أخبار السودان لحظة بلحظة

حزام أمان كورورنا

إسماعيل عبد الله

0

المتابع لأخبار طاعون العصر كورونا يلحظ ضآلة إنتشاره في الحزام الممتد من السودان مروراً بتشاد و النيجر ومالي, الجغرافيا التي كان يطلق عليها قديماً إسم السودان, حتى الآن لم تقم أي جهة طبية كانت أم إنسانية ببحث هذه الوضعية, لمعرفة الأسباب البيئية التي جعلت هذه المنطقة تنجو من شبح الموت وقسوة هذا الفايروس المقيت والملعون؟ فالملاحظ أن بيئات هذه الدول الأفريقية مازالت بكر وخصبة على المستويين الأرضي والجوي, وبها سماوات ومساحات واسعة لم تستغل حتى اليوم في الزراعة ولا في حركة الطيران العابر للقارات, وذلك نسبة للبنية التحتية الفقيرة التي عرفت بها هذه البلدان.

السودان كونه ضمن قائمة الدول المذكورة أعلاه يعتبر أفضلها في تأسيسه لبعض المشاريع القليلة المتعلقة بالبنى التحتية, ويتمتع بإرث حضاري و وعي صحي و مجتمعي ملحوظان, وهو الأكثر تأهيلاً للعب دور عالمي رئيس في مثل هذا اليوم, لو كان قد أعد العدة واستعد مسبقاً لمواجهة مثل هذه الكارثة الانسانية الطارئة, فلو كانت به مصانع للأغذية الطازجة ومعلبات الفاكهة الطبيعية والأعلاف والمعدات الطبية, لأفاد اقتصادياً من كارثة هذا الوباء العالمي, ولو لا محنتنا السياسية وأزمتنا الأقتصادية وفشلنا المستمر في الاتفاق على مشروع وطني طموح, و لو لا إخفاقنا في تحقيق التعاضد والتلاحم الشعبي الذي يصمد في وجه خلافاتنا البينية التي أتلفت تماسكنا الداخلي, لو لا كل هذا وذاك لكنا اليوم رسل البشرية المنقذين لها من وباء كورورنا الفتّاك.

يحمد لبلادنا انها حتى صباح هذا اليوم لم تشهد تلوثاً بيئياً في هوائها, ولم تتهيب خطراً بايولوجياً أو انحرافاً كيميائياً يهدد خصوبة تربتها, فهذه الخصائص الايجابية يجب استغلالها بالطريقة المثلى من قبل الجهات المسئولة عن الاستثمار والسياحة, والمؤسسات المنوط بها التخطيط الاقتصادي وإدارة النشاط التجاري.

فعالم اليوم لايعرف المواقف الانسانية المطلقة, وهو عالم هلوع منوع به حكومات تقودها المؤامرة وتدفعها مصالحها المتضاربة, التي لا يتنازل عنها شعب وحكومة دولة ما لدولة أخرى مهما حل بكوكب الأرض من كوارث مهلكة يخسر بسببها الجميع, فالصين التي ضربت رقماً قياسياً بتقدمها في عالم التجارة والصناعة والمال والأعمال, وتفردت وتميزت في مجال تقنية المعلومات والاتصال, يعمل مزارعوها في حراثة الأرض على منحدرات الجبال وتدرجاتها, وإذا وجدوا أرضاً سهلة كأرض السودان لتركوا الصناعة والتجارة وأصبحوا قطباً زراعياً أوحداً في العالم.

لقد ترجم لسان حالنا بيت الشعر:(كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمول), فبرغم ما نمتلكه من كنوز في باطن الأرض وثروات على سطح ترابها, إلا أننا ما زلنا منبهرين بما ينتجه الآخر وعاجزين عن إحداث النهضة الزراعية والرعوية الشاملة, ولدينا من مقومات الطب البديل ما يمكنه القضاء على جميع الفايروسات وأمراض الزمان المزمنة, فبلادنا ذاخرة بالقرض, والصمغ, والنيم, والبامية التي تعبأ في أقراص صغيرة وتوضع في زجاجات وتعرض على أرفف متاجر مدن الغرب باسم (أوكرا), فجلوسنا على قمم جبال من المعادن النفيسة لم يشفع لنا في طرح انفسنا بالصورة التي تليق في الأسواق العالمية.

ألحلول للمشكلات العظيمة ينبع من الداخل, فعندما أرادت كل من اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا النهوض, ارتكزت كل واحدة منها على إرثها الداخلي, واعتمدت عليه اعتماداً كاملاً واعتزت به ثم انطلقت إلى رحاب الرفاه الاقتصادي, فعملية تجميع القوى الشعبية الكاسحة والالتفافات الجماهيرية حول هدف أسمى يرسمه الدهاة من الزعماء أمثال (لي كوان يو)و(مهاتير), تشبه حركة تراجع الليث القهقرى متحفزاً للوثب من أجل الأنقضاض على الفريسة, فمتى نستنهض هممنا الكلية ونستجمعها لنقفز نحو تأسيس الدولة القوية؟.

إسماعيل عبد الله
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.