مقالات سياسية

ليس بالخيز وحدة يحيى السودان!!

المقولة المشهورة “ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان”،  تعنى أن الإنسان يحتاج لغذاء الروح والعقل حاجته لغذاء البدَن، ولكن المقصود في هذا المقال، وعلى ضوء الواقع الحالي البائس في السودان، هو إيجاد بدائل أخـرى لغذاء البدَن على وقع تفاقم أزمة الخبز والغاز والوقود، وكلها تأتينا من الخارج بعد دفع قيمتها باليورو والدولار!

نشرات الاخبار ومقاطع الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، كلها مشغولة هذه الأيام بالحديث عن هذه الأزمات وعن الحلول الإسعافية المؤقتة التي تعلنها الجهات المختصة من وقت لآخر مع غياب تام لأي حلول استراتيجية تُنجي البلاد والعباد من هذا الإخفاق المزمن الذي أقعد البلاد، بل وكان سبباً رئيسياً في سقوط نظام حكم (البشير) وقبله نظام حكم (النميري) رغم عدم تورُّع تلك الأنظمة عن القمع والتعذيب والتشريد وسفك الدماء.

شاهدنا في الآونة الاخيرة مقطع فيديو لسيارات مصطفة أمام محطة بنزين في مدينة بحري وقد امتد صف السيارت الى جسر (المك نمر) عبوراً إلى نهاية الجسر من الناحية الغربية في الخرطوم! كأوضح دليل على إخفاق حكومة الفترة الانتقالية في معالجة الأزمة الاقتصادية كإحدى أولوياتها بجانب تحقيق السلام وتفكيك النظام البائد.

لا أحد ينكر سعي حكومة الدكتور حمدوك لحلحلة أزمات الوطن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذه الأزمات في مجملها موروثة من النظام البائد، إلا أن تلكم المساعي لم تكلّل بأي نجاح يُذكر حتى الآن!

وظل المواطن في حالة من الاندهاش والاستغراب من أنّ حكومته الثورية المدعومة باسناد شعبي غير مسبوق، بدت هزيلة، لا تملك إلا حلولاً وقتية (رزق اليوم باليوم) لأزمة السلع والخدمات الأساسية! ومن ذلك ما نشرته الصحف مؤخراً من أخبار عن وصول ٢٥ ألف طن من الدقيق الى ميناء بورتسودان على دفعات، قامت باستيرادها شركة نور الغفران التجارية بتمويل من بنك النيلين لسد حوجة البلاد الماسة للدقيق في ظل ازمة الخبز الطاحنة التى تمر بها البلاد…الخ.

هذه الحلول الجزئية لأزمة الخبز لن تجدي نفعاً ولا تعدو أن تكون مجرّد مسكِّنات تتعامل مع ظاهر المشكلة لا جوهرها.

لا حل لهذه الازمة، في تقديري، إلا بالوفرة، بحيث يصبح العرض أكبر من الطلب، وهذا لن يتحقق إلا إذا باشرت الحكومة الانتقالية العمل على جبهتين.

الجبهة الأولى:- أن تتولى الحكومة بنفسها، ممثلةً في وزارة التجارة، مهمة تأمين حاجة البلاد من الدقيق من خلال الاستيراد من الخارج ومن خلال شراء محصول القمح المنتج داخلياً، وأن تتولى كذلك توزيع الدقيق وإيصاله الى المستهلك النهائي بالسعر الذي تقرره هي لا بما يفرضه القطاع الخاص.  ففي المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، وهي دولة غير منتجة للقمح، تتولى الدولة ممثلة في المؤسسة العامة لمطاحن الدقيق وصوامع الغلال استيراد وتسعير وبيع الدقيق للمخابز ومتاجر التجزئة بما يضمن عدم رفع السعر على المستهلك النهائي مع عدم غلق الباب أمام من يرغب من القطاع الخاص في استيراد الدقيق وبيعه بشرط الالتزام بمواصفات الجودة التي تحددها الدولة دون أدنى خوف من حدوث رفع للأسعار من طرف القطاع الخاص طالما التزمت الجهات الحكومية بتغذية الأسواق بالدقيق. وفي تصوري أن هذا الحل ينبغي أن يكون حلاً مرحلياً بالنسبة للسودان، حيث أن الحل الدائم يقتضي إيجاد بدائل للقمح، ويمكن تفصيل ذلك في الفقرة التالية.

الجبهة الثانية:- التركيز على البدائل، فمن حيث المنظور التاريخي نجد أن طعام أغلب سكان السودان كان مرتكِزاً على الذرة بانواعها المختلفة، حيث دأب المجتمع على التفنُّن في تجهيز مختلف الأكلات من دقيق الذرة دون الحاجة الى استبدال ذلك بدقيق القمح.

حدثت تحولات مجتمعية كبرى خلال سنوات الاستعمار الانجليزي للبلاد أدت إلى استبدال القمح بالذرة على مائدة الطعام، خصوصاً في العاصمة والمدن الكبرى.

من الواضح أن نمط المساكن في المدينة حدّ من القدرة على صناعة “الكِسرَة” بعد أن اختفت “الحيشان” في المدن وأصبحت المنازل عبارة عن شقق متجاورة وبمساحات محدودة لا تعطي الحرية التي كانت في المنازل ذات “الحيشان”، وقد حدّ هذا النمط من السكن من القدرة على

(عواسة الكِسرَة)، فكان الخبز الجاهز هو البديل.

المجتمع الريفى لم تواجهه هذه المشكلة ولكن واجهته مشكلة الهجرة الى المدن. ففي ظل انعدام الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، اضطر الكثير من سكان القرى، وخصوصاً الشباب، للهجرة الى المدن، مضيفين المزيد من الضغط على البنى التحتية والخدمات والسلع في تلك المدن، وعلى رأس قائمة السلع رغيف الخبز.

سابقاً خبر الناس في السودان أزمات مماثلة في سلع أخرى مهمـة، وفي مقدمة تلكم السلع، السكر. كان اختفاء السكر ثم بيعه في السوق السوداء بأسعار خرافية ظاهرة متكررة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، فيلجأ الناس إلى شرب الشاي بالتمر. وأصبح السكر في ذلك الوقت على رأس أولويات الحكومات بسبب قلة المعروض، فأٌنشأت التعاونيات في أحياء المدن وفي القرى لضمان حصول الأسر على حصتها من السكر، وصولاً إلى مرحلة الانفراج في سنوات لاحقة. فمع دخول المزيد من مصانع السكر مرحلة الانتاج الفعلي، كمصنع سكر كنانة ومصنع سكر النيل الأبيض ومصنع سكر عسلاية، وهي مصانع حكومية في مجملها، إنحسرت أزمة السكر ولم يعد الحصول عليه هاجساً للأسر ولغيرها بسبب الوفرة، وهذا ما ينبغي تطبيقه على السلع الاستراتيجية الأخرى كرغيف الخبز.

في اعتقادي، أنّ الخطط الحكومية في هذا الشأن، ينبغي أن تعمل على  تشجيع المجتمع لاستبدال الذرة بالقمح، فالذرة منتج محلي، يتم انتاجه في معظم بقاع ومناخات السودان. وتستطيع الدولة النجاح في هذه المهمة بتبنيها لمجموعة من المبادرات، منها:-

(1) نشر الابحاث العلمية التى أكدت القيمة الغذائية للذرة، بل وتفوُّق الذرة على القمح في العديد من العناصر، ويتم تعميم تلك الابحاث وشرح مضامينها لمختلف شرائح المجتمع.

(2) إنشاء مصانع لانتاج “الكِسرَة”  بكميات تجارية تفي بحاجة المدن، وبهذا الخصوص، أذكر أنه كان هناك مصنع معروف لانتاج  “الكِسرَة” في المنطقة الصناعية الجديدة بالخرطوم في ثمانينيات القرن الماضي، فعلى الحكومة تبنّي مثل هذه المبادرات الصادرة من القطاع الخاص بجانب إنشائها هي لمصانع مماثلة في المدن الكبرى بما يضمن وفرة دائمة لهذا العنصر الغذائي أمام المستهلك وبأسعار تنافسية.

(3) أن تدعم الحكومة النساء العاملات في صناعة “الكِسرَة” وتسجيلهن تحت مظلة نقابية واحدة مع تأمين الدقيق وأدوات الانتاج وأكشاك البيع لهن بما يحقق لهن مصدر دخل ثابت يعينهن على مجابهة أعباء الحياة.
(4) تنفيذ حملات دعائية وتوعوية عبر الفضائيات ووسائط التواصل الاجتماعي عن بدائل الخبز المتاحة للجمهور من انتاجنا المحلّي.

نسأل الله أن يفرج الكرب وييسر الأمر ويكتب الخير للجميع.

التحية،،

طـه داوود
[email protected] com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق