مقالات وآراء

إضاءة حول كتاب (جبال النوبة الديانة التقليدية والمسيحية والإسلام) لبروفسور أحمد عبد الرحيم نصر (1 من 3

د. قاسم نسيم
بروفسور أحمد عبد الرحيم نصر، علمٌ غني عن التعريف فلا يُعرَّف، بل أجد نفسي تتودد إلى التعريف بالتعرق به، عبر الكتابة عنه وسفره الزاخر علماً ومعرفة، فقد أهدى المعرفة مجداً بهذا الكتاب القيِّم، ثم أهدانيه منذ صدوره، وأنا أتردد بين تعظيم نفسي بتقديمه للقراء، وإهمالها بالإغفال، فكان القرار التلظي بالدنو من قبساته إضاءة عبر الصحف، فأَثَرٌ مثل هذا يُندب تنويه المهتمين إليه، فاقتحمت العقبة، وركبت أمواجها، وكلما جهدت أن أعالجها عاكساً مادته، حملتني ناقلا، لاكتناز معلوماته، ودقة مفرداته، وبهاء عباراته، فقد أجمعه الله بين العلم والأدب، فلله درَّه.
كتب في المقدمة أن كتابه هذا، ثمرة بحث ميداني أنثربلوجي، أنشأ فيه منذ سنة 1966، إذ أن أصل الكتاب بحث لنيل درجة الماجستير مقدمٌ لجامعة الخرطوم بعنوان “الأيدلوجيا الخلقية في جبال النوبة” ينظر في مدى تأثير الفضائل العربية الإسلامية في شمال السودان، على الفضائل السائدة في جبال النوبة، ولي أن أنوِّه إلى خطر هذا البحث من اتجاهين، اتجاه زماني واتجاه فلسفي، فعن الزماني أقول إنه بحث لن يبلغ خطره بحث آخر إلا بحث سبقه، وهذا نادر، لأن تلك الفترة التي جرى فيها هذا البحث كان النوبة لا يزالون على سجيتهم وفطرتهم الأولى، سوى بعض دَخَن انتاش بعضهم، بدالة بدايات تقويض الإسلام لعقائدهم، وفج الاستعراب لألسنتهم، ووثوب ثقافتيهما على ثقافتهم وسلوكهم تحويراً، فإن شئت أن تتملى نفسك في حياة هؤلاء الأقوام الأولى أو قريباً من ذلك، فلن تتجشم ركوب آلة الزمن تعود بك القهقرى إلى تلك الستينات، إنما فقط عليك اقتناء نسخة من هذا السفر فتوغل فيه قراءةً فيوغل بك عهداً كان النوبة فيه لا يزالون على فطرتهم، وآلتك في هذا السفر إلى الماضي خيال خصيب تتمحل به استحضار الماضي واستيعاب مفاهيمه.
أما الاتجاه الفلسفي فهو معترك الراهن ومحرابه، خاصة مع تنامي دعوات التأصيل الأفريقي والرجعة للجذور، فلما كانت هذه الدعوات مناطة بالرجعة، فإن أداة اغتراف الاغتراب وهي الإسلام ومحموله العروبة هنا مُساءلةٌ عن التغريب بالضرورة، وأنموذج أصحاب الرجعة يرون أساسه مبذولا إذن هنا فيبنون عليه، وأنا هنا أنقل مادة واجترح أفكارا تعين الطالب ليس إلا.
عرَّف المؤلف منطقة بحثه وهي منطقة قبيلة (النيمانج) التي بات يطلق أكثر أهلها اسم (أما) عليها، كتماهٍ مع ظاهرة الرجعة إلى الجذور والأصول التي اعتمت المنطقة حديثاً، لكن الكاتب يلتزم اسم (النيمانج) وهو الاسم المعتمد في سجلات الدولة وفي المؤسسات الأكاديمية، إذ أن بواكير المدونات التي ورد فيها اسم القبيلة في أربعينات القرن السابع عشر سمت القبيلة باسم النيمانج مع بعض الاختلاف اليسير في الرسم، وهو أمر مباح لأعجمية الاسم، وقد جرى جدل في أحقية الاسمين ما خرج برأي حاسم، ولعل الاسمين أصيلان، ولمن ابتغى التوسع فساحته مؤلفات الدكتورين عبد الله عبد الله جهدية، وعبد الباقي حسن فيرين، ففيهما كفاية وغنىً.
أحسن المؤلف في تعريفه لكلمة (جبل) إذ يلتبس المعنى لجمهرة من الناس من غير أهل الجبال، فيذهبون إلى أن المقصود هو ذات الجبل، أو يحسبونه جبلاً واحدا، لكن الصواب ما ذكره المؤلف وهو أنه سلسلة من جبال صغيرة، تفصل بينها أودية وسهول وخيران وترقد القرية تحت سفوح هذه الجبال، فهو إذن قرية، قال المؤلف إن النيمانج تتكون من سبعة جبال ونصف، وإن نصف الجبل هذا هو قرية حجر السلطان، وفي موضع آخر يقول وهو يحلل إحدى الأساطير (إن الأسطورة تحلل لنا تسمية حجر السلطان بنصف الجبل وذلك لأن نصفهم لا يزال في السماء)، وهذا تعليل مهم منه لسبب التسمية، إذ أن التسمية قد تشير خطأً إلى أن سببها هو قلة سكان قرية حجر السلطان، لكن هذا يرفضه الواقع، إذ إنه حين النظر نجد أن هناك جبال أخرى في محيط النيمانج سكانها أقل من حجر السلطان، فلماذا هذه نصف وتلك كاملة، التعليل الذي وقفت عليه من سؤالي للمحققين هو أن حجر السلطان ليس لديهم كجور وكل جبل من الجبال الأخرى لديهم كجور تكون له السلطة الروحية، أما حجر السلطان فلا كجور لهم، إنما لديهم سلطة السلطان الروحية وهي سلطة مستمدة من الله مباشرة حسب اعتقادهم، وهذا التعليل لا يصادم تعليل البروف بل يسير بجانبه ويضيف إليه ويؤكده. نواصل

‫2 تعليقات

  1. (وذلك لأن نصفهم لا يزال في السماء)
    الموضوع مثير للاهتمام وحب الاطلاعثقافةهؤلاء القوم السودانيين الأصلاء. في المقال التالي أحو أن تفصل لنا عبارة الأصطورة بأن نصفهم (السكان؟) أم نصفه (الجبل؟) في السماء! ماذا تعني في السماء سواء كان المقصود الجبل أم قاطنيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق