مقالات وآراء

في نقد حكومة ثورة ديسمبر الحالية (3)

حرية، سلام وعدالة، والرصد قرار الشعب! نحن من خضنا غمار التظاهرات والمواكب واستنشقنا (البمبان) وفلتنا من مطاردات الأمنجية ووقعنا في قبضتهم أحيانا، منذ الربيع العربي وإلى الربيع السوداني! نحن من رفعنا درجة الوعي وأضأنا الطريق للتنظيمات الشبابية التي كانت تتلمس طريقها بين مطرقة الأمن وسندان الأحزاب التقليدية وكتبنا في الصحف الورقية والإلكترونية عن رص الصفوف وخطوات التنظيم، وصمدنا في ساحة الاعتصام منذ اليوم الأول وكتبنا المدونات التي أصبحت توثيقا للثورة إلى أن نزلت علينا طامة مؤامرة فض الاعتصام. دارت دورة الأحداث حتى تكونت حكومة الثورة التي لم تلتزم فيها قوى الحرية والتغيير بمعاييرها الثلاثة في ترشيح الوزراء وهي الكفاءة والخبرة والوطنية، ولم يلتزم السيد رئيس الوزراء بشرطه الأساسي في أن يختار وزيرا من كل ثلاثة ترشحهم له (قحت) لكل وزارة وإن لم يجد بينهم من يراه مناسبا أعاد لهم القائمة ليرشحوا له آخرين، ولكن ما حدث أنه اختار أحيانا من هم خارج ترشيحات قحت، واستمر ذلك المنحى في ملئه للوظائف العليا! الغريب قبل القريب يؤكد على ضعف وزراء هذه الحكومة وعلى تراخيهم وتباطؤهم في أعمالهم وفي اتخاذ القرارات، ربما لهم أسبابهم في ذلك ولكن فلنتمثل بقول المتنبي:

ولم أر في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام

لقد تواضعت معظم مكونات قوى الحرية والتغيير، التي دب بينها بعض من خلاف لا يرومونه أن يصل إلى السطح، لقد تواضعت على الاستمرار في دعم حكومة الثورة بصفتهم الحاضنة السياسية لها وتقع عليهم مراقبتها ونقدها وتقويمها وهكذا صار هذا ديدننا كلنا. أنا أتحدث بصفتي من الوطنيين الحادبين على نجاح الثورة والباذلين نفوسهم من أجلها ومن أجل هدفيها الأسميين وهما رفع المعاناة عن المواطنين ورفعة الوطن، والشباب في لجان المقاومة ولجان الأحياء هم كتيبة الصدام الأولى في التصدي لأي انحراف عن أهداف ثورة ديسمبر المجيدة وهم حقا حرّاس الترس! نسبة للمواضيع الشائكة التي أود الكتابة فيها فسوف تكون مقالاتي متسلسلة أتطرق في كل مقالة لقضية منفصلة، فلنبدأ باسم الله تعالى.

3 – ماذا يفعل المواطن السوداني مع انفراط أسعار السوق؟

لقد همني كثيرا ما يعانيه المواطن السوداني (جمل الشيل) في شتى ضروب الحياة، فهو يعاني من تردي المعيشة والمواصلات والعلاج والتعليم والبطالة والسكن والكهرباء.. تردٍّ في تردٍّ في تردٍّ، ولذلك فقد آليت على نفسي أن يكون المواطن المغلوب على أمره في قمة اهتماماتي، فكتبت الكثير من المقالات في ذلك الشأن وتشهد لي الصحف الإلكترونية بجانب الورقية على ما كتبت. الآن وفي ظل حكومة ثورة ديسمبر الحالية لن أتخلى عن شيمتي في النقد الباني وفي طرح الحلول وليذهب كل ما عدا ذلك أدراج الرياح! إن متوسط الراتب الشهري لعدد 90% من المواطنين لا يتعدى خمسة آلاف جنيه ونجد أن في عام واحد قد تضاعفت أسعار كل شيء سواء كان سلعة أم عقارا أم آلة أم خدمة، والرواتب كما هي، فكثرت الظواهر السالبة للفقر والعوز في الطرقات والميادين العامة.

بتاريخ 05/08/2019 كنت قد كتبت مقالة بعنوان: (في انتظار أبي حريرة جديد لتحسين معايش الناس) وكان ذلك بعد التوقيع بالأحرف الأولى على الإعلان الدستوري والذي أعقبه تكوين مجالس الحكم السيادية والتنفيذية والتشريعية، ولذلك فقد توقعت أن عبئا كبيرا سوف يقع على وزير التجارة القادم وسوف يكون من أهم وزراء المرحلة القادمة لأن من أهم واجبات الحكومة القادمة أن تلتفت إلى معاش المواطنين وتحسنها بقرارات وخطط قصيرة المدى ومتوسطة المدى وطويلة المدى تنأى بالسوق عن تحرير سعر الصرف وتعويم الجنيه السوداني الذي لا يجدي مع شح الإنتاج والندرة، ولذلك على وزير التجارة أن ينتهج سياسة تحديد الأسعار وفرض قوائم الأسعار في كل المحال التجارية على أن يراقبها مفتشو وزارة التجارة، وإننا في انتظار أبي حريرة جديد لتحسين معايش الناس. لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ كتابتي لتلك المقالة وتكونت حكومة الفترة الانتقالية وتقلد الوزراء مناصبهم ومنهم وزير التجارة والصناعة السيد مدني عباس مدني.

في مقالتي عن أبي حريرة التي نوهت لها ذكرت أن الدكتور محمد يوسف أبوحريرة الأستاذ الجامعي القانوني كان وزيرا للتجارة في عهد الديموقراطية الثالثة في حكومة السيد الصادق المهدي الائتلافية بين حزبي الأمة والاتحادي الديموقراطي وقد قدم فيها استقالته وقبل أن ينظر فيها تم حل الحكومة لإبعاده في عام 1987 لكي يبدو الأمر وكأنه تعديل وزاري. لم يكن أبوحريرة سياسيا تقليديا حرفته الكلام ثم العمل بما تقتضيه المصلحة الشخصية والحزبية فقد شغل منصب وزارة التجارة التي كانت تعتبر ملكا خاصا لحزبه الاتحادي الديموقراطي الذي يضم الغالبية العظمى من شريحة التجار ورجال الأعمال وقد كانوا يدفعون الكثير لتمويل الحزب، ويريدون مردودا أكثر شأنهم في ذلك كشأن من يستثمر ماله بذكاء! هكذا حصلت المجابهة والمصادمة منذ الأيام الأولى لتوليه منصبه الوزاري بينه وبين هؤلاء المنتفعين، لكنني لا أغمط هنا دور بعض رجال الأعمال الوطنيين الذين أيدوا أبا حريرة من أجل مصلحة الشعب في تخفيف أعباء المعيشة عليهم من خلال ضبط السوق من الاحتكاريين ومفتعلي الأزمات والوسطاء الذين يتسببون في غلاء الأسعار، ولا ينسى له المواطنون حتى الآن محاربته لاحتكار تجار الماشية ورفع أسعارها فقام باستيراد الخراف المذبوحة والمبردة من أستراليا وباعها للمواطنين بأسعار أرخص وكانت مغطاة بأكياس بيضاء فسموها بالخراف (المكفّنة) وأطلقوا عليه لقب أبوحريرة (العريس)! هل فعل الوزير مدني عباس شيئا مما ذكرته عاليه؟ لا وألف لا.

حقا قد صارت الأسعار بلا ضابط ولا رابط وصار لكل متجر أسعار تختلف عما في متجر آخر، حتى البضاعة وهي على الأرفف يزداد سعرها يوما بعد يوم مع أن الأمانة تقتضي أن يتم تحديد سعر بيع السلعة بناءً على فاتورة شرائها، ولكن للتجار منطق مخالف ويعللون زيادة أسعارهم بأن أسعار بضاعتهم الجديدة في تزايد والأمر يتطلب توفر النقود لديهم وأن أسعار السوق من حولهم والمواصلات والإيجارات في تزايد، وهم بذلك بدلا من أن يتكفلوا بدفع فروق الأسعار من عندهم يقومون بأخذها من المواطنين المشترين. باختصار، صار كل صاحب سلعة يزيد سعر سلعته ليزداد دخله وصار الخاسر الأكبر هو المواطن ذوالدخل المحدود الذي لا يعمل بالتجارة.

لقد بيّن أبو الاقتصاد الكلاسيكي الرأسمالي آدم سميث، الذي دعا للاقتصاد الحر وحرية المنافسة وتقليل دور الدولة، أن سعر أي سلعة يتحدد بقانون العرض والطلب إذا خلا السوق من احتكار الكارتيلات ومن الندرة بحيث يصبح السوق معافى لسياسة تحرير الأسعار. أما اللورد كينز أبو الاقتصاد الحديث فقد دعا إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية لتحقيق التوازن المطلوب. أما في الاقتصاد الاشتراكي فإن الدولة تتولى تحديد أسعار السلع بناء على تكلفة الإنتاج أحيانا وأحيانا بناء على سياسة دعم السلع الحيوية لتقليل أعباء المعيشة على مواطنيها وتتبنى نظام التعاونيات والملكية الخاصة في أضيق حدودها. بعض الدول كدولتنا السودانية كانت تأخذ بسياسة اقتصادية مشتركة ما بين الرأسمالية والاشتراكية فكانت تدعم بعض السلع وتترك سلعا أخرى للعرض والطلب وتعمل بالتعاونيات، ولكن فقد نحت حكومات الإنقاذ في العهد البائد منحى الاقتصاد الرأسمالي وحررت الأسعار ورفعت الدعم عن سلع كثيرة مثل الوقود والخبز والدواء والعلاج والكهرباء والماء. في الإسلام يتم تحديد سعر السلعة بتحديد الربح الحلال من فاتورة شرائها أو تكلفتها بأن لا يتخطى الـ 30%، فهل هذا مطبق عندنا؟ سوف أكتب عن مدارس الاقتصاد التي ذكرتها بشئ من الإسهاب في مقالتي القادمة عن آثار رفع الدعم بإذن الله تعالى.

على وزير التجارة والصناعة السيد مدني عباس مدني أن يشرع في عمل الآتي:

1 – تطبيق برنامج الوزارة الإسعافي لإزالة أعباء المعيشة عن كاهل المواطنين خاصة وقد مرت سبعة اشهر بدون أي إنجاز في ذلك.

2 – كسر الاحتكار في شراء وطحن وتوزيع القمح والدقيق وتثمين دور لجان المقاومة والأحياء وتثبيت سعر الخبز ومنع تهريب الدقيق.

3 – انتهاج سياسة تحديد الأسعار وفرض قوائم الأسعار في كل المحال التجارية على أن يراقبها مفتشو وزارة التجارة بعد أن يتم تكوين أقسام لمراقبة الأسعار لهم.

4 – تطبيق نظام التعاونيات كما كان موجودا في السودان وكانت له مصلحة حكومية.

5 – السماح باستيراد السلع الضرورية وإيقاف استيراد الكماليات كالنبق الإيراني مثلا.

6 – تشغيل المصانع المعطلة والمتوقفة عن العمل التي يقارب عددها الألفين وخمسمائة مصنع وتوفير قطع الغيار لها.

7 – توفير مدخلات الإنتاج للمصانع وتقليل رسوم الإنتاج حتى تنهض المصانع من وهدتها.

أتمنى أن يقوم السيد وزير التجارة والصناعة بعمل المطلوب منه حتى يكون في ذلك إجابة على تساؤلي عن ماذا يفعل المواطن السوداني مع انفراط سعر السوق، رغما عن الضائقة المعيشية التي رمت بالمواطن السوداني في رحم المعاناة نظل وقوفا نردد: القومة للسودان!

د. عمر محمد صالح بادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق