أهم الأخبار والمقالات

“هوية السودان”… العقبة الكبرى أمام تحقيق السلام الشامل

لا يزال الحديث عن علمانية الدولة من جانب الحركة الشعبية قيادة عبد العزيز الحلو يمثل العقبة الكبرى أمام تحقيق السلام الشامل في السودان بعد أن قطعت الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية شوطا كبيرا في المسارات الأربع، حيث تصر الحركة على تضمين بند فصل الدين عن الدولة ضمن إطار أي وثيقة تفاوض، الأمر الذي يضع مجلس السيادة والحكومة في مأزق لأنها تمر بمرحلة انتقالية ولا تملك الصلاحيات لإقرار هوية الدولة وتنتظر تشكيل المجلس التشريعي.

وتعيش البلاد سجالا كبيرا بشأن هوية الدولة، وهل هي مدنية أم علمانية، ومدى تقاطع ذلك مع الدولة الإسلامية، الحلم التاريخي للإسلاميين، الأمر الذي قد يمثل عقبة كبرى أمام تحقيق سلام شامل في السودان، حتى بعد إعلان الحلو وقف العمليات العسكرية في عموم المناطق التي تسيطر عليها حركته… فهل تتحول العلمانية إلى سد منيع أمام وقف نزيف الدماء الدائر من عقود؟

ونصت الوثيقة الدستورية والتي تكونت الحكومة الانتقالية والمجلس السيادي بموجبها على أن “السودان جمهورية مستقلة ذات سيادة، مدنية، ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة بدون تمييز بسبب الدين والعرق والنوع والوضع الاجتماعي”.

التعدد والتنوع

قال الدكتور محمد مصطفى رئيس المركز العربي الإفريقي لثقافة السلام والديمقراطية بالسودان، السودان بلد متعدد الإثنيات والثقافات واللغات والأديان ويحتاج لدستور يؤكد هذا التنوع العظيم ويضبط إيقاعه ويضمن سلامة تنفيذه بوسائل سياسية متقنة التكوين متوازنة التشكيل، لا تمنح هامشا للحرية لتدخل التفاوت الطبقي ومراكز القوة ذات الاستقلال الذاتي وشبكات الثقة الانعزالية في السياسة العامة حتى يتساوى كل المواطنين في الحقوق السياسية والحريات المدنية.
وأضاف رئيس المركز العربي لـ”سبوتنيك”، الهوية القومية السودانية الجامعة والمنصفة لكل السودانيين لا تعني بالضرورة الانسحاب من الجامعة العربية، بقدر ما تعني ضرورة عدم التزام السودان بالمادة 18 من ميثاق الجامعة العربية والتي تنص على “أن أية دولة عضو لم تلتزم بالواجبات الواردة في هذا الميثاق تعتبر مفصولة من الجامعة بتصويت كل الدول الأعضاء ما عدا الدولة المشار إليها”، لأن هنالك واجبات اجتماعية وثقافية في ميثاق الجامعة العربية تعمل على إلغاء التنوع السوداني وتكريس الأحادية اللغوية والثقافية وتعزيز الظلم والتهميش والإقصاء الممنهج.

تعريف الدولة

وتابع مصطفى، لكل ما سبق نحن نعتقد أن تعريف الدولة الذي يشتمل نصا على عبارات واضحة ومقنعة لكل مكونات الشعب السوداني العرقية والثقافية واللغوية والدينية والنصوص الدستورية الأخرى المشخصة لهذا التعريف والمعززة والضامنة لها ثم الإلتزام الصارم بها من قبل الحكومة والمعارضة معا، هو المخرج من كل هذه الأزمات.

وأشار رئيس المركز العربي الإفريقي، إلى أن مفهوم الهوية والعلمانية الموجود في نص الدستور، هو ما يحدد كيفية وآلية الحكم لكن أطراف النزاع في السودان يتمسكون بالمصطلحات ونصوصها ويرفضون معانيها وكذلك يخلطون ما بين العلاقات العرقية والتكتلات المصالحية، وهنا تتعثر الخطى وتتباعد الرؤى وتضعف الإرادات وتضيع فرص الوصول إلى الهوية وكيفية الحكم مع أنهما أساس الحل.

العلمانية والعقائد

ومن جانبه قال فيصل علمنه ممثل الجبهة الثورية السودانية بالقاهرة، العلمانية في مفهومها إن المجتمع والدولة يمثلان علاقات اجتماعية وليست علاقات دينية، والعلمانية لا تلغي الشعائر والممارسات الدينية للجميع، وتخرج السياسة والتنظيم الاجتماعي من حيز الممارسة الدينية والعكس، ما يعني فصل الدين عن الدولة.
وأشار صالح في حديث لـ”سبوتنيك”، إلى أن “الكثير يصف الدولة المدنية أو العلمانية بأنها دولة كفر وهذا نتاج طبيعي لأسلمة المناهج التعليمية خلال العقود الماضية والتي رسخ لها المؤتمر الوطني، ولو نظرنا لكل الدول التي طبقت العلمانية سنجد أن كل دولة لها كيان مختلف وأسس مغايرة لأي دولة أخرى، لأن كل دولة لها موروثاتها وثقافتها ومستوى تطورها الثقافي والعلمي والتاريخي، ولا يمكن الجزم بأن مفهوم العلمانية ثابت في كل دولة”.

الدولة الثيوقراطية

وكان الداعية الإسلامي عبد الحي يوسف قال في تصريحات سابقة إن الدولة المدنية هي “تعبير غربي في مواجهة الدولة الدينية أو الدولة الثيوقراطية التي يتحكم فيها رجال الدين من النصارى ممن يمنحون صكوك الغفران وقرارات الحرمان ويتحكمون في كل شيء ويقفون سدا منيعا دون أي تطور علمي”.

وأضاف يوسف، “هذا لا ينطبق على الدين الإسلامي فليس في ديننا طبقة تسمى رجال دين، وإنما علماء شريعة متخصصون فيها مثلما يتخصص آخرون في فنون شتى، ولم نسمع أن شيخا من شيوخ الإسلام قال للناس إن فلانا أدخلته الجنة، وفلانا أوجبت له النار، أو أن الاكتشاف العلمي الفلاني فيه كذا وكذا، بل نعلم من أصول ديننا أن الله أوكل كل ذي علم إلى أهله”.

عقبة أمام السلام

ويرى فتحي إبراهيم عضو لجان المقاومة بالخرطوم، أن مطالبة الحركة الشعبية بعلمانية الدولة وإصرارها عليها قد يكون حجر عثرة أمام عملية التفاوض في جوبا بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة وعلى رأسها الحركة الشعبية التي تتخذ مسارا منفصلا ومنفردا في العملية السلمية بعيدا عن الجبهة الثورية ومساراتها.
وأضاف إبراهيم في حديث لـ”سبوتنيك”، “الكثير من السودانيين عدا التيار الإسلامي يتقبلون العلمانية، رغم أن معظمهم لايعرفون معنى العلمانية، لكنهم يتقبلونها رفضا للتيار السابق والذي يتزعمه عمر البشير (الرئيس السابق للبلاد) ووضع البلاد على حافة الهاوية طوال العقود الثلاث الماضية”.

الحركة الشعبية

وكانت الحركة الشعبية قد أكدت في بيان لها نهاية فبراير/شباط الماضي على ضرورة بناء منصة تأسيس للقيام بمهام البناء الوطني وتتجاوز إخفاقات الآباء المؤسِّسين الأوائل للاستقلال، ومن أجل خلق اختراق في الجمود الحالي لعملية السلام في جوبا ودفعا لإكمال مهام الثورة ومخاطبة قضاياها، اتّفق الطرفان على الآتي:

أولا: “تجاوز أخطاء الماضي والخروج من فشله نحو رحاب دولة حديثة يستدعي قيام تحالفاتنا السياسية على أساس الحد الأعلى في مرحلة إعادة التأسيس وتجاوز تحالفات الحد الأدنى، للخروج من الدائرة الشريرة،
ثانيا: “ضرورة أن يقوم بناءنا الدستوري والقانوني على العلمانية وفصل الدين عن الدولة، على أن يكون سن القوانين موكول للشعب عبر ترسيخ المُمارسة الديمقراطية وإحترام الدستور، بما يمثِّل خروجاً من متاهة الالتفاف علي مهام التغيير وعدم إكمال ثوراتنا وإقامة نظام ديمقراطي علماني”.
ثالثا: “مع التأكيد على حق تقرير المصير كحق ديمقراطي، وكون ممارسة حق تقرير المصير أدَّت إلى استقلال دولة جنوب السودان، يؤكِّد التحالف الوطني السوداني والحركة الشعبية هنا إلتزامهما بالوحدة الطوعية والتي تقوم علي أسُّس العدالة والحرية والمُساواة”.

الدساتير السودانية

نصت الدساتير في السودان على مدى نحو خمسين عاما على حاكمية الشريعة الإسلامية، آخرها دستور 1973 في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري والذي نص على “أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي من مصادر التشريع”.

واعتمد واضعو وثيقة الإعلان الدستوري التي قدمتها قوى إعلان الحرية والتغيير للمجلس العسكري في بعض بنودها على دستور 2005 الانتقالي الذي طبق خلال الفترة الانتقالية بعد التوقيع على اتفاقية السلام بين شمال وجنوب السودان، ولكنهم حذفوا بندا نصه “تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرا للتشريعات التي تسن على المستوى القومي وتطبق على ولايات شمال السودان”.

وبعد تكوين التجمع الوطني الديمقراطي (المعارض للنظام السابق) وتوقيع ميثاقه في أكتوبر/تشرين الأول 1989 ثم انضمام الحركة الشعبية إليه عام 1990، عقدت هيئة قيادة التجمع في الخارج اجتماعا في لندن من 26 يناير/كانون الثاني إلى 3 فبراير/شباط 1992 بمشاركة الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة والحزب الشيوعي السوداني والمؤتمر السوداني الأفريقي والنقابات والحركة الشعبية والقيادة الشرعية للقوات المسلحة وشخصيات وطنية، وأجاز ذلك الاجتماع الدستور الانتقالي الذي يحكم به السودان، عقب الإطاحة بحكومة الجبهة الإسلامية القومية خلال فترة انتقالية.

ومنذ 21 أغسطس/ آب الماضي، يشهد السودان، فترة انتقالية تستمر 39 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات، ويتقاسم السلطة خلالها كل من المجلس العسكري، وقوى “إعلان الحرية والتغيير”، قائدة الحراك الشعبي.
سبوتنيك

تعليق واحد

  1. اكتر من ١٤٠٠ سنة ويتشدقون علينا الخطأ في التطبيق الخطأ في التطبيق!
    لم نسأل مرة أنفسنا لماذا يكون الخطأ في الاصل نفسه!
    طالما هذا الإنسان عاجز عن تطبيق شرعه وأحكامه فلندعه جانبا
    ونعمل من أجل تكوين دولة نعيشها وفق عاداتنا وتقاليدنا وقوانينا المستمدة من تلك العادات والتقاليد.
    دولة مواطنة يعيش فيها كل إنسان كيفما يريد في ظل قانون يحمي الجميع مش من قوانين اله يطلب من الإنسان قتل أخيه الإنسان لكي يلتحق به في عالمه السرمدي !
    بدل الشتات والتشتت دا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق