مقالات وآراء

المسرح موطنا لأيامي الجميلة

( بمناسبة اليوم العالمي للمسرح )

إضاءة أولي : يجب أن نعتني بالخشبة فعليها تحدث كل الأفعال والقضايا المتعلقة بالبلد ، والمجتمع ، والعائلة ، والبيت . ( كونستانتين ستانسلافسكي )

الراوي : علي مدي ثلاثة عقود لم تنج خشبة المسرح في السودان تماما كقاعات السينما وصالات الفنون الجميلة ، والفنون الشعبية ، وشاشات التلفزيون ومجمل الأنشطة التي تتصل بالهم الثقافي من قبضة نظام حكومة الإنقاذ الاستبدادية والمدمرة التي امتدت لكل مفاصل البلد الطيب ، فقتلت الحُلم وشردت المسرحيين والمبدعين ودمرت التجربة المسرحية الناشئة ، فكيف يكون بمقدور المسرحيين السودانيين أن يتباهوا بنقل تجاربهم ومعارفهم وسرد قصصهم إلي جمهورهم العريض ، وكيف يمكنهم المساهمة في رفع درجات الوعي والاستنارة حول الانتهاكات المستمرة والإقصاء اليومي في ظل واحدة من أكثر الحكومات عنفا وقبحا في تاريخ السودان .
لنتفق مع الرأي الذي يقول إن المسرح هو فن لن يموت مهما كانت المعوقات والمصاعب التي تقف في طريقه ، ومهما أوهنت الرقابة من قدرته ، ومهما امتدت يد البطش لتخنق أفكاره ومبدعيه ،
ويمكن للمرء أن يأسف فقط علي ظهور طبقات طفيلية من المسرحيين عملت علي حسابات خاطئة ، وعلي سنوات كثيرة مضت دون أن يكون المسرح – أو ينبغي أن يكون عليه – أبو الفنون في بلادي ، ومصدر إشعاعها .
واليوم 27 مارس 2020 نحتفل مع كل خشبات العالم باليوم العالمي للمسرح، ولهذا التاريخ دلالته إذ أنه أتي بعد عام من الثورة الشعبية التي أطاحت بالنظام البائد ، لنستقبله بشهية مفتوحة ورومانسية يستحقها ، ونبدأ التفكير في تعويض سنوات (الإنقاذ ) المشئومة التي تم فيها إسكات صوت المسرح وتشريد وإقصاء مبدعيه. ويجب أن نتذكر اننا مجتمع متعدد الثقافات ، وإن الإنسان السوداني كان دائما وسيظل بحاجة إلي سماع القصص ، وتوظيفها كسلاح في مواجهة الأكاذيب وتزييف الحقائق .
إن تطور المسرح في أي بلد يبدأ باحترام خصوصية تجربته ، من المفيد أن ندرك إن الحركة المسرحية لن تشفي بسهولة ، ونعلم أن العامل الحاسم في نمو المسرح يكمن في استقلاليته لكي يتمكن من رفع مستوي جمهوره فكريا وجماليا ، ويكون مصدرا للتعلم والإلهام ، ويحافظ علي معنوياتنا قوية .

إضاءة ثانية: أينما توجد الدراما ، توجد الكلمة ، كلمات الأنسان يتحاور مع خالقه ، كلمات الإنسان يحاور العالم ، كلمات الإنسان يحاور الإنسان ،، إنها كلمات حوار خالدة . ( ميغيل إستورياس )

صوت : ولدت فكرة إقامة يوم عالمى للمسرح فى هيلنسكى ، ثم فى فيينا ، أثناء إنعقاد المنتدى العالمى التاسع للمعهد الدولى للمسرح فى يوليو 1961 بمبادرة من رئيس المعهد ( ارقى كيفيما ) ، ومن يومها درجت العادة على الاحتفال باليوم العالمى للمسرح فى 27 مارس من كل عام ، وهو تاريخ إفتتاح مسرح الامم عام 1962 فى باريس .
لقد أنشئ المعهد الدولي للمسرح عام 1948 من قبل منظمة اليونسكو والمعهد الدولى للمسرح وهو المنظمة غير الحكومية الأكثر أهمية فى مجال فنون العرض ، ويسعى المعهد إلى توطيد أواصر التبادل الدولى للمعرفة والتدريب فى مجال فنون المسرح وذلك من أجل تحفيز الأبداع وإقامة التعاون بين رجال المسرح وذلك لدفع الفكر الجماهيرى نحو إدراك ضرورة إعتبار الإبداع الفنى واحداً من مجالات التطور البشرى ، وتعميق التفاهم المتبادل بهدف تدعيم السلام والصداقة بين الشعوب .

إضاءة ثالثة: الحُلم وطن
التمثيل وبما له من التأثير العظيم. يا الله، كم أسعد أمما طالما رضخت قسرا للمستعمر، وكم أخرج أمما من أطوارها التعيسة إلي السعادة، التمثيل مُربي الشعوب ومهذب الأمم، منه يأخذ كل من شهده درسا في الشجاعة والإقدام وعزة النفس والصبر علي المكاره وعدم اليأس، ومنه يشعر كل مخلوق أن له في هذه الحياة حقا طبيعيا ( حسين أفندي ملاسي )

الراوي : كان للمسرح في السودان ومنذ مطلع عشرينات القرن الماضي دورا رائدا في تكوين الثقافة الجماهيرية ، ولد من رحم الممارسات المبكرة للرواد ، وعبر الفرق المسرحية والأندية الرياضية ، ونادي الخريجين والمدارس الثانوية ومجتمع الجاليات وغيرها ، وإذا عدنا للوراء في محاولة لتتبع مسارات تلك البدايات التي تعود لما يقرب من مائة عام قد نتوه في كثيرة لم يتم سبر غورها بعد رغم المجهودات الجادة التي قام بها نفر من الكتاب والنقاد وأهل المسرح أمثال الطاهر شبيكة ، عثمان النصيري ، حبيب مدثر ، يوسف عايدابي ، بدرالدين حسن علي ، هاشم صديق ، عذالدين هلالي ، سعد يوسف ، السر السيد ، سلمي الشيخ سلامة ، عثمان جمال الدين ، عادل حربي وجعفر نصر وأخرين ، والتي نجملها في بعض المنعطفات الهامة من تاريخ الحركة المسرحية :

مشهد – 1 : في عام 1902 كتب وأخرج مأمور القطينة عبدالقادر مختار ( مصري الجنسية ) مسرحية نكتوت ( المال ) وتشير الدراسات علي أنها أول مسرحية تقدم في السودان وتدور قصتها بين صاحبة إنداية شعبية وتاجر وتلميذ . ( بدرالدين حسن علي – مجلة الأقلام ) .

مشهد – 2 : شرع صديق فريد يقدم للمسرح بطريقة جادة حوالي سنة 1918 أو قبلها ، وواصل العمل إلي منتصف الثلاثينات ، وتضم أعماله مسرحيات مثل الفارس الأسود ، تاجر البندقية ، صلاح الدين الأيوبي ، عطيل ، تاجر البندقية ، وفاء العرب ، كجنون ليلي وغيرها . ( الطاهر شبيكة – مجلة الموسيقي والمسرح ، أبريل 1979 ) .

مشهد – 3 : أستمرت العروض المسرحية في أندية الجاليات العربية والأجنبية ، لكن التجربة الأبرز جاءت مع نادي الخريجين الذي تأسس عام 1918 ، حيث ظهرت العديد من المسرحيات مثل صلاح الدين وعطيل وأمير الأندلس مما أزعج السلطات البريطانية بسبب مشاركة سودانيين أمثال صديق فريد وعلي عبداللطيف ، وحين قدم عبيد عبدالنور مسرحية المفتش والمأمور ورجل الشارع عام 1929 ، أصدر قسم الاستخبارات البريطاني قرارا بحظر هذه الأعمال ، وتعرض الفنانون إلي المساءلة والتوقيف . ( أمين صديق – المسرح الجامعي وتيارات النشاط المسرحي في السودان ) .

مشهد – 4 : مساء الخميس 9 / 12 / 1920 ، ونحن نسير جماعات نحو مدرسة أمدرمان الأميرية لنشهد تمثيلية يقوم بها طلبة كلية غردون تدور فكرتها حول تعليم المرأة ، موضوع الساعة في ذلك الوقت ، وكانت مثل هذه الليالي التمثيلية لندرتها تلقي اهتماما وأقبالا عظيمين ، وقد أشتهر جماعة من شباب الموظفين والطلبة بهذا الفن وطار لهم صيت بعيد أذكر في طليعتهم المرحومين الأستاذين صديق فريد وعرفات محمد عبدالله ، والأساتذة عبدالرحمن علي طه وعوض ساتي وعلي نور المهندس وأبوبكر عثمان وغيرهم من فتية ذلك العهد . ( حسن نجيلة – ملامح من المجتمع السوداني )

مشهد – 5 : في عام 1923 طالبت السلطات البريطانية بمعرفة كل شيء عن جمعية التمثيل الأدبي الخيرية ( التي تأسست عام 1916 ) وأعدً سكرتير الجمعية حسين أفندي ملاسي ( 1894 – 1946 ) بيانات كاملة رفعت للمسئولين يوم 18 / 8 / 1923 وتفصل هذه الوثيقة تاريخ الجمعية كما يلي : ( تأسست الجمعية عام 1916 وكان أول عرض لها هو مسرحية ( ديفيد جرك ) والتي خصص دخلها للصليب الأحمر البريطاني ، لا توجد أية معلومات أخري عن هذه المرحلة من تأسيس الجمعية ، توقف نشاط الجمعية لمدة عامين 1917 – 1918 ثم أعيد تنظيمها عام 1919 تحت رئاسة الضابط صليب كامل وسكرتارية حسين ملاسي الذي كان المحرك الفعلي لأعمال الجمعية . ( إبراهيم حسين ملاسي – الدستور – 5 / 12 / 1988 )

مشهد – 6 : سعي معهد تدريب المعلمين ببخت الرضا منذ مطلع أربعينات القرن الماضي علي نشوء مسرح تنويري يساعد علي كشف عيوب المجتمع ، استطاع أن يخرج بالمسرح من المدرسة إلى المجتمع . وساهم في إعداد جيل من المسرحيين لعب دوراً كبيراً فى نشر رسالة المسرح منهم د. أحمد الطيب الذي أخرج وترجم وسودن العديد من الكلاسيكيات الخالدة منها الملك لير ،العاصفة ، هاملت ، زوجات وندسور المرحات ، روميو وجولييت وغيرها . و حقق صديق فريد وجماعته أكثر من 20 عرضاً مسرحياً ساهمت أكثر من أي أداة أخرى في نمو الوعى الاجتماعي والسياسي .

إضاءة رابعة : الأوقات السيئة هي أوقات جيدة للمسرح . ) شهيد نديم ، رسالة اليوم العالمي للمسرح 2020 (

الراوي : جاءت سنوات الستينات حافلة بكل ما تحملة الكلمة من دلالات ، كانت فترة تحول سياسي وإيجابي ففيها تم الإعلان عن ميلاد أول حركة جادة ومنظمة للمسرح عندما ارتفعت الستارة عن مسرحية ابراهيم العبادى ( المك نمر ) التي أخرجها الفكي عبدالرحمن ، وأصبح المسرح هو الجزء الأكثر حضورا فى تكوين الثقافة العامة وإيقاظ وجدان الجماهير ، وأستقطب المسرح أهل الفن من سينمائيين وتشكيليين وموسيقيين وروائيين وشعراء وغيرهم ، تأسست الفرق المسرحية ، وتكونت نقابات للممثلين ، وبدأت تظهر أجيال من المؤلفين والكتاب والنقاد ، ثم بدأ المسرح يُطبع فى كتب ومجلات ، وانتشرت الترجمة وسودنت المسرحيات ، وسرعان ما تم غنشاء مسرح للعرائس وفرقة للأكروبات والسيرك ، ونشطت خشبة الفنون الشعبية ، وقامت تيارات وحركات مسرحية مختلفة تعمل خارج المنظومة الرسمية مثل جماعة مسرح الشارع ومسرح الكارو ، ومسرح النزيل وغيرها .

صوت : ومع الوقت أخذت التقاليد المسرحية تترسخ وتتطور معها تكنولوجيا العرض لتتناسب مع نوعية وحجم الجماهير التي أقبلت على المسرح بحماس هائل ، وأخذ المسرح بدوره يستجيب لتوقعات رواده ، ومن ثم أصبح أكثر التصاقا بهموم الناس . وجد المسرحيون السودانيون فى المسرح سلاحاً يعكس بصدق صراع القوى الاجتماعية والجدل السياسي ويساهم في تحريض الجماهير .
مسرحيات الأسطورة والطقوس تقف جنبا إلي جنب مع العروض الكوميدية والتراجيدية ، كانت المسرحيات الاجتماعية تنافس العروض التجريبية ، والمسرحيات المسودنة تتنقل من وليام شكسبير إلي محمد الماغوط ومن محمود دياب إلي وول شوينكا وسعدالله ونوس .
لم يكن الجمهور يذهب للمسرح للتسلية وتمضية الوقت ، إنما كان يصطدم بمواقف إنسانية ويواجه بمشكلات حياتية يخرج منها أكثر استنارة ورغبة في التغيير .

صوت : ولعل أكثر المسرحيات ارتباطا بالجماهير هي تلك التي وظفت الأسطورة والتراث لصياغة الحاضر ، وربما أهمها وأكثرها شهرة مسرحية ( نبتة حبيبتي ) التي استلهم هاشم صديق فكرتها من مجموعة الحكايات السودانية ( سالي فو حمر ) التي حققها السفير والأديب جمال محمد احمد وأخرجها الفنان مكي سناده ، وقد تركت المسرحية بصماتها أكثر من أية مسرحية أخرى أنتجها المسرح السوداني في كل العصور .
وتواصل العطاء فشاهدنا يوسف عايدابى في ( حصان البياحة) وخالد المبارك ( هذا لا يكون – وتلك النظرة ) ، ويوسف خليل مسرحية ( الخضر) .

محمد محجوب محي الدين
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..