أخبار السودان

الحرب تدفع أطفال في دارفور لـ “سوق العمل”

تزايد أعدادهم من دون إحصائية رسمية

الظروف المعيشية والأوضاع الصعبة وراء التسرب من المدارس
صغار يمضون يومهم في مهن لا تتناسب مع أعمارهم
مجلس الطفولة بجنوب دارفور يرتب للقيام بمسح شامل
خبراء: دوافع عمالة الأطفال بدارفور مربوطة بالصراع المسلح

تحقيق: عيسى دفع الله

يبدو أن عيون الأطفال في دارفور ذاقت الهزيمة؛ بعد أوضاعهم المأساوية التي يعيشونها اليوم، والتي أجبرت أسرهم للزج بهم في سوق العمل؛ بسبب ظروفهم المعيشية المتردية بفعل الحرب التي عكست تداعياتها عليهم، مما ترتب عن عجز أسري في الإيفاء بالتزامات من إعالة وتعليم وصحة، فمن أين لهم بتكاليف رسوم المدارس الباهظة؛ وقفّة العيش التي باتت حلما لأرباب الأسر.
واقع اجتماعي مُعقد؛ يصعب فك شفراته من دون البحث عميقاً في مسبباته والعوامل المساهمة في تشكيله بصورته الحالية، بجانب دور الدولة والجهات الفاعلة في المجال.
(المواكب) طافت مدن دارفور، وأجرت تحقيقا استقصائيا يسبر أغوار الأزمة، استنطقت فيه الأطفال وأسرهم، بجانب بعض المختصين في المجال؛ للوقوف حول أسباب ومسببات واقعهم الحالي، والطرق المثلى لإيجاد حلول تساهم في إزاحته؛ تطلعون عليه من خلال السطور التالية:

عمالة الأطفال
عمالة الأطفال تشير إلى استغلالهم في أي شكل من أشكال العمل؛ بما يحرمهم من طفولتهم، ويعيق قدرتهم على الذهاب إلى المدرسة، ويؤثر تأثيرا ضارا عقليا أو جسديا أو اجتماعيا أو معنويا.
و هذا الاستغلال محظور بموجب التشريعات في جميع أنحاء العالم، على الرغم من أن هذه القوانين لا تسري على جميع أنواع عمالة الأطفال، وتشمل الاستثناءات عمل الأطفال بالفن، والواجبات العائلية، والتدريب الخاضع للإشراف.

براءة الطفولة
حسن عثمان طفل يافع يبلغ من العمر (13) عاما يخرج عند الصباح الباكر من المنزل ولا يعود إليه إلا ليلا، يبدأ يومه بالبئر؛ بعد أن يحزم أمتعته ويتوجه صوبها ليجلب الماء برفقة (كارو الحمار)، ومن ثم يبيعه داخل أحياء نيالا ليحصل علي بعض المال يعول به أسرته.
عثمان يمضي يومه في مهنة لا تناسب عمره مع معاناة ترتسم علي ملامح وجهه البائس، آخذاً منه براءة الطفولة مع أشعة الشمس الحارقة، ومشقة رفع جركانات الماء، وجدته يعاني سيما مع عمره الصغير وتأثير التعب يبدو ظاهراً في صحته وبنيته الجسمانية النحيلة.
تجارب الحياة واختلاطه مع عامة الناس جعلت منه طفاً يتمتع بوعي وثقافة عالية إن أكمل تعليمه يمكن أن يكون له شأن في المجتمع.

يقول حسن عثمان لـ(المواكب) التي التقته في آبار وادي نيالا: إنه ترك المدرسة مبكرا بعد أن فقد الأمل في مواصلة الدراسة بفعل الظروف التي تعيشها أسرته بعد وفاة والده، ولم يجد جهة ترعاه لإتمام دراسته ورعاية الأسرة التي وجدت نفسها مجبرة للدفع به حتى يساهم في تلبية احتياجتها.
وتحسر عثمان على واقع الحياة الذي يعيشونه رفقة رصفائه الذين اضطروا للمضي في طريق العمل؛ وترك التعليم، وحول عودته للمدرسة حال تيسر الحال يقول إنه يمكن أن يعود ويكمل تعليمه في بيئة سليمة ومعافاة، بينما تقول والدته حواء آدم بعد أن زارها محرر (المواكب) في منزلها بحي الجير شمال: إن الوضع الذي تعيشه سيء مع ظروف الحياة الضاغطة وغلاء العيشة؛ وليس أمامها حل سوى الدفع بابنها الوحيد الذي يتوسط ثلاث شقيقات، يكبرنه للعمل لتوفير رسوم المدارس لهن ومصروفاتهن.
وتمضي حواء بقولها إنها دفعت بمحمد للسوق؛ لأنه راجل رغم صغر سنه، معتقدة عدم جدوى التعليم في الوقت الراهن لأنها ترى أن نسبة العطالة من الخريجين كبيرة؛ لذلك رأت بأنه أفضل لابنها أن ينخرط في سوق العمل ويتدرج ويفهم السوق، حسب زعمها.

ظواهر هدامة
في سوق المواشي بمدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور يمتهن عدد كبير من الأطفال مهنا هامشية.
ومع مرور الوقت يطرأ عليهم واقع السوق، ومافيه من أطفال مشردين يتأثرون بهم وينخرطون في عالمهم المليء بالظواهر الهادمة للمجتمع.
ومن بين هؤلاء الأطفال سعيد حسين (13) سنة، الذي لم يكن واقعه سعيداً، كما اسمه، بحيث يقضي جل يومه حاملا حقيبة (الورنيش) ويسعى بين الناس منظفاً للأحذية ليجني في نهاية اليوم بضعة جنيهات هي بالكاد تكفي قوت يومه.
و يسرد سعيد لـ(المواكب) تفاصيل يومه الروتيني المشابهة لحياة البؤساء دون أي أمل في أن ينعدل الحال المايل.
ويضيف؛ أن الظروف التي أجبرته على العمل هي لإعالة نفسه فقط ، بعد الحرمان الذي عاشه في معسكر (ابوشوك) على تخوم الفاشر، ولا يعرف أي شيء عن قريته التي نزحت أسرته منها، فهو ولد في المعسكر.
ويضيف؛ إن الأسرة غير مهتمة به؛ لذلك قرر بمعاونة بعض أصدقائه الأكبر منه سنا قبل ثلاثة أعوام؛ الدخول في سوق العمل ليعيش حياة مرفهة، كما تبدو له؛ ينام مع أصدقائه الذين جاء بعضهم يتعاطون (السلسيون) في الدكاكين المهجورة، وبعض المظلات ليعود كل بضعة شهور الى المعسكر لزيارة أسرته.

تفكك أسري

أمين المجلس القومي لرعاية الطفولة بجنوب دارفور نجاة الخمجان، أرجعت ظاهرة عمالة الأطفال للتفكك الأسري الناجم عن ظروف الحرب التي عمت دارفور في السنوات الماضية؛ وماترتب عليها من نزوح ولجوء، أدى إلى زيادة في التسرب المدرسي والحروبات والنزوح واللجوء ووجود أطفال منفصلين؛ وغير مصطحبين؛ كل ذلك يزيد من نسبة عمالة الأطفال. وأضافت : رغم استتباب الأمن إلا أنها مازالت في تزايد مستمر، وأقرت الخمجان في حديثها لـ(المواكب) بعدم وجود إحصائيات دقيقة تحصرعدد الأطفال الذين يمتهنون المهن المختلفة في سوق العمل بدارفور.
بيد أنها أكدت بقولها: أعدادهم كبيرة وفي تزايد، وأشارت إلى أن المجلس في اتجاه أن يقوم بمسح شامل يمكن من خلاله تبيان الأرقام التي بدورها تساعد في وضع السياسات والمعالجات اللازمة.
الى جانب أسباب أخرى أدت إلى تفاقم مشكلة عمالة الأطفال، منها الوضع الاقتصادي المتدهور بالبلاد؛ لأن هناك أطفال يأتون إلى نيالا من الولايات الأخرى، وأيضا التصدع والتفكك الأسرى؛ حيث يعتبر الأطفال مصدرا رئيسا لدخل الأسرة؛ علاوة على تفضيل أصحاب العمل لتشغيل الأطفال لانخفاض أجورهم ولايستطيعون المطالبة بحقوقهم، ولفتت الخمجان الى أن عمل الأطفال يتعارض بصورة أساسية مع حق الطفل في التعليم، كما يعرض الأطفال إلى انتهاكات خطيرة صحية ونفسية؛ ويصبحون عرضة للإساءة والعنف البدني والاستغلال بجميع صوره.

الصراع المسلح

ظروف الحرب في دارفور ترتب عليها إفرازات اجتماعية واقتصادية ظهرت في السنوات الأخيرة، وأثرت سلباً على شريحة الأطفال.

و في هذا الصدد أرجع الباحث الاجتماعي بولاية شمال دارفور؛ الغالي بوش، دوافع عمالة الأطفال في دارفور الى دوافع اقتصادية وسياسية ربطها بالصراع المسلح الذي يحدث في البلاد؛ والذي قال بأنه ولّد كتلة كبيرة جداً من النازحين داخلياً، بعد أن انقطعت عنهم مصادر الدخل والرزق التي كانوا يملكونها في مناطقهم التي نزحوا منها الى جانب التسرب المدرسي الذي ربطه بتحويل العملية التعليمية لسلعة باتت حكراً على الأغنياء بعد اتجاههم للتعليم الخاص؛ وإهمال التعليم الحكومي؛ بجانب أسباب اجتماعية تدفع الأطفال للعمالة؛ وذلك بعد فقد السند والأمان الاجتماعي.

وحول الحلول والمعالجات للظاهرة؛ رأى بوش في حديثه لـ(المواكب)؛ بأنها تحتاج لمعالجة جذرية من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية من خلال صناعة السلام وتوفير فرص عمل لأسر الأطفال.
ورفض بوش الاعتماد على الحلول القانونية فقط لجهة أنها لا تجد حظها من الرقابة والتطبيق علاوة لارتباطها بالبعد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

تعليم إلزامي
قال الباحث الاجتماعي محمد جمعة بابكر إن ظاهرة تشغيل الأطفال تعرّف بأنها عمل الأطفال دون سن 18 سنة سواءً كان العمل إجباريا أو طواعية من الطفل نفسه، ولفت جمعة في حديثه لـ(المواكب) الى أن الوضع الطبيعي للطفل في هذا العمر مكانه المدرسة لتلقي التعليم، لافتا الى أن تشغيل الأطفال يتنافى تماماً مع الأعراف والقوانين الدولية فضلاً عن التشريعات الداخلية للدولة، ونجد أن الأطفال يمتهنون مهناً هامشية تسد رمقهم وأسرهم بولايات السودان المختلفة مثل باعة: متجولين حمّالين ماسحي أحذية سائقي عربات النقل اليدوية (الدرداقة)، معتبراً ذلك خرقاً صريحا لقانون الطفل السوداني فضلاً عن البُعد الأخلاقي للجريمة، ولفت جمعة الى أنه في العام 2018 حدثت ضجة كبرى عندما قام والي ولاية جنوب دارفور آدم الفكي في العهد البائد؛ وذلك عندما أصدر قرارا بإعفاء الأطفال العاملين من الرسوم الدراسية؛ نظير دفع تبرعاتهم من أجل المساهمة في إنجاح الدورة المدرسية التي استضافتها الولاية آنذاك، في بادرة تعتبر سقوطاً أخلاقيا وقيمياً يضاف إلى سجل الإخوان المسلمين الإجرامي، في حين أن مسؤولية الوالي هي توفير التعليم المجاني لهؤلاء الصغار؛ مع العلم بأن الطفولة مرحلة من مراحل نمو الإنسان لابد أن تتسم بالعناية والتهذيب وليس الشقاء والإذلال. وأضاف جمعة: صحيح أن مسؤولية التصدي لهذه الظاهرة هي مسؤولية تضامنية بين المؤسسات المجتمعية والمنظمات؛ إلا أن العبء الأكبر يقع على عاتق الحكومة؛ وذلك بتفعيل وتطبيق القوانين الرادعة التي من شأنها التقليل من الظاهرة، وأرجع جمعة أسباب ظاهرة تشغيل الأطفال الى الوضع المالي للأسرة، والذي يؤدي بدوره الى حاجة الطفل للمال، وبالتالي يترك الدراسة وينخرط في العمل؛ مما يؤدي الى التفكك الأسري الذي ربطه بالحروب، ومقتل الآباء أو النزوح والتشريد في أفضل الأحوال؛ الى جانب العادات والتقاليد عند بعض القبائل، والمجموعات. وقدم جمعة حزمة معالجات يمكن من خلالها علاج الظاهرة؛ وذلك بتحسين الوضع المالي للأسر الفقيرة بإيقاف الحروب؛ فضلاً عن مجانية التعليم، واعتبر جمعة أن الأطفال هم ثروة البلاد ومستقبلها الزاهر، وهو ما يحتم ضرورة مراعاة تنشئتهم في بيئة صالحة تسمح لهم بالنمو الطبيعي بعيدا عن أجواء القهر والحرمان والمعاناة والذلة والإهانة، وهو الأمر الذي يجب أن يكون ضمن أولويات أي حكومة راشدة.

تفاقم الظاهرة
الباحث الاجتماعي بخيت الطاهر؛ أشار في معرض رده على سؤال حول انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في دارفور، الى أنها مرتبطة وثيقاً بإفرازات حرب دارفور وتداعياتها التي أثرت سلباً على شريحة النازحين، ودفعت بأطفالها لسوق العمل؛ الى جانب الظروف المجتمعية المترتبة على الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد؛ فضلاً عن شيوع الظاهرة على عموم الدول الفقيرة، وليست قاصرة على البلاد وحدها. وأرجع الطاهر مسبباتها الى الأوضاع الاقتصادية الخانقة وما تؤدي إليه من بطالة وضعف في مداخيل الأسر، بجانب أسباب عديدة أخرى؛ من بينها الحروب التي من أهم إفرازاتها مقتل الآباء وتشريد العديد من الأسر من مأوى عيشهم، وأشار الطاهر – في إفادته لـ(المواكب) – الى أن جميع الأسباب التي تدفع بالأطفال للعمل في دارفور موجودة؛ مما يؤدي بالضرورة إلى تفاقم الظاهرة وانتشارها بصورة أسرع وأوسع مما يُخيل، وحذر الطاهر من مغبة التهاون في مكافحة الظاهرة وضرورة وضع حلول جذرية لها؛ ويجب أن لا يكون إغفال دور الدولة الرسمي مبرراً لهذا النوع من عدم الاكتراث واللامبالاة التي تتسم بها سياسات الحكومة تجاه عمالة الأطفال.

تفكك أسري
أمين المجلس القومي لرعاية الطفولة بجنوب دارفور؛ نجاة الخمجان، أرجعت ظاهرة عمالة الأطفال للتفكك الأسري الناجم عن ظروف الحرب التي عمت دارفور في السنوات الماضية وماترتب عليها من نزوح ولجوء؛ والذي يؤدي إلى زيادة في التسرب المدرسي والحروبات والنزوح واللجوء ووجود أطفال منفصلين وغير مصطحبين؛ كل ذلك يزيد من نسبة عمالة الأطفال، وأضافت : رغم استتباب الأمن إلا أنها مازالت في تزايد مستمر. وأقرت الخمجان في حديثها لـ(المواكب)؛ بعدم وجود إحصائيات دقيقة تحصرعدد الأطفال الذين يمتهنون المهن المختلفة في سوق العمل بدارفور، بيد أنها أكدت بقولها: أعدادهم كبيرة وفي تزايد، وأشارت الى أن المجلس في اتجاه أن يقوم بمسح شامل يمكن من خلاله تبيان الأرقام التي بدورها تساعد في وضع السياسات والمعالجات اللازمة.

الى جانب أسباب أخرى أدت إلى تفاقم مشكلة عمالة الأطفال منها الوضع الاقتصادى المتدهور بالبلاد؛ لأن هناك أطفال يأتون إلى نيالا من الولايات الأخرى، وأيضا التصدع والتفكك الأسري؛ حيث يعتبر الأطفال مصدرا رئيسا لدخل الأسرة علاوة على تفضيل أصحاب العمل لتشغيل الأطفال لانخفاض أجورهم ولايستطيعون المطالبة بحقوقهم. ولفتت الخمجان الى أن عمل الأطفال يتعارض بصورة أساسية مع حق الطفل في التعليم؛ كما يعرض الأطفال إلى انتهاكات خطيرة صحية ونفسية ويصبحون عرضة للإساءة والعنف البدني والاستغلال بجميع صوره.

تقارير المجلس
بينما تشير التقارير الصادرة عن المجلس القومي لرعاية الطفولة؛ أن 33 في المئة من الأطفال دون سن الرابعة عشر يمارسون مهناً مختلفة، وهو الأمر الذي يُعد انتهاكاً ومخالفة واضحة لقانون رعاية الطفل فضلا عن آلاف التلاميذ الذين يضطرون إلى ترك مقاعد الدراسة والانصراف للعمل بسبب ضعف الإمكانات المادية، في مخالفة أخرى لقانون الطفل الصادر في العام 2010، الذي يلزم الدولة بتوفير الإمكانيات لإتاحة فرص التعلـيم الأساسـي الإلزامي بالمجان، ويوضح المجلس القومي أن ثلاثة أطفال يلقون حتفهم يومياً في الطرقات بسبب عمالة الأطفال، إذ أن أعداداً كبيرة منهم تعمل في بيع البضائع عند التقاطعات المرورية.

المواكب

تعليق واحد

  1. مافي داعي للكلام الكتير ديل اول من يهتم بهم ويكون لهم صندوق لدعمهم وتطويرهم ويستقطع من خدمات الظولة ومرافقها لهم مبالغ لدعمهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق