سؤال الجيش؟

بسم الله الرحمن الرحيم
لم اصدق عيني وانا اطالع خبر منع الجيش ادخال اي مشتبه بفيروس كورونا مستشفياته، وزاد الكيل بعير، بتوضيحه ان تنسيقه مع وزارة الصحة يتعلق بتجهيز معسكرات ومراكز خارجية (فحسب)! من يصدق ان هكذا قرار يصدر من جهة مهمتها الاساسية حماية مواطنيها! وفي توقيت كل جيوش العالم المحترمة تتدافع لتقديم كافة المعينات لمكافحة الفيروس الشبح. مع العلم ان ذات الجيش لم يبرع في شئ، مثل براعته في اضاعة فرص، ترميم علاقته مع شعبه.
وكأن ما يفعله السياسيون من اضاعة الفرص لا يكفي. وهو ما يحيل تاريخنا الحديث الى تاريخ الفرص الضائعة. وعموما، اضاعة الفرص تعزي اما لقلة الوعي او لنقص الوطنية او لضعف الارادة، وفي الغالب لاجتماعها معا.

ومن دون الرجوع الي الوراء، واستنادا لذاكرة طازجة لا تحتمل التحريف او التشوبه. فعند اندلاع ثورة ديسمبر، وقف الجيش موقف المتفرج، علي استباحة جهاز الامن وكتائب الظل للحراك السلمي! بل هذا الموقف هو ما جعل الاستباحة نفسها، تتخذ طابع التجاوز لكل الاعراف المجتمعية والشرائع الانسانية. ولمزيد من توريط الجيش في الخذلان، عمد البشير علي اجبار كبار قادته علي اظهار الولاء له! ولربطهم بمصيره اغراهم بحكم الولايات، في رسالة مبطنة للثوار في كل ولايات السودان، ان السلطة محمية بالجيش!

ورغم كل ذلك، راهن الثوار علي الجيش في حسم الصراع لصالحهم، وخاطروا بارواحهم وصولا لساحة القيادة العامة (حرم الجيش)، في رسالة لا تحتمل غير تفسير واحد، وهو ان الثوار يثقون في جيشهم! وبعد وصول الثورة لهذا المنعطف، وكعادة رومانسية يبدو انها ملازمة للثورات، تم التماهي مع تصور مثالي، بناءً علي تجارب سابقة، انحاز فيها الجيش للثوار، في ظروف مختلفة، ولاعتبارات اكثر اختلاف.

ولكن ما حدث منذ السادس من ابريل وحتي اعلان كورونا السالف الذكر، لم يكن الجيش يوما علي قدر عشم الثوار؟! وهنالك عدة دلائل تؤكد ذلك، منها ترك الثوار في ساحة الاعتصام لمصيرهم (اعتداءات كتائب الظل ) لولاء المبادرات الشخصية لصغار الضباط، ضد رغبة قادتهم! ودفع صغار الضباط (الابطال) الثمن لاحقا بفصلهم من الجيش. اما ما حدث في ساحة الاعتصام بعد ذلك، من فضه بطريقة همجية! فهو سبة في جبين الجيش ستلازمه ابد الدهر، غض النظر عن الفاعل الجبان! طالما حدثت المجزرة في حرمه وبعد ضمانات بذلها مجانا! بل وهنالك صور موثقة تؤكد اغلاق ابواب وحدات من الجيش ابوابها امام ثوار سلميين يتعرضون للموت؟! هذا ما يخص جانب الامن، اما ما يتعلق بجانب الاقتصاد، فقد استمسك الجيش ومن خلفه جهاز الامن وقوات الدعم السريع والشرطة، علي ما بايديهم من شركات ومؤسسات وبنوك ومستشفيات وغيرها من استثمارات، بميزانيات مهولة، منذ العهد البائد! ورغم انها اصلا موقوفة علي حمايته، إلا انها ما زالت تمارس انشطتها الاقتصادية خارج سيطرة وزارة المالية! وفي ظروف يتعرض فيها الاقتصاد الوطني للانهيار. الاسوأ من ذلك، وبسبب تعلقه بمستقبل البلاد وتضحيات الثوار وتطلعاتهم لدولة الحرية، هو عدم تسليمهم السلطة مباشرة لقوي الثورة بعد ازاحة البشير، رغم تصديع رؤوسنا باحاديث انحيازهم للثورة وعدم رغبتهم في السلطة! وبدلا من ذلك، استخدموا موازين القوي المسلحة لصالحهم، وقاموا بتجيير انجازات الثورة لخدمتهم حصريا، عبر التوافق علي وثيقة دستورية معيبة، وفوق ذلك يتجاوزونها بكل عنجهية، وكانهم ما وقعوها الا لينتهكوكها! وفي ذلك بالطبع استخفاف بالمدنية واحتقار للمدنيين! والخلاصة، ان البون ظل شاسعا بين الجيش والثوار، لان العلاقة بينهما يحكمها انعدام الثقة. ومن كان يتصور ان يصل الحال بالثوار ان يهتفوا غاضبين (معليش معليش، معليش ما عندنا جيش) من شدة شعورهم بالخذلان؟!

وهذا ما يقودنا لطرح عدد من الاسئلة التاسيسية؟ ماذا يعني الجيش السوداني؟ ما هي حقيقته؟ ما هي وظيفته؟ ما هي عقيدته؟ ما هو انتماءه؟ وهذه الاسئلة ليست بغرض التشكيك فيه او التقليل من قدره، كما قد يتبادر للعسكريين وانصارهم؟ ولكن المقصود ان الجيش يعاني ازمة هوية، وتعريف بدوره، وحضور في الوجدان الشعبي، والتباس في علاقته مع المكونات المدنية والدولة المدنية؟! وعموما، ازمة الجيش شبيهة بازمة الدين، فكلاهما احاط بوعيهما الاساطير، مما قاد لتحصينهما بغلالة القداسة، ومنع النفاذ للتعاطي معهما، وفق ما هو مستجد من معارف وخبرات انسانية ومصالح عامة. وكان من نتائج تحريم تداولهما في الفضاء العام، ان استولي عليهما هؤلاء المُحرِّمون. وطالما هنالك استيلاء، يعني بالضرورة سيطرة اقلية، تسعي للحفاظ علي مصالحها. والمفارقة ان اول متضرر من هذه المصادرة، هما الدين والجيش اللذان تمت المصادرة باسمهما، قبل ان يطال الدمار كامل تراب الاوطان. ومن سوء حظ دولة السودان ان اجتمعت عليها كلتا البلوتين دفعة واحدة، مما جعلها الدولة الانموذج لتحالف الاستبداد والفساد.

ورغم سيطرة الجيش علي معظم سنين الاستقلال (غض النظر عن استغلاله بواسطة الافراد او التنظيمات السياسية، لان ذلك يعني قابليته للاستغلال، وهذا اضل سبيلا)، ومن ثمَّ افراغها من اي محتوي تنموي او تقدمي علي اي مستوي، إلا ان جذور الازمة الوطنية كما هو معلوم ارتبطت بالدولة منذ استقلالها. وتمثلت في غياب المشروع الوطني القادر علي معالجة الاختلالات البنيوية في تكوين الدولة السودانية، والانفتاح بها علي دولة الديمقراطية والمواطنة والرعاية.

وقد يكون لذلك عدة اسباب، منها ما هو ذاتي او متعلق بطبيعة الشخصية السودانية، التي ترفض الانقياد وتعجز عن القيادة، وذلك ليس بسبب الثقافة الرعوية التي تركت عليها اثرها فقط، ولكن ايضا لغياب دولة مركزية عريقة ومسيطرة علي كامل التراب السوداني. اي ما يمكن وصفه، غياب الوعي بسلطة تتجاوز سلطة القبيلة والجهة والعقيدة. ومنها ما هو متعلق بالنخبة السياسية التي استسلمت للوعي الاداتي او الاجرائي علي حساب الوعي البنائي او الابداعي القادر علي توليد الحلول وطرح المعالجات، في مواجهة تعقيدات وتقلبات وتناقضات الواقع وتضارب مصالح مكوناته الاجتماعية.

بمعني النخبة بمجرد انشائها للاحزاب (الادوات) اعتقدت انها ناضجة، ومن ثمَّ مؤهلة لاستلام السلطة وادارة الدولة! وهو ما انعكس مباشرة علي طريقة تعاملها مع السلطة، التي تحولت الي مشروع صراع مفتوح علي الاحتكار، والدولة التي توزعت علي مناصب تحت سيطرة الوكلاء السياسيين. اما البعد الآخر للاداء الاداتي (السياسة كوسيلة وليست مشروع مفتوح علي الاحتمالات) الذي اعاق اداء الاحزاب، هو الرؤية الآحادية (طائفية او ايديولوجية) للامور او القضايا، عوضا عن الرؤية المركبة (الشاملة الابعاد)، والقابلة تاليا لاستعدادات متعددة. ومن هنا ظهر العجز عن بناء تسويات وتوافقات مثمرة، هي غاية الفعل السياسي كفضاء مشترك لادارة التعدد. اي نقل السياسة من خانة فن الممكن، الذي يحيل لشبهة الانتهازية او اقلاه القبول بالعجز، الي خانة المرونة في الممارسة السياسية، التي تعترف بالواقع، ولكنها تسعي لاستبداله بواقع افضل، سواء بتطوير ادواتها او ابتداع مشاريع جديدة.

ولو توافرات هذه الروح منذ الاستقلال، لاعترفت الاحزاب بعجزها منفردة عن ادارة البلاد، ولتم مثلا الاتفاق علي فترة انتقالية تعقب الاستقلال لمدة اقلاها عشر سنوات، يتم خلالها ترسيخ دور الدولة وثقافة التعاطي الايجابي مع مقتضياتها. وكذلك تستغلها الاحزاب في تنظيم شئونها وتجويد اداءها، استعدادا للانخراط في عملية ديمقراطية راشدة.

وهذا الفراغ الناتج عن فشل النخبة السياسية في ادارة الدولة، فتح المجال امام الجيش للتورط في شئون الحكم، وهو المعبأ سلفا باساطير من شاكلة انه الاكثر انضباطا ووطنية، وتاليا تاهيلا لادارة امور البلاد. والمقصود باساطير هنا، اوهام وضلالات لها انعكاسات عملية علي ارض الواقع. والمأساة ان هذه الاساطير، ورغم ما تركته من آثار تدميرية علي سلامة الدولة وتماسك المجتمع، وبدلا ان تتفكك مع مرور الايام او تضعف سطوتها، نجدها ازدادت صلابة وتحصين ضد التعرية وتاليا استحالة علي التغيير.

ولتفكيك هذه الاسطورة نختبر حقيقة ما تتخفي وراءه، فمسألة الانضباط تعني الالتزام، ولكنه يتخطي المعني الضيق الذي يتمحور حول التعليمات العسكرية، الي الالتزام بمنظومة العمل داخل الدولة، وهي الاطار الاكبر الذي يحيط بالجيش وغيره من مؤسسات الدولة. اي شئ شبيه بالتزام الفرد داخل اسرته، وهو شئ هام، ولكنه ليس باهمية التزام الفرد داخل المجتمع. وهي علاقة ليست آلية بمعني هذا يقود لذلك. ولو ان الاتساق يفرض ان لا يكون هنالك اختلاف، وهو الوضع الامثل. والخلاصة، ان الانضباط الحقيقي ليس انضباط الجيش داخل بيته فقط، ولكن الاهم هو خارجه (فضاء الدولة). وهذا الاخير ما سقط فيه الجيش بجدارة بتورطه في الانقلابات. وعليه، ما يتوهمه الجيش انضباط هو قمة التجاوز.

اما مسالة الوطنية، من الافضل ردها من عمومية التجريد الي خصوصية التحديد، وتاليا ادراجها في سياق يمكن تقييمه. ولتسهيل ذلك يمكن الاتفاق علي تعريف الوطنية بدالة معرفة الفرد/المؤسسة لواجبه/ها واداءه/ها علي الصورة الامثل لوجه الوطن. وبما اننا في وارد الحديث عن الدولة بمعناها المعاصر، وليس عن شئٍ آخر متخيل (كالدولة الدينية مثلا). فالدولة لها هياكل ومؤسسات واهداف تقوم بها، ودور الجيش في هذه الدولة، وكما هو معروف، حماية الدولة من الاعتداء الخارجي، والمحافظة علي دستور البلاد، والمشاركة في دفع الكوارث، وكل ما يندرج في هذا السياق. والمعني، ان الدستور ينظم موضع الجيش في الدولة، وتاليا خضوعه لسلطة الحكومة المدنية المنتخبة. علي ضوء هذه المقاربة يتم تحديد مدي وطنية الجيش. فكلما التزم بواجباته المنصوص عليها في دستور الدولة المدنية، كان اكثر وطنية والعكس صحيح. ولحسن الحظ ان مفهوم الوطنية نفسه مرتبط بالدولة الحديثة والجيوش الحديثة، ولذلك لا مجال للحديث عن وطنية ذات ابعاد ثقافية مختلفة، او خاصة بمناطق جغرافية محددة. وعليه، اي التفاف علي معيار الوطنية السالف الذكر، ما هو الا تاسيس لاساطير، تمهد الطريق لتغول الجيش علي السلطة، او النفاذ للمصالح السياسية والاقتصادية، علي حساب المكونات المدنية، والسلطة المدنية، المعنية بادارة الدولة والتحكم في انشطتها ومواردها.

اما الحديث عن الوطنية بدلالة التضحيات التي يقدمها الجيش! فهو مردود عليه، لانه من ناحية، المَنْ علي الاوطان بحجة تقديم التضحيات، لا يليق بمن يدعي الوطنية! ومن ناحية ثانية، ان هذه التضحيات هي من طبيعة عمل الجيوش، وكل من ينتمي للجيش يعرف ذلك قبل انتماءه، كما ان انتماءه كان بارادته! والاهم ان التضحيات عند الحروب لا تقتصر علي الجنود والضباط ولكنها تطال المدنين كذلك، وهذا غير تاثيرها السلبي علي بقية انشطة الدولة. وعموما، حتي من دون حروب وتضحيات، مجرد التزام الجيش بدوره المحدد. يدل هذا علي نضج الجيش وتجسيده للوطنية المطلوبة. وهي بدورها مدعاة لتوافر الاحترم والتقدير للجيش من كل المواطنين.

اما اذا رافق هذا الالتزام تقديم تضحيات، مثل ما قام به صغار الضباط، الذين دافعوا عن الثوار في ساحة الاعتصام، فهو قمين بنصب التماثيل والنصب التذكارية لشهداء الجيش.

قصدنا من ذلك موضعة الجيش في مكانه ومكانته الصحيحة، بتخليصه من اوهام واباطيل رافقت مسيرته، واباحت له السيطرة علي السلطة ما يقارب النصف قرن من غير وجه حق! ولسوء الحظ هي سيطرة كانت وبالا، سواء علي مستوي النضج الديمقراطي او بناء دولة مستقرة. ومن يحاجج ان السياسيين هم من كان يدير السلطة من خلف ظهر الجيش! نرد عليه، ان الانقلاب يتم بواسطة الجيش، ويتولي الضباط قادة الانقلاب السلطة! والاهم انه لولا الحاضنة التي استمر الجيش في توفيرها للانظمة الانقلابية، وهي بالطبع ليست مجانا، لما استطاع انقلابي واحد ان يحكم لمدة يوم.

المهم، ظل الجيش هو من يقييم الاداء في الدولة، ويحدد مصيرها، دون الرجوع للشعب! وكانت النتيجة تردي احوال الدولة وافقار الشعب. وآن الاون ليقوم الشعب بتحديد دور الجيش وتقييم اداءه، كشرط لازم لمنحه التقدير والاحترام او الوطنية والانطباط كما يحلو له. والحال هذه، كل المطلوب من الجيش ان يفي بالتزامه المتعارف عليه في الدولة الحديثة. من ادوار من شاكلة حماية الدولة وصيانة الدستور، والامتناع عن التدخل في السلطة والسياسة والاقتصاد، وكل ما من شأنه ان يحرفه عن مهامه الاصلية. وهو ما يمكن اجماله في، نزع الاسطرة عن حقيقته، ومن ثمَّ خضوعه للسلطة المدنية المنتخبة. فهكذا دور اقلاه كان سيرفع عنه حرج احتلال حلايب والفشقة، بردها لواجبات السلطة المدنية، التي من حقها تحديد الطريقة الملاءمة لاسترداد هذه المناطق، ومن ضمنها بالطبع استدعاء الجيش.

ولكي يقوم الجيش بدوره المطلوب، يتوجب عليه الاستفادة من جولات التفاوض مع الحركات المسلحة، والاتفاق علي صيغة يتم عبرها اعادة تنظيم وترتيب جميع القوات المسلحة الموجودة في الدولة، وانتظامها في جيش واحد بعقيدة واحدة سبق الاشارة لها. ونحن كما نعلم ان وجود اكثر من جيش في دولة، يعني وجود اكثر من دولة، وفي التحليل النهائي يعني غياب الدولة.

ونسبة لظروف السودان الاقتصادية الصعبة، وهو في مرحلة عبور، فهذا ما يتطلب تخفيض اعداد الجيش وزيادة قدراته، اي تكوين جيش رشيق وذو كفاءة عالية باقل النفقات. والاهم ان المعركة الحقيقية التي تواجه البلاد، هي توظيف موارد الدولة التوظيف الامثل، في الانتاج والتعليم والعلاج، للنهوض بالبلاد من قعر الفقر والفساد القابعة فيه.

وزبدة القول نجمله في رسالة يتيمة نرسلها للجيش وغيره من المليشيات والحركات المسلحة، وهي (الي الخلف دُر) الي ثكناتكم، وعليكم الاكتفاء بواجب حماية الدولة وتوفير الامن للمواطنين. ويا له من دور يليق بالشجعان. وتاليا ان تتركوا السلطة والحكم وادارة الدولة لاهل الاختصاص، وكل ميسر لما أُعد له. وإلا تصبح فوضي وانهيار للبلاد، او اقلاه اعادة سيرة الاستبداد والفساد، المفضية بدورها لانتاج الدولة الفاشلة. ودمتم في رعاية الله.

عبدالله مكاوي
[email protected]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق