أخبار السودان

الإصلاحات الإقتصادية فى السودان قصة بطلها رفع الدعم

د. عبدالحليم عيسى تيمان

مقدمة:
بعد سقوط النظام البائد وجدت الحكومة نفسها أمام تحديات إقتصادية جسيمة تمثلت في إنهيار الصناعة والتجارة ومعظم القطاعات الإقتصادية بسبب الحصار الإقتصادي

موازنة 2020:

هدفت موازنة 2020 الى إصلاح مؤسسي وتثبيت الإقتصاد الكلي وخفض التضخم وإستقرار سعر الصرف ورفع معدل النمو والتنمية وخفض حدة الفقر، حملت الموازنة بشريات منها مضاعفة الصرف على التعليم وتوفير وجبة مدرسية مجانية في المدارس الحكومية ومجانية التعليم في مرحلة الأساس في المدارس الحكومية ومجانية العلاج في المستشفيات الحكومية وزيادة المرتبات حتى 100% في بعض الأحيان، وتوفير أكثر من 250 الف وظيفة للشباب وبرنامج إجتماعي لدعم الأسر الفقيرة بواقع 1500جنية شهرياً لعدد 4 و نصف مليون أسرة وتطوير برنامج الدخل الأساسي بالإضافة إلى إدخال مليون أسرة في التأمين الصحي وتقديم الكفالة النقدية لعدد 200 الف طالب جامعي.

و أقر مبدأ التمييز الإيجابي للولايات المتأثرة بالحروب وذلك بتحصيل 7% لهذه الولايات شملت إنشاء صندوق للتنمية والإعمار الذي سيوجه للولايات المتأثرة بالنزاعات مع تخصيص مبلغ مليار جنيه للدمج والتسريح قابل للزيادة من أجل حفظ السلام.

هذه الميزانية إنحازت للفقراء وهدفها تحقيق العدالة الإجتماعية وهي تعبر تماماَ عن مقاصد الثورة (حرية ، سلام وعدالة).
بعد صدور الميزانية كلَف المجلس القيادي المركزي لقوى الحرية والتغيير لجنة من الخبراء الإقتصاديين لدراسة موجهات ميزانية 2020 وذلك في ديسمبر2019 ورفعت ملاحظاتها وكان أهمها رفض عملية رفع الدعم التدريجي كما ورد في موجهات الموازنة. ولاحقاً تمت إجازة الميزانية بواسطة المجلس التشريعي المؤقت (مجلس السيادة والوزراء) بحضور قوى الحرية والتغيير مع تأجيل رفع الدعم حتى قيام المؤتمر الإقتصادي.

وبسبب عدم التوافق تم تأجيل البشريات المذكوره لأنها تعتمد علي توفير الأموال من عملية رفع الدعم . و تتحمل لجنة الخبراء مسئولية تعطيل الميزانية التي كانت مجهزة وفق خطة مترابطة . وكذلك تتحمل الحكومة المسئولية لرضوخها للضغوط التي مارستها لجنة الخبراء. كما أن عدم التوافق بين أعضاء اللجنة مع تحكم بعض الأعضاء في قرارات اللجنة تسببت فى ضعف أداء اللجنة.

وليس صحيحاً ما يقوله بعض أعضاء اللجنة عن قرار رفع الدعم عن الوقود بأنها خطة صندوق النقد الدولي والصحيح أن الهدف واضح ويهدف إلى سد عجز الموازنة من أجل تعزيز النمو والحد من البطالة وزيادة إحتياطات النقد الأجنبي وتحسين وضع الدين العام .علما بأن صندوق النقد الدولي لا يتدخل فى شؤون أيَ دولة إلاَ بطلب من الدولة المعنية.

يتحدث بعض أعضاء لجنة الخبراء لقوى الحرية والتغيير عن بدائل لسد العجز فى الموازنة لكن جميع هذه البدائل تصلح كإصلاحات مالية لازمة لدعم إستقرار الإقتصاد علي المدى الطويل نذكر منها ( الإصلاح الضريبي وتجريم التجنيب وسيطرة الدولة علي الذهب و إنشاء بورصات للذهب والمحاصيل …إلخ).
وكان من المقرر أن تساهم برامج الحماية التي تضمنتها بشريات الموازنة إلى تخفيف أثر عملية الإصلاح على الشرائح الضعيفة وحسب البرنامج سيتم توجيه نسبة من الوفر المحقق فى المالية العامة إلى زيادة الرواتب وتحسين الخدمات فى الصحة والتعليم والدعم النقدي وتقديم الوجبات المدرسية ومجانية الصحة والتعليم كبديل لدعم الطاقة غيرالموجه بدقة إلى المستحقين.

ماهو الدعم:

من الواضح أن أغلب الدعم في السودان يتركز حول الدعم غير المباشر والذي تقدمه الحكومة لبعض الفئات في المجتمع ويشمل ذلك المنتجات البترولية من بنزين وغاز وجازولين والكهرباء بالإضافة إلى بعض السلع مثل الدقيق والأدوية والتأمين الصحي. والدعم غير المباشر هو الفرق بين تكلفة الإنتاج وثمن البيع.

إصلاح منظومة الدعم:

إصلاح منظومة الدعم يجب أن تكون على رأس الإصلاحات الإقتصادية للدولة، ويجب أن يكون الهدف الأساسي من الدعم الحكومي هو دعم الفئات الإجتماعية الأقل دخلاً وكذلك معالجة الإختلالات في قطاعات الإنتاج.
كما سبق فإن هناك ضرورة لتحويل الدعم إلى برامج زيادة الرواتب ودعم الخدمات الصحية والتعليم، وسوف يساهم ذلك في الحد من تسرب الدعم ويساعد في وصوله إلى مستحقيه، فهذه الخطوة لها ميزات عديدة فهي تساعد على إعادة توجية الدعم فبدلا من دعم طبقة ميسورة من خلال دعم البنزين يكون الوضع الأمثل بيع البنزين بالسعر السائد عالمياً، هذا الأمر يجب أن ينطبق علي البنزين المستخرج محلياً لأن العدالة تقتضي أن يستفيد جميع المواطنين بشكل متساوي من موارد البلاد.

ومن أهم أهداف إصلاح منظومة الدعم هي:
زيادة كفاءة الدعم من أجل ضمان وصوله لمستحقيه.
يساهم رفع الدعم من تقليل الإستهلاك حيث يجعل نمط إستهلاكه أكثر رشادة ومسؤولية.
كما أنه يسد ثغرات التلاعب والفساد والتهريب .
بالإضافة إلى أنه يسير سيراً على خطى دول العالم المتقدم ، حيث أن جميع دول العالم المتقدم تقريباً تعمل بحسب أسعار السوق العالمية.
وحسب ما ورد فهناك عدة عيوب مرتبطة بعملية الدعم الحالي أبرزها عدم وصول الدعم إلى مستحقيه حيث يحصل عليه المستحق وغير المستحق، فمثلا تحصل كل البعثات الأجنبية وعربات العبور الدولي والأغنياء والشركات الكبرى على هذه السلع بنفس الأسعار التي يحصل عليها محدودي الدخل والمنتجين. وبالنسبة للولايات فإن سعر الجازولين اليوم في أم روابة 7000ج للبرميل وفي الفاشر 13000ج وفي الجنينة 25000ج وفي منطقة المثلث 3500ج ويشتريه أصحاب المصانع ب 12 الف داخل ولاية الخرطوم. ومن هنا يكون السؤال: هل الولايات مستفيدة من هذا الدعم ؟

أمثلة لبعض الدول التي رفعت الدعم :
تواجه الدول المستورده للنفط تفاقما في عجز موازناتها كما هو الحال في موازنة 2020 حيث بلغ العجز حوالي 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي ويبقى الخوف والتردد من الإضطرابات الشعبية عاثقا في السير قدماً على طريق الإصلاح في معظم الدول من أجل معالجة عجز الموازنة. لكن مع ذلك نفذت عدة دول خطة رفع الدعم من أجل أن يستثمر المبلغ الذي يتم توفيره في تطوير منظومة التعليم وكذلك الصحة بعد عمل إعادة هيكلة للإنفاق العام من رفع قدرة الدولة علي الإنفاق. ومن هذه الدول:

مصر
رفع الدعم عن الوقود خطة نفذتها مصر منذ 2014، ليس له علاقة بقرض صندوق النقد الدولي ولكن من أجل سد عجز الموازنة.ساعدت الإصلاحات الإقتصادية فى مصر علي تعزيز النمو والحد من البطالة وزيادة إحتياطات النقد الأجنبي وتحسين وضع الدين العام ووضعه علي مسار تنازلي.

الكويت
قرر مجلس الوزراء في 1 أغسطس 2016، رفع أسعار الوقود بنسب تتخطي 80%، وتعتبر تلك الخطوة الأولى لرفع الدعم عن الوقود منذ 50 عامآ.
وقد سبقتها السعودية والإمارات والبحرين.

قطر
وفي السياق ذاته ، رفعت قطر أسعار البنزين بنسب تتراوح بين 30% إلى 35% وكان ذلك في 2016

عمان
أعلنت سلطنة عمان في يناير 2016 أسعاراً جديدة للبنزين والديزل، وقالت أنها كلفت لجنة بتحديد الأسعار شهرياً بحسب تغيُرات أسعار الوقود في السوق العالمية.

إيران
تبنت إيران خطة عامة في 2010 ترمي إلى زيادة أسعار البنزين والمحروقات الأخرى تدريجيآ.

البرازيل
إختارت البرازيل سياسة الرفع التدريجي للدعم وبهدف حشد الدعم الشعبي للإصلاحات، إلتزمت الحكومة بأن يؤدي تخصيص تجارة المنتجات النفطية وتحريرها إلى إنخفاض الأسعار وتحسين الخدمات، وبدأت العملية في أوائل تسعينيات القرن العشرين من خلال عمليات تحرير واسعة النطاق شملت أسعار البنزين والديزل للمستهلك النهائي.

غانا
تميزت خطة إصلاح سياسة الدعم في غانا بإشراف الحكومة على حملة إعلامية واسعة، شملت خطبآ عامة لرئيس الجمهورية ووزير المالية تشرح منافع الإصلاح وأخطار الإستمرار في سياسة الدعم الشامل، وتضمنت الخطة زيادة الحد الأدنى للأجور وزيادة تمويل برامج الرعاية الصحية في المناطق الفقيرة.

الأردن
التجربة الأردنية كانت مميزة، ففي نوفمبر 2012 حررت الحكومة أسعار المحروقات، إعتمدت آلية تلقائية لتعديل الأسعارالداخلية وفق تقلبات الأسعار العالمية. وتوزع الحكومة تعويضات نقدية علي الأسر التي لا يتجاوز دخلها الشهري 800 دينار (ألف و 120 دولاراً)، وتبلغ قيمة الدعم السنوي 70 ديناراً لكل فرد في الأسرة التي تستحق الدعم.
هذه فقط بعض من الأمثلة لدول رفعت الدعم عن الوقود من أجل ترشيد الإنفاق لرفع الإيرادات.

سياسة إدارة العملة:

الوضع الراهن في سياسة إدارة دولار الصادر والدولار الجمركي للواردات يستدعي إعادة تقييم حقيقي وإعادة نظر واضحة. سعر الصرف الموازي ساعد عملية تدوير الفرق بين السعرين خارج النظام المصرفي وفي هذه الحالة تتحكم الدولة في نسبة من عائد الصادر بينما يتم تدوير الباقي فى المضاربات في العملة داخل وخارج السودان وهؤلاء هم من يعارضون أي إتجاه من أجل الإستمرار فى نفس النهج. وعليه يكون تحرير سعر صرف دولار الصادر مهماً من أجل أن تعود الفائدة للمنتج بشكل أساسي لأن الزيادات بالعملة المحلية سوف تزيد من تداول الكتلة النقدية وسوف يساعد أيضاً علي زيادة الأسعار للمنتج.
من ناحية أخرى يجب تقييم الدولار الجمركي علي أساس السعر الجاري من أجل تعظيم عائدات القيمة المضافة وبسبب إعتماد المستوردين لسعر الدولار الجاري لإجمالي الفاتورة في قياس تكلفة الواردات وبذلك لا يستفيد المستهلك عن نسبة الخصم الممنوح للمستورد في حساب الفاتورة لغرض التقييم الجمركي.

ختاماَ:
حسب تجارب العديد من الدول نلاحظ كيف تم حل مشكلة الدعم من خلال قرارات متشابهة.
يواجه الإقتصاد السوداني صعوبات كبيرة ويكون الحل في قرارات شجاعة تراعي مصالح كل مواطني السودان في مختلف أماكنهم خاصة أن الملايين منهم أصواتهم لا تصل الي المسئولين، في حين يرى الكثيرين أن الحكومة تستمع إلى من هم أعلى صوتاً.

يجب أن تعمل الحكومة من أجل تفادي سياسات النفير وإطفاء الحرائق وتضع بدلاً عن ذلك سياسات توفر إستدامة إستيراد المواد البترولية من خلال رفع الدعم بدون تردد.

من المؤكد أن تسفر هذه القرارات عن حملات مناهضة من الطبقات الطفيلية المستفيدة من تشوهات عمليات الدعم، لكن ستنجح الحكومة إذا واصلت بإصرار في برنامج رفع الدعم بدون تردد.
ميزانية أي دولة يجب أن تخاطب الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. والبشريات التي تضمنتها الموازنة تساهم في إصلاح الإقتصاد وتؤسس للعدالة الإجتماعية وليس من المعقول تأجيل كل هذه الفوائد بسبب التردد من مواجهة تعنت بعض أفراد لجنة خبراء الحرية والتغيير. لذلك القرار طبيعته الأخلاقية.

لقد تحمل وزير المالية شتى صنوف الإساءة وتقليل الشأن والإستخاف فقظ بسبب سياسات واضحة سارت عليها أغلب البلدان فى حالات مشابهة.
يتعين على رئيس الوزراء تحمل مسئولية الدفاع عن الميزانية بالتضامن مع وزير المالية لأن الميزانية هي ميزانية الدولة.

ويجب أن تلعب الحرية والتغيير دوراَ أساسياَ فى مساعدة الحكومة من أجل تطوير علاقاتها الدولية لتامين المساعدات المطلوبة .

الحل ليس فى تغيير الوزراء بل فى مواجهة التحديات وزيادة الموارد وحسن إدارتها. و كما شهدنا في أواخر العهد العهد البائد عمليات تغيير متتالية لوزراء المالية ورئيس الوزراء أدت في النهاية إلى إنعكاسات سلبية وساهمت في سرعة زوال النظام.

أخيراً يجب العمل على تجاوز إنتظار المؤتمر الإقتصادي والعمل من أجل تجهيز ميزانية طوارئ تحمي الإقتصاد من الخلل المفاجئ الذي تسببت فيه جائحة كورونا والذي سيقود إلى تدني كبير في الإيرادات وإرتفاع في معدلات البطالة ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تفاقم العجز وربما يقود إلى إنكماش الإقتصاد.

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. : فشل منهجية وزير المالية في علاج الأزمة الاقتصادية

    كان يحدونا الأمل أن توقيع الاتفاق السياسي و تشكيل الحكومة الانتقاليه سينقلنا لمرحلة جديدة من مراحل ثورتنا المجيدة ، مرحلة تنتقل فيها المواجهة و المعركة من الشوارع الي داخل مؤسسات الدولة تأسيسا لنهج نضالي جديد ، يعمل علي تفكيك دولة الفساد و الاستبداد و استبدالها بدولة المواطنة و الحقوق و الحريات ، عبر عملية عمادها تفكيك بنية التمكين ، و تغيير جميع السياسات و الهياكل المخلة في مؤسسات الدولة و تجفيف هياكل الظ
    ل و مؤسسات جهاز الدولة الموازي و استعادة هيبة الدولة و فرض ولايتها علي المال العام ، و قطع الطريق علي جيوب الفساد و التجنيب مرة واحدة و إلي الأبد .

    وصلنا لهذه المرحلة و كلنا حماس و أمل بقدرتنا علي خوض هذه الجولة الجديدة من المعركة الثورية بنفس بسالات المراحل السابقة ، و بمعاونة وزرائنا الجدد ، وزراء حكومة الثورة و حملة مسؤولية و شعلة التغيير داخل هذه المؤسسات . كنا نعول تعويلا جماً علي وزارة المالية باعتبارها العمود الفقري للحكومة الانتقالية ، و رأس الرمح في عملية صياغة رؤي و تصورات التغيير و صنع واقع اقتصادي جديد يليق بعظمة تضحيات شعبنا ، و كان يحدونا الأمل أن يكون السيد ابراهيم البدوي نطاسنا الاقتصادي و قائد سفيتنا نحو العبور .

    إلا أننا ، و بكل أسي ، فوجئنا بواقع سلبي و محبط و معيب بتعطيل الدكتور البدوي لكل الخطوات المنشودة لتحقيق أهداف و برامج الثورة ، و اصراره المريب علي الانفراد بالقرار ، و إقصاء الآخرين و التصميم علي السير في نفس سياسات النظام البائد المجربة نحو مزيدا من رفع الدعم عن السلع الاستراتيجية ، دون إحكام الدولة قبضتها علي الجهاز التنفيذي بالكامل ، و دون إكمال نظم الحماية الاجتماعية و تغيير العملة ، و رفع كفاءة التحصيل الضريبي و مكافحة غسيل الأموال ، و دون وضع أدني اعتبارات لوضعية عدم الاستقرار الاقتصادي الحالية، و تدني متوسط دخل المواطنيين مقارنة بأسعار السوق و هشاشة العملية السياسية الراهنة .

    نعلم جميعا معالي رئيس الوزراء، أنه قد تم تأجيل البت في قرار رفع الدعم عن السلع الاستراتيجية لحين انعقاد مؤتمر أقتصادي قومي يشارك فيه كل الخبراء الاقتصاديين السودانيين ، و كل القوي المجتمعية لوضع البرنامج الاقتصادي الملائم لبرامج الثورة و شعاراتها ، و الذي كان من المزمع عقده في أواخر مارس الماضي ، فتم تأجيله لمطلع يونيو المقبل بسبب مستجدات جائحة كوفيد-19 ، تفاجأنا بعدها بإصرار الوزير علي فرض سياساته مستبقا المؤتمر الاقتصادي تحت تبريرات تكلفة مواجهه جائحة الكورونا ، و إتباع حملته الشعواء بتصعيد إعلامي ترويجي لسياساته المزمعه عبر المنصات الرسمية للوزارة . و بما أن قرارات مصيرية بهذا المستوي لا يجوز اتخاذها إلا بمستوي عالي جدا من التوافق و الإجماع ، و بصورة تليق بروح الديموقراطية التي صارع من أجلها شعبنا ، و بذَل من أجلها جم التضحيات ، فقد رأينا أن نتقدم إليكم بطلب الإلتزام التام بما تم الأتفاق عليه مسبقا من تأجيل النقاش في هذا الصدد لحين ميعاد انعقاد المؤتمر الأقتصادي ، من غير حملات استقطاب مجتمعي قد تؤدي لمزيد من الاحتقانات السياسية و المجتمعية في وضع سياسي و مجتمعي في غاية الهشاشة و الاضطراب .

    إلى ذلك الحين ، اسمحوا لنا معالي رئيس الوزراء ان نعرب لكم عن عميق قلقنا من أداء وزير المالية في الفترة المنصرمة، حيث رصدنا عددا من المآخذ عليه تتلخص في :

    1. نأيه عن الالتزام بقيم و شعارات و أهداف ثورة ديسمبر المجيدة ، و إصراره علي السير في نفس سياسات المعزولين سيئي الذكر معتز موسي و عبد الرحيم حمدي ،
    2. الإصرار و التعنت علي الرأي ، و أقصاء كل الأصوات المخالفة لتصوراته من مختلف أطياف المجتمع، و تجاهله لتوصيات الخبراء الاقتصاديين و المعنيين بالشأن الأقتصادي و بصوره فجة تتنافي مع روح الديموقراطية و شعارات ثورتنا المجيدة،
    3. تجاوز النظم الإدارية و الصيغ المؤسسية و إجراءات التعاقد الحكومي بصورة متكررة لم تكن آخرها قضية شركة الفاخر التي أثارت ما أثارت من استنكار الرأي العام ، حيث إن طريقة التعاقد تشكك في نوايا و توجهات الحكومة الانتقالية نفسها بصورة مباشرة،
    4. تعطيله لكل القرارات الاقتصادية الجذرية التي من شأنها أن توقف التلاعب و التخريب الاقتصادي الذي يمارسه أنصار النظام البائد ، و علي رأسها قرار تغيير العملة و بصوره تسمح لهم باستخدام الأموال المنهوبة في المضاربة في السلع منخفضة المرونة و شراء الدولار و تأزيم الوضع الاقتصادي للمواطنين الي أقصي الدرجات ،
    5. ممارسة المحسوبية و الفساد الإداري بصورة فجة تشابه ممارسات النظام البائد عن طريق تعيينه للمقربين منه اجتماعيا في المناصب الأكثر محورية في الوزارة دون كفاءة تذكر ، و السير علي نفس خطي النظام البائد في التمكين الحزبي في بعض المؤسسات المرتبطة بوزارة المالية كديوان الضرائب و سوق الأوراق المالية ،
    6. انعدام التناغم في الرؤي و السياسات ما بين وزارة المالية و وزارات القطاع الاقتصادي الرديفة، فبينما تسير وزارة المالية حسب رؤيته صوب سياسات التحرير الاقتصادي الكامل ، تسير وزارة الصناعة و التجارة صوب وضع أسعار تأشيرية للسلع الاستهلاكية ، و نزع امتيازات توزيع الدقيق من وكلاء المطاحن ، علاوة على خلافاته المستمره مع وزارة الطاقة و التعديين التي تتخذ في كل يوم يمضي شكلا جديدا ،

    7. عدم جدية معالي وزير المالية في التعامل مع ملف تغيير السياسات و الهياكل المخلة بوزارة المالية ، و إعادة صياغة بنود الصرف و تفكيك جهاز الدولة الموازي الذي لا زال مسيطرا علي المشهد ، و المماطلة في وضع سياسات واضحة لمحاربة الفساد و التجنيب و الإعتداء علي المال العام و العمل علي استعادة الأموال المنهوبة،

    8. تسببه في ارتفاع أسعار كل السلع إثر طرحه الوقود التجاري في محطات الوقود كرد فعل تحوطي من دهاقنة السوق و تجار الجملة لانفلات الوضع التضخمي الفائق توطئة لتوليد النموذج الزمبابوي ، الشيئ الذي طحن المواطن المسحوق سلفا ،

    9. تقريبه للمحسوبين جماهيريا علي النظام البائد من طاقمه الاستشاري و تلكؤهِ في تفعيل إجراءات تفكيك التمكين بالوزارة و السير علي نفس سياسات النظام البائد و الأعتماد علي نفس طواقمه الإدارية التي أدمنت الفشل علي مدى ثلاثين عاما.

    كل هذه التجاوزات تضعنا أمام حقيقة واضحة للعيان كشمس منتصف الظهيرة ، أن معالي وزير المالية هو عقبة في طريق تنفيذ برنامج الثورة المتفق عليه مع الجماهير ، و انه بهذه المنهجية سيزيد من تعقيد الوضع الاجتماعوسياسي و الاقتصادي، نقولها و نحن نعلم جيدا أن دماء شهدائنا الأماجد كشة و عبد العظيم و محجوب و النمير و إخوانهم و أخواتهم من شهدائنا ، هي الامتداد الطبيعي لدماء شهدائنا في انتفاضة سبتمبر المجيدة هزاع و بكور و صلاح السنهوري و صحبهم، الذين ثاروا ضد نفس السياسات الأقتصادية التي يعتزم الدكتور البدوي تطبيقها الآن ، و أن شعبنا لم يقدم كل هذه التضحيات و البسالات و الصمود الأسطوري ليأتي علي أكتاف ثورته وزير مالية يسير علي سياسات النظام المقبور و ترهات منظريه الاقتصاديين معتز موسي و عبد الرحيم حمدي و من شايعهم ، استنادا على ما سبق، فإننا نطالب بإقالة وزير المالية الدكتور إبراهيم البدوي بلا إبطاء ، حفاظا علي ما تبقي من فرص و إمكانيات لإسعاف اقتصادنا المنهار ، و حفاظا علي استمراريه العملية السياسية الحالية الرامية لاستكمال مهام الانتقال.

    فعليه، رأينا أن نخبركم أن بطرفنا مرشحين ممن نتيقن أنهم يحملون معظم تلك الصفات التي افتقدناها في وزيرنا الحالي ، ممن هم أجدر و أحق بتكليفهم بمنصب وزير المالية بعد إقالته فورا ، حيث أنهم قادرون على استكمال مسيرة ثورتنا المجيدة في مجال التخطيط الاقتصادي ، و سنعلن عنهم قريبا في المنصات الإعلامية الرسمية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق