مقالات وآراء

عذرا استاذنا نورالدين مدني الترابي يستحق التجريم؟

بسم الله الرحمن الرحيم
عذرا استاذنا نورالدين مدني الترابي يستحق التجريم؟
عودنا الاستاذ نور الدين مدني علي تناوله الهادئ للقضايا، ولا اذكر مرة واحدة مارس فيها الانفعال او العنف اللفظي. وقد يعود ذلك لتركيبته الهادئة وسلوكه المتحضر. ولكن استصحاب هذه الخصال الحميدة في تناول شخصية كارثية كالترابي هو مضر تماما، كوضع الندي محل النقد الصارم. ويزداد الامر سوءً عندما يتم ربط ذلك بالدين (اذكروا محاسن موتاكم) ليشكل ذلك بدوره حاجبا صلدا يحمي الفاسدين من تناول سيرتهم الوسخة، ويشجع امثالهم علي التورط في المزيد من الجرائم والفساد. وهذا ناهيك ان الامر نفسه ليس له صلة بالدين لا من قريب ولا بعيد، ولكنه يتعلق بالشان العام، وهو بطبعه جدلي. والاهم ان الترابي طرح نفسه كقائد سياسي، وما الدين لديه إلا مدخل للشان العام. وفي كل الاحوال، الانخراط في الشان العام له تبعاته التي لا علاقة لها بالدين كشان فردي، ولكن علاقتها بالاثر والتاثير الذي يتركه صاحبه علي الفضاء العام.
والترابي عندما كان منخرطا في الشان العام، عمد علي تشويه سمعة الخصوم كالشيوعيين وبالاخص الجمهوريين. ونال الشهيد محمود النصيب الاعظم من التشهير. وذلك ليس مصادفة، ولكن لان الترابي يعلم ان الشهيد محمود هو الاكثر تاهيلا لكشف دجله، والاقدر علي تجريده من زيف الافكار والعلوم، ومن داخل حقل الدين الذي يتبجح به الترابي. بمعني، الترابي عالم ومفكر فقط، في غياب الافكار والعلوم الحقيقية. وللمفارقة الترابي اول من يعلم ذلك، ولهذا استخدم تاكتيك القتل المعنوي للخصوم (الشيوعيين والجمهوريين كما سلف) الاكثر خطرا علي مشروعه الخاوي! ومن ثم ينفتح المجال امامه للسيطرة المجانية علي الساحة السياسية. والامر لا يتعلق بالسياسة فقط، بل بالدين ايضا؟ فحين نجد الشهيد محمود عمل علي رد الدين الي روحانياته، وانشغل بجوهره، وكان في قلب ذلك اهتمامه بالفقراء، او قضايا العدالة الاجتماعية، ومراعاة المصلحة العامة. انصب اهتمام الترابي علي (نخبوة الدين) برده الي قضايا الحكم والتشريع واستقطاب النساء بطريقة تجارية! اي وعي الترابي الديني هو وعي راسمالي، يعمد الي استغلال البسطاء وليس خدمتهم وتنميط النساء وليس تحريرهن.
والترابي نفسه عندما تناول سيرة الشهيد محمود، مارس كل حقه في نقد الشهيد محمود، ولم ينسَ غمزه من قناة موالاته للنميري، واهتمام الغرب به لاغراض تخص الغرب، الذي وجد في الشهيد محمود مدخل لتجريد الدين من جهاده وشرائعه! مع ان الوقائع تقول عكس ذلك؟ لان الغرب لو كان حريص علي الشهيد محمود لمنع اقتياله بمكالمة صغيرة للعسكري المتهور نميري، ولحفل به في حياته ولم يحتفِ به فقط بعد موته! ومن الجهة الاخري، لو كان الغرب يمقت الترابي، حامي بيضة الدين كما يستشف من نقده للشهيد محمود، لما تواني في دفع النميري الجاهل للتخلص منه. ولكن الشواهد تقول ان الغرب لا يرغب في امثال الشهيد محمود، الذين يدافعون عن مصالح شعوبهم وقبل ذلك مبادءهم وتستحيل في حقهم المساومة، ومن ثم يشكلون عقبة امام اطماع الغرب. عكس الترابي الذي لا يحتاج حتي للمساومة، لعرض كل مصالح البلاد للخارج! والثمن فقط، دعمه في مشروع سيطرته علي السلطة. والاهم، ان الوقائع العملية اثبتت من عارض النميري جذريا، وقدم روحه فداءً لمبادئه وشعبه. ومن تحالف مع النميري واستفاد منه! و كذلك من فتح الغرب له وسائل اعلامه، ومراكز ابحاثه، ودوائره السياسية، وكان دائم التواصل معه بصورة مباشرة وغير مباشرة. وتجدر الاشارة هنا الي ان راي الترابي السالف الذكر قد وثق له الكاتب المميز الاستاذ فتحي الضو في كتابه الموسوم محنة النخبة السودانية، الماخوذ بدوره من لقاء صحفي علي ايام الديمقراطية الثانية، والاختلاف فقط في الصياغة التي لا تخل بالمحتوي.
اما الحديث عن ما اقترفه الترابي بحق اخواننا في الجنوب وهو يبرر قتلهم دينيا، وفي حق المفصوليين وهو يشرعن بدعة التمكين الظالمة والضارة بالمصلحة العامة، وغيرها وغيرها من المظالم والاخطاء. يجعل الكلام عن التسامح او طلب الرحمة للترابي بحجة الموت (الذي كان يعلم انه آت)، لا يحمل اي قيمة اضافية او يكسب الاخلاق مصداقية. والسبب من ناحية، التسامح وطلب الرحمة الايجابي يحتاج للمقدرة. مثل محاكمة الترابي علي فساده، ومن ثم معاقبته عليها، ومن بعدها ياتي التسامح وطلب الرحمة. ومن ناحية، طلب التسامح والرحمة كان يحتاج من الترابي الاعتراف والاعتذار وابداء الندم وطلب العفو الصريح، بقدر الفساد والجرائم المرتكبة. وهذا ما لم يحدث بسبب غرور الترابي واستهانته بالاخطاء واحتقاره للمجتمع. والحال كذلك، يصبح الترابي هو من اضاع الفرصة، وتاليا هو من يتحمل مسؤوليته. بمعني، الترابي بمحض ارادته اختار ان يكون شيطانا ويعمل عمل الشيطان! وعليه، ليس في وسع احد ان يرده عن هذا الاختيار، رفعت الاقلام وذهب الترابي غير ماسوف عليه. وعموما، حتي لا نتجني علي الترابي نذكر من مخازيه الآتي:
اولا، اساء الترابي استخدام الدين، ورغم انه اعلي منصة اخلاقية للمتدينين، إلا انه لم يستنكف توظيفه في مشروعه الخاص للوصول الي السلطة والتحكم فيها عضوضيا. وفي هذا الاطار ما يسمي افكار الترابي وتجديده، ما هي الا وسائل وادوات لتحقيق اهدافه، من دون اعتراض، او باعتراضات اقل، في مجتمع متدين بالفطرة. وكذلك لمنافسة من يطرحون ذات المشاريع الدينية، بطريقة تقليدية، عفا عليها الدهر. وباختصار الترابي استخدم الدين (وسيلة مقدسة) لتحقيق اهداف شريرة (امتلاك الدنيا).
ثانيا، مارس الترابي الخداع والاحتيال كاسلوب حياة، او لبِس لكل حالة لبوسها ولكل مرحلة قناعها! فالترابي حالف النميري وخدعه، وشارك في الديمقراطية وانقلب عليها، وتحالف مع الحركة الشعبية التي بني جزء من مشروعه علي تكفيرها، ومن دون اجراء مراجعات فكرية تبرر ذلك! فقط كان الغرض نكاية حلفائه السابقين، الذين استفردوا بالسلطة (نقطة ضعفه). المهم، اذا تم تبرير تلك التناقضات سياسيا، تحت ذرائع البراغماتية او الانتهازية القذرة! فكيف يمكن تبريرها دينيا، لمنظومة قائمة علي الاخلاق، يرفع لواءها الترابي؟! وعموما، هذا ليس بمستغرب في من اتخذ المكيافيللية، في نسختها المنحطة، منهاجا وشرعة.
ثالثا، اتصف الترابي بالغرور والنرجسية، وصولا لمرحلة جنون العظمة، للدرجة التي كان يعتقد فيها، انه لوحده المؤهل، ليس لحكم البلاد، وانما كافة ديار المسلمين. اي التفكير الاممي الذي يسم كثير من اصحاب المشاريع الدينية، لا يعكس غياب العقلانية وضمور الابعاد التاريخية وحاجات الزمان الآنية لديهم، ولكنه كذلك يحيل الطموحات الي مجرد اوهام يستحيل تحقيقها. وتاليا تهدر كل الفرص الواقعية والممكنة لصالح تهويمات امبراطورية خيالية، وهذا ما يضاعف من حجم الكوارث التي تخلفها هكذا مشاريع ظلامية، تجتاح البلاد المنكوبة بها.
رابعا، تميز الترابي بالازدواجية، فهو من ناحية يتزلف للخارج ويطلب دعمه ورضاه، وهذا بالتحديد ما قاده لعرض بضاعة التجديد الديني التي اراد منها التقرب للغرب! ولكنه من ناحية اخري، يلصق كل موبقة او جريمة بالغرب، لكسب ود المناصرين البسطاء وتبرير الاطماع والاخطاء، خصوصا عندما يلجأ لحيلة ان الاسلام في خطر ويتعرض لمؤامرة من الغرب.
خامسا، لو تسامحنا في كل ذكر اعلاه وهو ما لا يجوز، لا اعتقد ان هنالك مجال للتسامح او طلب الرحمة للترابي، لتجربة عايشنا جزء من فصولها علي ايام الجامعة، في النصف الاخير من التسعينات قبل المفاصلة، وهو يغرر بطلبة في مقتبل حياتهم الجامعية، ومعظمهم قادم من بيئات فقيرة، ليس لهم فيها ثروة سوي تطمينات الدين، والاهم ان ذويهم في امس الحاجة اليهم. والحال كذلك، هم لقمة طرية امام اي دعوات دينية مسمومة طابعها نصرة الدين (الجهاد) وحقيقتها خدمة مشاريع سلطوية. وهذا ما استثمر فيه الترابي عبر فتاويه وآراءه في شيطنة الحركة الشعبية والقوي العلمانية. وقاد في الاخير لتسميم علاقاتهم مع زملاءهم العلمانيين، والاسوأ ساقهم الي محرقة الجنوب زرافات ووحدانا، في حرب دينية لا تخدم الا اهدافه الشيطانية. هل اكتفَ الترابي بتلك الجرائم ضد الانسانية؟ لا ولكنه ابتدع فكرة اضلا سبيلا، وهو يمارس ضغوطات السلطة (عنفها المادي او المعنوي او الرمزي لا فرق) علي اسر القتلي، ويجبرهم علي اقامة اعراس الشهيد! وهو مسلك في قمة الاستهتار وعدم الاكتراث حتي لحزن امهات واهالي الموتي. وهي درجة من التبلد الانساني والتشوه الوجداني ليس لها مثيل في التاريخ، ولا يمكن ان تصدر الا عن شخص غير سوي او يعاني من اختلالات نفسية عميقة. وللاسف هذه الممارسات تتعدي الترابي لتشمل كل مهاويس المشاريع الدينية بدرجة او اخري.
سادسا، طموحات الترابي غير الواقعية او جهله بموازين القوي الدولية او افراطه في الثقة بنفسه او بسبب ان الكل يمتح من ذات الاناء او يعاني ذات العلل والاعراض، كل ذلك دفعه لعقد تحالفات مشبوهة واقامة علاقات مع جماعات ارهابية! الشئ الذي شوه سمعة البلاد واهلها من خلال دمغهما بالارهاب، وادخل الدولة في صراعات دولية غير متكافئة، ما زلنا نعاني عواقبها حتي الآن كدولة منبوذة. وكل ذلك لارضاء نزعات شخصية تتوهم انها ظل الله علي الارض. بمعني، الترابي يعاني ازمة حضارية، بسبب تفوق الحضارة الغربية علي التراث الاسلامي الذي يتخذه مطية للوصول لاهدافه. والازمة نفسها تعود لعقدة تفوق تتملك الترابي. فالترابي وبما يملكه من ذكاء حاد، مكنه من التفوق الاكاديمي والاستفادة من اخطاء النخبة السياسية، في بناء منظومة لها وزنها في الساحة السياسية. واعتَقد ان ذلك يمنحه صك مجاني لحكم البلاد علي مزاجه، كمرحلة اولية، للسيطرة علي كل البلاد الاسلامية. ولكن الاشكالية التي لم يجد لها علاج، انه واجه قوة وسيطرة الحضارة الغربية وجاذبية نموذجها، ولكن التماهي مع نموذجها كمخرج، يفقده مناصري مشروعه المبني علي نقضها وتحديها، ان لم يكن فيه اعلان للهزيمة والخواء مبكرا. وفي نفس الوقت تحدي نموذجها مجاهرة (دون مرواغة كداعش مثلا) يحشره في الزاوية الضيقة. وتواجد الترابي في هذه المنطقة الرمادية، جعل مشروعه الديني عبارة عن هلاميات، استحالت الي مجرد مشروع سلطوي، يفتقد للابعاد القيمية والتنموية.
سابعا، الترابي هو من وضع الاسس الفكرية والسياسية والتنظيمية والاخلاقية، لهدم الدولة السودانية، وذلك بوهم احلال الدولة الدينية (لاتوجد اصلا) محلها، وبالطبع ليس سواه من يقوم بهذا الامر الشرعي؟! وكانت المحصلة ضياع الدولة وتشويه سمعة الدين. وما نعانيه الآن من انحطاط علي كافة المستويات، كان نتيجة طبيعية لهذا الوعي المراهق والممارسات الصبيانية المسماة دينية. والحال كذلك، الترابي هو من يتحمل كافة اوزار واخطاء وفساد منظومته الاسلاموية، دون ان ينقص ذلك من اوزار بقية اعضاء منظومته العدمية شيئا. ومن مفارقات القدر، ان مشروع الترابي الذي سهر عليه ما يقارب النصف قرن، وبذل لاجله الغالي والنفيس والدنيا والدين، آل في النهاية الي اهبل مثل البشير. مما يؤكد ان المقدمات الخاطئة تقود لذات النتائج والمكر السيئ يحيق باهله.
ثامنا، الترابي مثله مثل عتاة المجرمين والسفاحين والسفهاء، الذين دمروا بلادهم وبددوا ثروتها، واهانوا شعوبهم وانتهكوا حرمات مجتمعاتهم، وكل ذلك ليرضوا نزواتهم المريضة ونفوسهم المشوهة. وهو ما يؤهل الترابي لوضعه ضمن اي قائمة تضم اسوأ شخصيات مرت علي تاريخ البشرية. عليه اللعنة. دمتم في رعاية الله.
عبدالله مكاوي
[email protected]

‫3 تعليقات

  1. هذا ما نحتاجه في هذا البلد…….كشف حقيقة الشخصيات البائسة, أمثال الترابي, الصادق، الميرغني…….نحتاج لثورة فكرية ..ثقافية ..توعوية تنير العقول وتمحو الاوهام والاباطيل من عقول الشعب ….. لا يمكن لثورة ان تصل أهدافها بدون وعي قائم على معلومات صحيحة

  2. الاحظ ان المدعو نورالدين مدنى – قام من التربه وعادت له الحياة؟؟؟؟؟؟؟؟

    الناس اللى بياكلوووها باااارده – وين كان لسانك ده يانور الدين مدنى قبل جريمة اعدااام الشباب والرجال والنساء امام القياده؟؟؟ مزمل ابوالقاسم ليس وحده

  3. تحليل عميق وموضوعي !!!!!!!!!!

    يُمكن أن يُضاف إليه زندقته المقيتة، والتي غذاها جنون العظمة الذي كان يسيطر علي عصبوناته المريضة !!!!!

    لقد تزندق علي أمهات المؤمنين، رضوان اللّه عليهن، وبالأخص علي السيدة عائشة، رضي اللّه عنها !!!!

    لقد ذهب أبعد من ذلك في غَيِّه، حين قال : ” أنا بعرف خمسة لغات، والرسول كان بعرف لغة وأحدة، يعني أنا أحسن منو”، والعياذ باللّه.

    لقد كنتُ أردد منذ سنين، وما زلتُ، أن لو لم يُولد هذا المعتوه في السودان، لكانت البلاد، بألف، ألف خير !!!!!!!!!

    ما لا يُمكن إستيعابه، هو أن هنالك حثالة، لا تزال تُحاول بعثه، بإستنساخ فكره الضال، الذي أَعمَله بخبث وخسة وغدر وخيانة، لتقويض النظام الدستوري القائم، لكي يُنصِب نفسه فوق الكل، وليُمارس الإرهاب، الذي لا يعترف أساساً بالتعددية، ولا يحترم أي حقوق لأي إنسان، وغايته فقط هي الخلود في السلطة لنفسه وللكرور من بعده.

    لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين، تغشاه في قبره ويوم نشره، وتغشي كل كيزان مجرة درب التبانة، كوننا نجهل من أي كوكب أتوا، بالتحديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق