مقالات وآراء

أغنية مدنية حرية وسلام: تعقيب على القدال

عندما يدفع صاحب العمل الفني بعمله إلى الناس يصبح، بالطبع، العمل وصاحبه شأناً عاماً، مثله مثل كل من يشغله عمله ويدخله في دائرة الشأن العام، سياسياً كان أو رياضياً أو معلماً، الخ. وللشأن العام مستحقاته ومن ضمنها وعلى رأسها نقد ما هو مطروح. والنقد الفني بخواصه وتاريخه تجاوز، كما هو معلوم، المعنى اللغوي المباشر لكلمة نقد بمعنى تبيان النواقص وأكسبها صفحتين تُراوح بينهما في ما للعمل الفني وما عليه، كخطاب له حيثياته ومنطقه. وكل ما تستثيره أعمال النقد من جدل يصبح مادة معرفية تغذي مداركنا للتطور الجاري في النوع الفني المعني.

في هذا الإطار نرى الفائدة في نقد الشاعر محمد طه القدال لأغنية “مدنية حرية وسلام” للمغني أحمد أمين ونظم الشاعر بشرى البطانة، والمنشورة في صحيفة الراكوبة الإلكترونية بتاريخ 31-3-2020. في نص القدال تبدو صفة منائحي/باكي، في ما أرى، صفة محورية تفرع منها ورجع إليها ما قرأه وفسره في متن القصيدة وما سمعه وتذوقه في أداء المغني، وبدا أن جانباً أكبر من كلمات ومضامين القصيدة تضافر مع لونية أداء المغني وطابع صوته وأضفوا على الأغنية صفة المناحة. ومن ناحية أخرى، إنتقال النص إلى أغنية وأداء كعمل مطروح للمستمع بشكل مباشر يرمي بثقل صفة مناحة على عاتق هذا المغني.

أجدني، كمستمع، أقرب إلى ما ذهب إليه القدال. وعلى المرء، كمتلقي لعمل فني كالأغنية، أن يركن إلى سمعه، ومثلما “عينك سِرّك” في تقييمك لما تراه كما جاء في أمثالنا فكذلك “أضانك سِرّك” في تقييمك لما تسمعه، فهي مستودع خبرتك على كل حال وكسبك من سماع الغناء السوداني، مع إختلاف الأذواق والمشارب.كما أن ما حدث في إحتفال لجان البراري بمرور مائة يوم على شهداء مذبحة الإعتصام أمام القيادة العامة للجيش يؤيد تقييم سماعي لأداء الأغنية موضوعنا وكذلك ما توصل إليه صديقنا القدال في تقييمه لها، وسأرجع لهذه النقطة لاحقاً. لكن لنذهب في سياحة قصيرة نطل فيها على أمثلة من تاريخنا للمقارنة في ضوء المناحة كجنس أدبي وغنائي في موروثنا.

فالسياق الذي جرت فيه هذه الأغنية هو هذه الكارثة الوطنية متمثلة في مذبحة الإعتصام. وتاريخنا القديم والحديث والمعاصر يشهد بالمذابح، بعضها إرتكبها الغازي المستعمر وبعضها إرتكبها جيشنا الوطني وبعضها مذابح جرت بين القبائل والجماعات، والسجل الشعبي للقصيد المنائحي عامر كذلك بسير الأشخاص والأبطال الذين إستشهدوا في المذابح أوالمعارك.

وهناك عل الأقل مناحتين أضحيا أغنيتين سائرتين في إعلامنا تغنى بهما كبار الفنانون وصغارهم، وهما “حليل موسى” و”الواعي ما بْوصّو”. مناحة/أغنية حليل موسى مسجلة في برنامج ربوع السودان منذ أوائل الستينيات بصوت سيّدة عادةً لا يذكر المذيع إسمها، وكل من غناها، ومنهم الكابلي، غناها بنفس لحن تلك السيدة، وهي تدور حول إستشهاد الفارس موسى أبحجل في معركة وادي الكربكان أمام الجيش الإنجليزي.

وتبدأ هذه الأغنية/المناحة ب”حليل موسى يا حليل موسى، حليل موسى للرجال خوسى”. وكلمة حليل في العربي السوداني لها عدة معاني حسب السياق،فهي تستدعي التاريخ والذكرى أو التشوّقوالحنين أو الشفقة أو المغادرة والتحسر على الفراق، وإن كان المعنى هنا مقصود به الفقد والتحسر لكنه مقرون مباشرةً بمناقب الفارس. ومناحة/أغنية “الواعي ما بْوصّو” التي يؤديها بادي محمد الطيب نظمتها بت مسيمس لعبدالقادر ودحبوبة تعدد أيضاً مناقبه وتصف شجاعته لحظة إعدامه. في هاتين المناحتين يبدو ميزان المناقب أثقل من توصيف الفقد، وإستدرار الدمع تعترضه نوع المفردة ومتانة صور المناقب، وحتى مناحة أخته رقية له، وهي المعاصرة للحظة إعدامه، ختمت نظمها بأبيات تحبس الدمعة في مرقدها إذ تقول: جابوكْ للشنِق لا كلّيتَلا ملّيتْ، تسلم يا عشاي إتفرّشتَ واتغتّيتْ، يا مُقنَعْ وليّاتو.

وهذه مناحات/أغاني في شأن أفراد، ولم أصادف – وربما صادف آخرون – مثلها في شأن مذابح أو معارك سار بها المغنون في إعلامنا، وحتى مذبحة كرري (في علم الحروب) تحولت إلى بطولة وصمود في أدبنا وأغانينا. أما فض الإعتصام فكان حدثاً نوعياً في تاريخ المذابح من حيث فرادة مسرح الحدث وتوقيته وأدواته وشمول ضحاياه من الجنسين ومن كل الأعمار ومن كل أطياف الشعب السوداني.

لكن تحول الفن السوداني في كل أنواعه إلى طاقة معنوية هائلة ودعامة إرتكاز وصمود، وبرزت وأبدعت أصوات وأجناس في الأغنية غير مسبوقة، وجادت علينا معارك الشابات والشباب مع العسكر بقاموس نضير من لغة الرمز والإصطلاح، وإستقر في دارج لغتنا وغنائنا لفظ كنداكة بمعنى الجرأة والإقدام.

هذه الثورة وحدثها الأكبر فض الإعتصام وشهدائه كرست تجربة فنية جديدة وأوجدت معياراً سماعياً لأغنية الثورة فخلقت ذوقاً جمالياً يتحسّب “القوة” في كل تعبير فني، في المفردة والنغمة والأداء، وهذا دأب كل الثورات.

من هنا تجري مقايسة أغنية أحمد أمين، وكل أغنية للثورة، في مفرداتها ولحنها وأدائها، في ضوء هذا المعيار. ويبدو أن طابع الأداء وطبيعة صوت المغني هما ما إسترعيا إنتباه بعض منظمي الفعاليات وذوقهم، وربما إختاروها بدافع الإعتقاد بأن فيها دفقاً عاطفياً يلامس وجدان المستمع كما حدث في فعالية لجان البراري في ذكرى شهداء مذبحة الإعتصام.

يمكن القول أن في تنغيم صوت المغني طعماً أنثوياً يضع الأذن في منزلة بين المنزلتين،( بالطبع في تجربة الفنان عبدالمولى زنقار مثلاً لا يصادف المستمع مثل هذا الموقف، فإنتحال الصوت الأنثوي واضح ومقصود، وقد أجاد زنقار فيه مثلما أجاد في صوته الأصلي)،

كما أننا لسنا هنا بصدد البحثتحديداً في صوت المغني أحمد أمين وهل هي طبيعته أم لا، لكننا بأزاء موقف نقدي من عمل فني معطى كما هو للمستمعين.وخلاصة القول، لقد واجهت الأغنية وأدائها إختباراً صعباً في هذه الفعالية ولم تنجح في الإختبار، خاصةً وقد إجتمع في المكان أسر الشهداء وأصدقائهم وزملائهم.

فقد تضافرت عناصر اللحن والأداء والمفردة وأسهمت في إسترداد صور المذبحة وبشاعتها في خيال هذا الجمع وجرحه الغائر، فهاجت العواطف وانفرطت.

ذلك أن هذهالأغنية/المناحة تفتقد تلك اللغة وذلك التوازن المتوارث فيها بين إستدعاء الحدث المؤلم وإبراز القيم والمناقب في تزامن مدروس في مجرى القصيدة حتى لا تتحول إلى محض بكاء، كما تفتقد تماماً قوة اللحن وطابع الإنشاد الثوري الذي أورثته في أغنيتنا الوطنيةحناجر فخمة لفنانين عظام. وهكذا، بدلاً من أن تشد من أزر الحضور حولت اللقاء إلى بكاء ومحاضنة.
د. محمد عبدالرحمن أبوسبيب

‫4 تعليقات

  1. لقد ظلمت الرجل إنه إجتهد في زمن حرج و أخرج عملا فنيا يعبر عن الغدر والخيانة وكان عمل فني حزين وجد القبول لدي فئة واسعة من الشباب والكبار علي حد سواء وكان يتناسب مع الحدث واحمد لم يكن صوته انثويا بل أدي اداء رائع يعبر عن الموقف الحزين الذي تعرض له الثوار في شهر رمضان . هذا الاداء قد يجد النقد اللاذع و يكون غريبا علي الذين حصروا انفسهم مع الفن والنقد ما قبل الثمانينات ولكنه يجد القبول مع مستمعي الفن الحديث والفن متجدد تجدد الصناعة والتكنولوجيا . و لو كان الفكر ثابت لما وصل الانسان إلي عصر العولمة فلا تحصر الناس في القديم.

    1. وجه النقد للقصيدة، ولا اتحدث هنا عن اداء المغني، ان الناس تنتظر في مثل هذه الظروف عملا فنيا يعيد اليهم الثقة بانفسهم وقدرتهم علي معاودة الكرة، يشحذ الهمة ويعبيء الناس بالحماس الثوري. للاسف القصيدة اتجهت الي تعميق الاحساس بالفاجعة والاستغراق في ذلك، بدلا عن العمل علي انتشال الناس من تداعيات المجزرة النفسية ومساعدتهم علي النهوض ومواصلة المشوار.
      ربما السبب في ميل الكثيرين للاغنية هو نزوع متاصل في السودانين الي الاستغراق قي الحزن وربما التلذذ المرضي بهذه الحالة عوضا عن التفكير الموضوعي الذي يسعي الي تجاوز الموقف واعادة ترتيب الصفوف للكر من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى