ساعتنا الأخيرة

في العام 2000، كتب عالم الفلك البريطاني “مارتن ريز” أنّه “خلال عشرين عاما سيصبح من الممكن قتل مليون فرد بسبب إرهاب بيولوجي أو خطأ بيولوجي”؛ فهل يُمكن القول أنَّ جائحة “كورونا” عام 2020، هي نبوءة “مارتن” التي ضمنها كتابه “ساعتنا الأخيرة” الصادر عام 2003؟

مقولة الكاتب تذكرنا بالاتهامات المتبادلة حاليا بين الصين وأمريكا -على خلفية الحرب الاقتصادية- حول مسؤولية كل طرف عن نشر فيروس كورونا المستجد؛ ففي 12 مارس قال متحدث باسم الحكومة الصينية إنّ “الجيش الأمريكي ربما جلب فيروس كورونا إلى مدينة ووهان” من أجل ترويض التنين الصيني وتكبيده خسائر اقتصادية.

في مقابل ذلك؛ جاهدت أمريكا لدرء التهمة عن نفسها، وأعادت الكرة نحو الصين بأنّها المتسبب الأول في نشر فيروس كورونا؛ وأن بكين ولسنوات عدة كانت تعكف على تطوير أبحاث وتجارب أسلحة كيماوية وبيولوجية. وزادت أمريكا من حدة انتقادها للصين حين قالت على لسان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إنّ الصين حجبت المعلومات التي يحتاجها العالم للحيلولة دون حدوث إصابات أخرى.

مشهد الملاسنات الصينية/الأمريكية هذا لخَّصه “مارتن” قبل عشرين عاما بالقول: “إنَّ أهم الأخطار التي تهدد البشرية هي إرهاب نووي وفيروسات مميتة معدلة وراثيًّا، وانفلات أجهزة من صنع الإنسان وهندسة وراثية تغير طبيعة البشر. كل هذا يتم بتدبير من “أشرار” أو نتيجة خطأ بشري. غير أنَّ العام 2020 سيكون عام الخطأ البيولوجي الذي يتسبب بمقتل مليون إنسان”، بعد أن يتم توظيفه في صراعات سياسية واقتصادية.

ولم ينس أن يشير إلى أنَّ هناك دولا دول عدة كأمريكا والعراق وجنوب إفريقيا كانت ولسنين طويلة تنفذ برامج وأبحاثا سرية لإنشاء أسلحة كيماوية وبيولوجية، وكيفية نشر الجراثيم المميتة، وقد حذا الاتحاد السوفيتي ذات الحذو، حينما حشد علماءه لإنشاء أسلحة بيولوجية جرثومية.

يعقد “مارتن” مقارنة بين الأسلحة البيولوجية والأسلحة النووية، ويقول نعم إنَّ الأخيرة ورغم أنّها بالغة التعقيد والتكاليف من ناحية المال والتكنولوجيا؛ إلا أنّ خطورتها لا تكاد شيئا يذكر عند مقارنتها بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وتكمُن الخطورة في سهولة إتاحتها وقدرتها على سرعة التفشي وقتل مئات الآلاف في لحظات، هذا بجانب أنّها رخيصة التكاليف ومتوفرة، ويمكن الحصول عليها بأقل تكنولوجيا؛ إذ بإمكان مجموعة أو أفراد قلائل صنع سلاح بيولوجي كـ”الجمرة الخبيثة” مثلا في زمن وجيز وبأجهزة متواضعة يمكن الحصول عليها في معامل المستشفيات ومعاهد الأبحاث الزراعية ومصانع المبيدات والأسمدة والبتروكيماويات، بعكس السلاح النووي الذي يحتاج معامل متقدمة وأجهزة طرد مركزيّة متطورة ويورانيوم مخصَّباً وأجهزة معقدة. ولعلّ الحُكم بالسجن عشر سنوات على أحد المتطرفين الإسلاميين الأسبوع الماضي في ألمانيا لقيامه بتصنيع قنبلة تحتوي على ماد “الريسين” البيولوجية شديدة السمية؛ يقف شاهدا على سهولة تصنيع وتوافر هذه الأسلحة البيولوجية.

كما أن التاريخ زاخر بشواهد استخدام الدول للأسلحة الكيماوية والبيولوجية، سواء للدفاع عن نفسها في وجه القوى العظمى، أو لكبح تمردات الجماعات والثورات الداخلية. ويقال إنَّ أول من استخدم الحرب البيولوجية هم اليونانيون؛ وذلك عندما قاموا بتسميم منابع مدينة “كيرا” بنبتة سامة عام 600 قبل الميلاد. كما تقول كتب التاريخ أيضا إنّ “التتار” حين طال عليهم الأمد في حصار مدينة “كرايمن” الروسية ألقوا أجساد ضحايا الطاعون عبر سور المدينة لنشر الوباء وإجبار المدينة على الاستسلام. وفي رواية “أطياف هنري ولكم” للقاص السوداني مهند رجب الدابي طيف من هذا؛ حين وظّف سرديًا التهمة التاريخية القائلة بأنّ المحتلين البريطانيين والحكومة الأمريكية بعدهم تعمدا إبادة الهنود الحمر -السكان الأصليين- بفيروس الجدري المميت؛ من خلال تزويد مجتمعاتهم ببضائع ملوثة بهذا المرض.

وهناك أيضًا الاتهامات الموجهة لنظام الأسد في سوريا باستخدامه أسلحة كيماوية في ريف دمشق. وكذلك اتهام صدام حسين باستخدام غاز “السارين” في الحرب العراقية-الإيرانية، ثمّ أحداث بلدة حلبجة الكردية العراقية، فقد ذكر “دي بريتون جوردون” الرئيس التنفيذي لشركة Secure Bioالمتخصصة في المواد الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية؛ أنَّ التربة والمقابر الجماعية في حلبجة تثبت أنَّ الأكراد تعرضوا لهجوم كيمياوي.

كلا السلاحين عند “مارتن ريز” يسبب أزمة؛ وحتى لو فرضت الدول والمنظمات العالمية قيودًا وقوانين صارمة على الأسلحة النووية والبيولوجية والفيروسية فإنّ خرقا واحدا بإمكانه أن يشعل الفتيل ويسبب كارثة عالمية لا يحمد عقباها؛ فالواقع يقول إنّه لا يمكن التخلص أبدًا من هذه المخاطر طالما كان في مجتمعاتنا أفراد ساخطون أو متوحشون.

يضع مارتن نسبة احتمال كبيرة بأن تهلك البشريّة على يد العلماء في المستقبل أكثر من فنائها على يد السياسيين. ويقول: “لقد أصبح العلم مصدر قلق بعد أن كان مصدر أمان للإنسان. وهذا يؤكد ما نقوله دائما من أنّ العلم بلا ضمير بلا قيم، بلا دين، قد يصبح أداة للموت والفناء وتعذيب البشر”.

نعم.. ستقدم لنا علوم القرن الحادي والعشرين توقعات مشرقة، ولكن ستكون لها أيضا جوانب مظلمة، فوضع قيود أخلاقية على البحث العلمي أو التخلي عن التكنولوجيات التي فيها تهديد من وجهة نظر “مارتن” شبه مستحيلة ومن الصعوبة بمكان؛ حيث يقول إنّ الأبحاث والعلوم في القرن الجديد يمكن أن تؤدي إلى اكتشافات جديدة فيما يتعلق بالبيولوجيا والتكنولوجيا الحيوية كما في الهندسة الوراثية واستنساخ البشر؛ لكن ساعات الإنسان الأخيرة ربما تكون عن طريق هذه المعرفة القاتلة التي تقود إلى تدمير طبيعة الأشياء وحقيقتها؛ وليس مستغربا أنّ نرى في المستقبل القريب خروفا بحجم فيل بسبب اللعب في جيناته وهندسته الوراثية، أو سمكة بحجم حوت، أو ربما طماطم بحجم حبة البطيخ أو على شكل مثلثات وقلوب وأشكال هندسية أخرى.

ناقش كتاب “ساعتنا الأخيرة” لـ”مارتن ريز” بضعة عشر موضوعا تمحورت جُلها حول صدمة التكنولوجيا، والمخاطر البشرية والطبيعية التي تهدد كوكب الأرض، بجانب مصير العلم والفلسفة، والسيناريوهات التي يمكن أن يتيحها العلم والتكنولوجيا، وما يصاحبهما من مزايا ومخاطر.

فهل فعلا يمكن أن تكون المعرفة القاتلة أو الإرهاب البيولوجي سببًا في فناء الكون كما تكهّن “مارتن”؟ وهل يمكن أن تكون صحة الاتهامات المتبادلة بين الصين وأمريكا هي الحقيقة الغائبة وراء فيروس كورونا، وفيروسات المستقبل القادمة؟

محمد علي العوض
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق