لماذا لن يفيدنا العزل والحظر ضد الكورونا؟

لمتتبع للقرارات السياسية السودانية بشأن التعامل مع وباء فيروس كورونا المستجد يجد اننا ماشين بسياسة (حاكو حاكو) للدول الاخرى وللسعودية تحديدا دون الاخذ في الاعتبار معطياتنا المحلية المختلفة عنهم.. السعودية اغلقت المدارس والجامعات فتبعناها في ذلك بعد اسبوع.. السعودية اغلقت المطارات فقلدناها.. واخيرا السعودية حظرت التجوال المسائي فقلدناها بعد يومين حتى في ساعات الحظر.. حذو القذة بالقذة.. ولو دخلت جحر ضب لانحشرنا ورائها فيه..

قد تكون متابعتنا العمياء للسعودية مفهومة اذا كان الامر متعلقا بدخول شهر رمضان او اثبات رؤية هلال العيد.. لكن تقليدها او تقليد غيرها في ما يتعلق بالاستجابة لتحدي وباء الكورونا ليس دائما بالامر الجيد.. صحيح ان الاستفادة من تجارب وخبرات الدول من حولنا امر بالغ الاهمية.. لكن الاهم هو مراعاة ظروفنا المختلفة التي لا تستوجب علينا بالضرورة ما اوجبته عليهم..

لا اعرف ظروف السعودية التي اوجبت عليها اتخاذ مثل هذه الاجراءات الصارمة لمواجهة وباء كورونا لكن بالنسبة للسودان فساحاول توضيح لماذا ان هذه الاجراءات هي على الارجح غير ضرورية ولا ترتكز على رؤية علمية سليمة او في احسن الاحوال عبثية وغير مجدية.

1. عزل غير ضروري لشعب كامل من اجل حالة واحدة:
عندما اصدر قرار اغلاق المدارس والجامعات قبل اسبوعين لم تكن في السودان كله سوى حالة واحدة مؤكدة قادمة من الخارج. قد يكون مفهوما ان تعزل كل القادمين اليك من دول موبوءة وان تعزل جميع من اتصلوا بهم. لكن ليس من المنطقي ان تغلق المدارس في جميع ولايات السودان وتحرم مئات الآلاف من الطلاب من مواصلة نشاطهم لكي تقيهم من وباء هو ليس موجودا عندك اصلا. هل تعلمون ان المدارس لا تزال مفتوحة في دول لديها عشرات الألاف من حالات الاصابة بكورونا مثل السويد وبريطانيا لانه بالنسبة لهم معدل الاصابات لا يزال اقل من ان يستوجب هذا العزل الكلي الذي طبقته حكومتنا (الرشيدة) بسبب حالة واحدة.

2. عزل غير ضروري لشعب كامل من اجل اقل من 7٪ من السكان:
النسبة الاجمالية للوفاة من الاصابة بفيروس كورونا المستجد عالميا حوالي ال4٪. لكن عند توزيع هذه النسبة على الفئات العمرية نجد انها 14٪ لمن تخطوا سن الثمانين بينما تقترب من الصفر في من هم اقل من 40 سنة. تقريبا كل الاطفال وغالبية الشباب المصابين بالفيروس لا تظهر عليهم اعراض اصلا او تكون لديهم اعراض طفيفة مشابهة للانفلونزا. السودان دولة شابة جدا حيث تتجاوز نسبة من هم دون الثلاثين ال60٪ بينما لا يشكل من هم فوق ال55 سوى 7٪ من سكان السودان الاربعين مليونا. في ايطاليا مثلا تتجاوز نسبة من هم فوق ال65 عاما ال20٪ وهذا يفسر ارتفاع عدد الاصابات الخطيرة بالفيروس والعدد الكبير للوفيات. لذلك في بلد كايطاليا من البديهي ومن الضروري ان تعزل الجميع بما فيهم الاطفال والشباب كي لا ينقلوا العدوى لهذه الفئة العمرية التي تشكل خمس شعبك. اما هنا في السودان فكان من الاوفق ان تعزل تلك الفئة القليلة المهددة اكثر من غيرها مثل كبار السن الذين تجاوزوا السبعين والمرضى وغيرهم.. كان ذلك سيكون اكثر عملية واقل ضررا واعمق حكمة..

3. توقيت خاطئ لتنفيذ العزل:
فيروس كورونا المستجد انتشر بشكل وبائي في العالم لسبب بسيط.. هو انه فيروس جديد تماما وبالتالي جهازنا المناعي لا يعرفه.. الانفلونزا الموسمية مثلا قد تنتشر احيانا في بعض الفصول لكنها لا تتحول الى وباء يصيب الجميع مثل الكورونا وذلك لاننا معرضون لها طوال الوقت وبالتالي نسبة كبيرة من الناس لديهم مناعة ضدها.. الامراض الوبائية الجديدة مثل كورونا تظل تنتشر وتنتشر ولا تبدأ في التباطئ الا بتأثير احد عاملين.. اما عامل خارجي واما عامل داخلي..
العامل الخارجي هو كالطقس مثلا الذي يمكن ان يتسبب تغييره في ايقاف الوباء. فاذا كانت كورونا تنتشر في الاجواء الباردة فان ارتفاع درجات الحرارة يكبح انتشارها..
اما العامل الداخلي فهو المناعة.. وفي هذه الحالة ما نطلق عليه اسم مناعة القطيع وهو نسبة افراد المجتمع الذين تعرضوا للعدوى وتعافوا منها واصبحوا محصنين ضدها.. ولكي يكون مجتمع ما مناعة قطيع ضد فيروس جديد معين يحتاج ان يتعرض نسبة 70٪ او اكثر منه له. عندها ينحسر الوباء تلقائيا ولا تتبقى سوى حالات متفرقة هنا وهناك. هذا العزل المبكر الذي طبقته الحكومة السودانية للشعب بأكمله بعد حالة مؤكدة واحدة فقط يعطل تكوين مناعة القطيع.. ولذلك بمجرد ان تنتهي اجراءات العزل ويعود الناس للاختلاط مجددا سيعاود الوباء انتشاره انتشار النار في الهشيم لأن غالبية افراد المجتمع لم يتعرضوا للفيروس ولا مناعة لهم ضده.. وستضطر الحكومة من جديد لاجراءات عزل جديدة ستكون ربما مبررة اكثر من هذا العزل العبثي الحالي.. تكوين مناعة القطيع بالمناسبة هي السبب الاساسي الذي جعل دولا كالسويد وبريطانيا ترفض العزل المبكر وتحافظ على شكل حياة طبيعية مع الالتزام ببعض الضوابط.. لأنه لكي يكون العزل مفيدا وحاسما في احتواء الوباء فيجب ان يكون توقيته صحيحا فيما يتعلق بنسبة الاصابات بين السكان.. اما العزل الكلي دون ان يتواجد الفيروس في محيطك فهو مثل ان تأخذ علاجا اشعاعيا وكيماويا قاسيا ضد السرطان وانت اصلا ما عندك سرطان..

4. التضخيم الهلعي للوباء:
لا يلام الناس العادييون على خوفهم وذعرهم من وباء كورونا وهم يرون الموتى بالآلاف في نشرات الاخبار.. لكن اللوم كل اللوم يقع على واضعي سياسات الصحة الذين يفترض انهم اكثر معرفة بالمرض ورغم ذلك اختاروا ان يقلدوا ايطاليا والسعودية في مواجهة هذا الفيروس وهم يعلمون ان احتمالية الوفاة لمن يصاب بالملاريا اعلى بكثير من احتمالية الوفاة لمن يصاب بفيروس الكورونا.. ويتعاملون مع فيروس الكورونا كأنه فيروس الايبولا الذي تتجاوز احتمالية وفاة من يصاب به ال90٪ بينما هي تقترب من الصفر في من هم دون الاربعين بالنسبة للكورونا.. غالبية امراضنا المحلية اكثر خطرا وفتكا من الكورونا وكان من الاولى توفير مواردنا الشحيحة لمجابهتها.. كل الدول التي تشبهنا – واعني بذلك البلدان الحارة الفقيرة الموبوءة بمختلف الامراض – لم تتفش فيها الكورونا.. افريقيا برمتها فيها اقل من الف حالة.. شبه القارة الهندية كلها وكل الدول الاستوائية بها حالات قليلة جدا ووفيات اقل.. يصعب تفسير ذلك لكن لعل للطقس الحار علاقة بالامر.. او لعل المرض تفشى فعلا في هذه الدول بما فيها السودان ولم يترك اثرا يذكر لان لدى شعوبها القاطنة هذه البيئات الملوثة الموبوءة مناعة ضد ما هو اخطر من الكورونا فلم تؤثر فيها.. او ان افراد هذه الشعوب يعانون باستمرار من سلسلة من الامراض الاخرى الاقسى فلم تشكل الكورونا جديدا في معاناتهم.. في جميع الاحوال فان من الواجب على من يتولون شأن الصحة في السودان الاهتمام بمشاكلنا الصحية نحن وليس بالمشاكل الصحية لايطاليا او السعودية.. وعليهم وضع وانزال هذا الفيروس منزلته الحقيقية بين امراضنا المتعددة الاكثر اهمية دون تضخيم ولا تهويل.

5. عزل مختل وناقص:
لنفترض جدلا ان وباء فيروس كورونا يمثل مشكلة صحية بالنسبة للسودان تستوجب فعلا اغلاق المدارس والجامعات والعزل الكامل في هذا التوقيت. هذا العزل بشكله الحالي غير مجدي بتاتا لان قطاعا كبيرا من الناس لا يتقيد به ويستمر بالاختلاط خمس مرات يوميا في المساجد.. كما ان الالوف المؤلفة تتبادل جراثيمها بمحبة يوم الجمعة.. لا اعرف لماذا لم يقلدوا السعودية في هذا الامر؟ اضف الى ذلك التجمعات التي لم تنقطع في الاسواق وومواقف المواصلات وصفوف العيش والوقود. العزل الكامل لا يتطلب فقط ايقاف محلات الشيشة وانما ايضا ايقاف نشاط المطاعم ومحلات العصائر كي لا يتبادل الناس جراثيمهم عبرها وهذا لم يحدث.. العزل الصحيح يتطلب كذلك وضع قيود على عدد الركاب المتنقلين في مركبة واحدة وهذا ايضا لم يحدث.. كما لم يتم وضع قيود على حركة السفر بين المدن والولايات الا اخيرا.. هذه القيود وغيرها من خطوات العزل الصحيح لا اذكرها هنا لاني ارى ضرورتها بل لاوضح عبثية المشهد وان ما تفعله الحكومة هو مجرد تقليد مشوه لما يحدث في دول اخرى لا ضرورة له ولا فائدة منه..

6. الترويج المضلل للكمامات:
انا سعيد بثقافة غسيل اليدين التي يتم الترويج لها هذه الايام.. ليس لانها تقينا من كورونا الذي رسميا لا وجود له في السودان (عدا بضع حالات اقل من اصابع اليد الواحدة) وانما لانها تساعد فعلا في الوقاية من قائمة طويلة من امراضنا المحلية الاخطر التي تنتقل من اليدين للفم مثل الكوليرا والتايفود والاسهالات والتهاب الكبد الوبائي (أ) وغيرها.. هذه عادة ثقافية يجب ان تستمر حتى بعد ان ينسى العالم فيروس كورونا.. اما لبس الكمامات فلا طائل منه.. فهذه الكمامات الجراحية لا تحمي من الفيروس اصلا لأن فتحات نسيجها اكبر بكثير من الفيروس.. بل على العكس تماما يمكن ان تزيد من نسبة اصابة من يلبسها لأنها تساعد على تجميع وتركيز الغبار وما يعلق به من جراثيم في نسيجها.. هي مصممة ليرتديها الجراحون اثناء العمليات الجراحية لا ليحموا انفسهم وانما ليحموا المريض من جراثيمهم هم.. ولذلك لا يجب ان يرتديها الا المرضى الذين يعطسون ويسعلون لتقلل من انتشار جراثيمهم في محيطهم.. هناك كمامات خاصة للوقاية من فيروس كورونا والفيروسات المشابهة لها فلتر ذو فتحات اصغر وذو تقنية حاجزة ومانعة للفيروس لكن سعرها اغلى ووفرتها اقل.. عموما هو مشهد عبثي آخر ان ترى مسؤولي الدولة وهم يرتدون هذه الكمامات الجراحية امام وسائل الاعلام.. مشهد ان دل على شيء فانه يدل على انهم لا يعرفون الكثير عن هذا الفيروس الذي يدعون محاربته..

خلاصة القول ان تعامل الحكومة السودانية مع وباء فيروس كورونا به الكثير من العبثية والدرامية بتبنيها اجراءات صارمة غير ضرورية في توقيت غير صحيح من الناحية العلمية وتطبقه بشكل ناقص مختل لا يمكن معه ان تحقق الاهداف التي وضعتها بغض النظر عن صحة ومنطقية هذه الاهداف.. هل هو مجرد تقليد اعمى لايطاليا والسعودية وغيرها؟ ام هو من باب (عملنا العلينا) عشان مافي زول يفتح خشمه معانا؟ ام له اهداف سياسية واقتصادية مثل توفير الوقود وفك اختناق المواصلات والكورونا دي وقعت ليهم في جرح واغتنموا الفرصة؟

أحمد عبدالواحد
[email protected]

تعليق واحد

  1. المشكلة انو العالم كله ما عارف يعمل شنو و لا يخلي شنو و هم بالأساس بيقلدوا الصين اول دولة ظهر فيها الفيروس حيث تم الإغلاق الكامل لكل البلد لكن مع توفير الغذاء و الدواء بطرق مبتكرة لجميع المواطنين ..حتي الآن غير معلوم علي وجه الدقة كيف ينتقل هذا الفيروس. .لذا الكل معذور و الحكومة لضعف امكانات البلد و عدم استطاعتها القيام بالعناية ب الآلاف الحالات لجأت لهذا الحل كما أن هناك توصيات من منظمة الصحة العالمية بهذا الخصوص ..فقط نأمل أن لا يطول الأمر لأنه لديه تداعيات اقتصادية خطيرة و اعتقد ان شمسنا الحارة هي التي ستنقذنا. .نسأل الله أن يلطف بالبلاد و العباد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق