مقالات سياسية

سعر الصرف، من يحدده وكيف

الحسن النذير

هل يوجد سوق ملون، اسود، أبيض ، اخضر، اصفر..؟

في بلادنا السودان يتحدث الكثيرون عن ما يسمي بسعر السوق الأسود للعملات الأجنبية. والمقصود هنا السعر الذي يختلف عن السعر الذي يحدده البنك المركزي. والبعض يسميه سعر السوق الموازي لتفادي إعطاء السوق ألوان! دون مطاولات، لا توجد ألوان للسوق في علم الاقتصاد. السوق لا يكتسي اي ألوان في اي ظرف من الظروف.

وفي الحقيقة ان السعر الذي يسمي جزافاً بالاسود، هو سعر السوق الفعلي الذي يتحدد بقانون العرض والطلب الفعلي، والذي يتراضي فيه البايع والمشتري عند التبادل.

قد يقول البعض ان هناك سعر للدولار الجمركي يعمل به البنك المركزي. صحيح هذا ما يعمل به البنك المركزي ويغيره من حين لآخر وهو سعر قسري وهمي يجبر المصدرين علي اعلان أسعار تصدير (تعاقد) غير حقيقية،  ما يعرف ب under invoice لتجنيب جزء من حصيلة الصادر خارج البلاد والتصرف فيها اما لاستيراد مستقبلي او التصرف فيها في السوق الحقيقي الذي لا علاقة له بما يعرف بالسعر الجمركي. وهكذا تتسرب العملات الحرة جراء التصدير وتفلت من قبضة البنك المركزي، الذي يعاني أصلا من شُح او انعدام الاحتياطي من العملات الحرة. وفي حال الاستيراد تسمح الدولة للموردين بشراء العملات الحرة من السوق (الموازي او الملون في تقدير السلطات). وهذا اعتراف بوجود السوق الفعلي.

وفي ظروف الحصار الذي عانت منه الدولة لفترة طويلة، يشتري الموردون اغلب احتياجاتهم من النقد الأجنبي من المغتربين خارج السودان حيث يتم تجميع كل ما يراد تحويله الي اسرهم بسعر السوق بواسطة سماسرة منتشرون في كل بقاع الارض. وفي الحقيقة ان معظم التداول في سوق النقد الأجنبي يتم في دول المهجر وليس داخل السودان. في داخل السودان  توجد سوق محدودة للنقد الأجنبي، مواردها (القادمون من الخارج في مواسم الاجازات، والبعثات والمنظمات الأجنبية ) شحيحة. إذاً معظم ما يشتري من النقد الأجنبي يتم خارج السودان ويتم تسليم قيمته بالعملة المحلية في الداخل لاسر المغتربين. ويقوم السماسرة بتحويل النقد المجمع لحسابات المشترين في الخارج. وبما ان الاستيراد بدون تحويل قيمة مسموح به (خاصة في ظروف الحصار الاقتصادي) يتمكن الموردون من تمويل وارداتهم من تلك المصادر.
لما تقدم نخلص للآتي:

– سعر صرف العملات الحرة يحدده عملياً، العرض والطلب الفعلي وليس البنك المركزي (البنك المركزي يحدد سعر وهمي لا يتحقق في ارض الواقع)، علي البنك المركزي فقط الاعتراف بالسعر الحقيقي والمتغير هبوطا او صعودا.

– محاولات اعتراض او محاربة سعر الصرف للنقد الأجنبي في السوق الفعلي عملية غير مجدية لان أغلبية عمليات الشراء تتم خارج السودان وما يتم بالداخل هو تسليم المقابل المحلي فقط. وداخلياً تتم العمليات عبر قنوات من الصعب او بالاحري المستحيل الوصول اليها. ومن ناحية اخري وللمفارقة تقبل السلطات وتقنن ما يتحصل عليه الموردون من العملات الأجنبية دون السوءال عن مصدرها.

– بما ان سعر الصرف الفعلي في الواقع هو ليس ما يتم تحديده من قبل البنك المركزي، يغدو المبرر ان يتم الاعتراف بهذا الواقع وترك تحديد سعر الصرف للعرض والطلب.

– في حالة ترك سعر الصرف لقوي السوق (ما يسمي بالتعويم) وهو في الحقيقة يعوم ولا يعوم (بتشديد وفتح الواو) ولا يحتاج لمدربين. في هذة الحالة سيقوم المغتربون – كلهم-  يتحويلاتهم عبر القنوات البنكية (كما هو الحال في مصر مثلا). وبذلك يستطيع البنك المركزي بناء احتياطي يمكنه من تمويل الواردات واستقبال حصيلة الصادرات وعدم لجوء التجار  لتقليل سعر التعاقد من اجل التجنيب بالخارج.

– الاعتراف والعمل بسعر السوق الفعلي للنقد الأجنبي (مع حوافز اخري) سيشجع المغتربين ليس فقط لارسال مساعداتهم الاسرية عبر القنوات البنكية فحسب، بل  علي جلب مدخراتهم الي الداخل. وذلك سيعضده بطبيعة الحال الاستقرار السياسي والاقتصادي المنشود.

مرة اخري لا يوجد سوق بالالوان. لا اسود لا ابيض. السوق في علم الاقتصاد واااااحد كالماء لا لون ولا رائحة ولا طعم له. (باستثناء الاخيرة فهو مر ومر جداً في السودان).!!

علي فكرة، في ما تبقي من الروشتة إياها لا نوافق الا علي رفع جزءي للدعم  من اجل ازالة التشوهات الهيكلية كما أسلفنا في مقال سابق، لتفادي الصدمات غير المستحبة، ولا نوافق علي الخصخصة المطلقة ونتمي ان يلعب القطاعين العام والتعاوني الدور المنوط بهما في التوزيع كما في الانتاج.

اللهم الهم قحت والإدارة الانتقالية وعزيزنا الدكتور البدوي التوافق علي ما فيه خير البلاد والعباد.
الحسن النذير
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق