وفقدانها السيطرة علي كل الملفات الحساسة والحيوية تقريبا، كانعكاس علي ما ذكر اعلاه من سيطرة حميدتي. وما زاد الطين بلة ضعف شخصية حمدوك وكذلك خبرته السياسية ومهاراته في ادارة الدولة. ويتجسد ذلك في استسهاله عظم التحديات وافراطه في بث الطمانينة والوعود المعسولة دون مسوغات، ومحاولة ارضاء الجميع علي حساب المصلحة العامة، والعجز عن اتخاذ قرارات حاسمة هي من صميم سلطاته، وهوسه بالخارج كمفتاح خلاص، مما دفعه لتقديم كافة انواع التنازلات من دون فائدة! وبعد ذلك وللغرابة، تتصف بعض تصرفاته بالغرور والاستعلاء، مما تجعله يتخذ قرارات ذات طابع مصيري من دون تفويض عام، وذلك اما بصورة فردية او باستشارة دائرة ضيقة وغير معلومة وكانها زواج عرفي (خطاب الامم المتحدة قضية التعويضات). وباختصار كل يوم يمر من الفترة الانتقالية، يخصم من رصيد حمدوك علي مستوي الاقناع.
خامسا، قوي التغيير او ما يسمي بالحاضنة السياسية للحكومة، هي نفسها ضربهتا كورونا الاختلافات وصراع المحاصصات، عوضا عن الانشغال بتقديم الدراسات العلمية والاستشارات الفنية في كافة التخصاصات، وتقديمها للحكومة، وكذلك توفير الدعم والغطاء السياسي في مواجهة ضغوطات العسكر. والحال اصبح وكان الاداء يفتقد الهارموني بين مختلف مكونات الفترة الانتقالية (كل يغني علي ليلاه بنشاز منفر).
سادسا، بقاء الدولة العميقة ممثلة في طاقم الجنرالات الذين عينهم المخلوع البشير علي راس الولايات، للحفاظ علي منظومة الانقاذ العاملة كما هي وبنفس ممارساتها الفاسدة. اي كأن التغيير الوحيد الذي حدث هو قطع الطريق علي حدوث التغيير! لانه لا يمكن الحديث عن ثورة تحافظ علي مصالح من استهدفتهم الثورة؟!
سابعا، عدم مراجعة ملكية وقوانين وطريقة عمل شركات الاتصالات والبنوك و شركات الكهرباء والهيئات متعددة الاغراض والشركات الحكومية، والاكتفاء بازاحة بعض الافراد واحلال آخرين محلهم. وكأن المشكلة في فساد الافراد وليس فساد المنظومة. مع العلم ان المنظومة الفاسدة قادرة علي افساد غير الفاسدين، بعكس المنظومة السليمة القادرة علي معالجة حتي انحراف المنحرفين.
ثامنا، غياب الشفافية من جانب الحكومة، يسمح للاشاعات بالتواجد والاحباط بالتمدد. مع العلم ان بيئة الثورات ( قلة الاستقرار) هي اخصب البيئات لنشر الاشاعات وبث الشائعات، بل وتصديقها كحقائق دامغة (غلبة الامنيات والتشاؤم علي التحليل الموضوعي وتقبل الحقائق).
تاسعا، عداء الاجهزة الشرطية والامنية بحالتها الراهنة لقوي الثورة، وذلك لتضرُرها من التغيير الحقيقي، الذي يحد من انتهاكاتها المجانية ويجردها من الامتيازات غير المستحقة.
عاشرا، اما الحركات المسلحة فامرها عجبا، فالطبيعي انها جزء من الحراك والثورة، وتاليا لها ما لها وعليها ما عليها! ولكن نفاجأ ان هنالك خلافات بين الحركات المسلحة وقوي قحت، وبالتحديد الحركات المنضوية تحت لواءها! ويا ليتها كانت خلافات علي التمسك بشعارات الثورة او التضامن ضد تغول وزيادة نفوذ العسكر! ولكنها للاسف كانت خلافات حول النفوذ والسيطرة علي الفترة الانتقالية، وكأنها سلطة دائمة وليست مرحلة اعادة تاسيس واستفادة من اخطاء الماضي! والاسوأ من ذلك انحياز الحركات لجانب المكون العسكري من خلال تعطيل تنفيذ نصوص الوثيقة الدستورية سواء بتعيين ولاء مدنيين او تشكيل المجلس التشريعي، وكلاهما كما هو معلوم يحدان من سيطرة العسكر! اقلاه كان في امكانها المطالبة بتكوين مفوضية السلام المزودة بالخبراء والعالمين ببواطن الامور من ابناء المناطق المتضررة، وقبل ذلك التابعة لمجلس الوزراء. وهذا ناهيك عن التمديد والتطويل المفتوح في المفاوضات (دلالة علي العشوائية وعدم وضوح الاهداف من كلا الطرفين) دون وضع اعتبار للضائقة المعيشية، وكذلك الالتزام بمواقيت تنفيذ الوثيقة الدستورية، وكلاهما يهددان الفترة الانتقالية. اما الحديث عن المحاصصات بهذه الطريقة الفجة والمبتذلة (وكأنها بازار للبضائع المستخدمة؟!) فهو يطعن في قيمة الثورة من خلال دعوتها لدولة المواطنة، والتي فيها الكل سواسية كاسنان المشط، كمعالجة لجذور الازمات. كما ان التهميش لا يمكن ان يعالج بتهميش مضاد لكل مكونات الدولة وجهاتها، وقبل ذلك فاعلية وحيادية مؤسساتها. والاهم ان التهميش نفسه لم يكن ذو طابع عرقي او جهوي، ولكنه ذو طابع سلطوي استبدادي، يخدم نخبة صغيرة علي حساب كافة شرائح المجتمع ومناطقه. واذا كان ولابد من تمييز، فيمكن ان يكون في حدود الظلم والانتهاكات سواء للمناطق او الافراد، في شكل اسبقية تنموية واولوية جبر الضرر. والخلاصة، صحيح ان الاتفاق مع العسكر غير مرضٍ وبه نواقص، وان لقوي قحت اخطاءها! ولكن ما كان يرجي من الحركات المسلحة اذا كانت غايتها المصلحة العامة، هو الضغط علي المكون العسكري من اجل اكمال النواقص وتصحيح الاخطاء، لزيادة مكاسب قوي الثورة. ولذا اخوف ما اخافه ان تخطئ الحركات المسلحة نفس خطأ الحركة الشعبية الذي اضعف حكومة ثورة ابريل وعجل بنهايتها. مع العلم ان حكومة ثورة ابريل اقوي وبما لا يقاس مقارنة بحكومة حمدوك، التي تحتاج لدعم كل مكونات الثورة، وقبل ذلك مساعدة نفسها، للخروج من جُب العجز الغارقة فيه.
لكل ما سبق اذا لم تشعر حكومة حمدوك وقوي قحت والقوي الثورية بخطورة الامر، ومن ثم التداعي لوضع خارطة طريق واضحة (قابلة للتنفيذ والتقييم والمراجعة) لكيفية التعامل مع ما تبقي من الفترة الانتقالية، وبما في ذلك ردم الهوة مع الحركات المسلحة. فان الطريق سيكون سالك امام الثورة المضادة، ومن ضمنها بل وعلي راسها المكون العسكري شريك الفترة الانتقالية، بارتباطاته الداخلية والخارجية المعادية للثورة.
وعموما، التوافق علي خارطة طريق عملية ومرنة ليس بالامر المعقد، اذا ما وضعنا في الاعتبار حجم التضحيات التي قدمت، والتحديات التي تواجه الفترة الانتقالية. اي كل المطلوب وضع المصلحة العامة نصب اعيننا، بعد تنزيلها في شكل برامج مدروسة وخطط ملموسة وآليات تنفيذ محددة، وكل ذلك في قالب مؤسسي. بمعني، بدلا من الصراع البائس علي المناصب، فالننجز اولا المشروع الذي ينفذه المنصب؟ ومن ثم تحديد ما هو المطلوب من المنصب؟ وما هي الجهة الاستشارية الملزمة التي ترسم للمنصب خط سيره؟ ومن بعدها من يشغل المنصب (كتكليف تترتب عليه عواقب)؟ فالتوافق علي هكذا توجهات، يقطع الطريق علي اسلوب المحاصصات المفضي للخلافات، كما انه ينقل الخبرة من مجرد العمل المكتبي او البيرواقراطي (الشهادات) الي مهارات التواصل مع شركاء العمل لانجاز الاهداف الموضوعة. اي الانتقال من ثقافة انا وهو الفردية الي ثقافة نحن وهم الجماعية. وليس بالضرورة ان يتوافر ذلك فقط، في النشطاء السياسيين والحقوقيين مهما كان شكل نضالهم ومواقفهم الوطنية المشرفة. المهم، هو تحويل حماس الثورة الذي بدأ يتآكل ويتحول الي نقمة علي الثورة، الي عمل ايجابي علي الارض. ولنا في تجربة شباب الصين (جيش الاباطرة الصغار) التي وثقها الدكتور جعفر احمد كرار الاسوة الحسنة، لكيفية الوقوف الايجابي مع البلاد في محنتها، لانتشالها من ازمتها من غير مَنْ او اذي. وبتعبير آخر، في امكاننا تحويل هذا الواقع المحبط الي مشروع امل وانجاز، وكل ما نحتاجه تقديم نموذج ثوري عقلاني (مؤمن باهداف الثورة وقادر علي ترجمتها علي ارض الواقع) علي مستوي السلوك العملي والممارسات السياسية. والحال كذلك، كل ما تتطلبه حكومة حمدوك وقوي قحت والحركات المسلحة، هو نوع من التجرد والجدية والشفافية، وعندها سيجدون كل الدعم والتاييد الشعبي، الذي يمكنهم من تجاوز كافة العقبات وبما فيها قوي الشر المتربصة بالثورة. اما في حالة الفشل في ذلك كما هو متوقع، فليس امام شباب الثورة سوي التقدم بمبادراتهم الخاصة (رؤية او مشروع متكامل) لمعالجة المشاكل السياسية والاقتصادية وغيرها من المشاكل بما فيها مواجهة قوي الشر والحد من سيطرتها. وطريقهم الي ذلك كما هو مجرب، العمل السياسي السلمي المتدرج (خطوة خطوة) وفق استراتيجية معدة سلفا، ومن ثم سحب البساط من حكومة حمدوك وقوي قحت والحركات المسلحة، علي اعتبارها ثورة مضادة تو. ودمتم في رعاية الله.

عبدالله مكاوي [email protected].com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق