غير مصنف

حل سياسي – مجتمعي للأقاليم المهمشة

أعلى من الفديرالية وأقل من الحكم الذاتي

مباديء الديمقراطية التوافقية المجتمعية تصلح حلاً للأقاليم المهمشة
شهد السودان على مر تاريخه الحديث نزاعات وحروب بدرجات مختلفة في كل من الجنوب ودارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق والشمال. وتبعاً لذلك ظهرت حركات مقاومة في هذه المناطق منذ مطلع الستينات، واستمرت الى يومنا هذا. القاسم المشترك بين هذه الأقاليم هو التهميش الاقتصادي والسياسي الذي يعكس اختلالاً في بنية السودان.
تكمن الأسباب الرئيسية لهذه الحروب والنزاعات في اختلال التوازن في السلطة والثروة بين المركز والأقاليم، واستمرار سياسة التهميش، إضافة الى النزاعات القبلية والمجتمعية المحلية. تمثل هذه النزاعات صراعاً بين المركز الذي يسيطر على مقاليد السلطة والثروة، وقوى الهامش التي ظلت تناضل من أجل العدالة والمساواة. تجاهلت الحكومات الوطنية المتعاقبة مطالب هذه المناطق، كما رفضت معالجة انعدام المساواة والعدالة والتنمية غير المتساوية والتهميش السياسي. ونتيجة لذلك اتجهت العديد من الحركات المطلبية الى العنف وحمل السلاح.

ومن ناحية أخرى، تكاثر عدد اتفاقيات السلام في السودان حتى فاق عددها الأربعين اتفاقية. رغم هذا، إلا أن السلام والاستقرار لم يتحققا أبداً في ربوع السودان. وقد أدى نقض هذه الاتفاقيات من قبل النظام السابق الى خلق المزيد من عدم الاستقرار وانعدام الأمن، كما أدى الى تقسيم الحركات المتمردة نفسها. وهكذا، صارت اتفاقيات السلام نفسها مثلاً آخر للتهميش السياسي.

لم تنجح اتفاقيات السلام السابقة لأنها لم تنظر للنزاعات المسلحة بصورة شاملة، أي أنها جزء من قضية التهميش التي تعاني منها أقاليم السودان ككل، وأنه يجب معالجتها في إطار واحد شامل لكافة قضايا السودان. كما أن الاتفاقيات السابقة كانت تدعم استراتيجية النظام السابق “فرّق تسد” اذ أنها تكرس لمبدأ التفاوض بشكل منفصل مع كل حركة تحمل السلاح على حدة، لتقوية قبضتها على السلطة خاصة إن النظام قد عرف بتاريخه الطويل في نقض العهود.

ورغم إن تقاسم السلطة- في نظري- لا يزال هو الآلية الصالحة لمعالجة هذه الصراعات السياسية والمجتمعية والسنوات الطويلة من التهميش السياسي والاقتصادي، إلا أن جميع اتفاقيات السلام السابقة الموقعة بين النظام السابق والعديد من الحركات المسلحة أثبتت أنه لم تكن هناك سلطة حقيقية في هذه الأقاليم المهمشة حتى يتم اقتسامها. لذلك لم يتمكن الأطراف من تحقيق السلام لأن جوهر وروح اقتسام السلطة قد تم تجاهلهما إلى حد كبير في تلك الاتفاقيات.

إن التفاوض حول تقاسم السلطة لا ينبغي أن يكون حول السلطات القائمة بموجب نظام الحكم الاتحادي الحالي، بل ينبغي أن يكون حول خلق سلطة حقيقية جديدة في الأقاليم والمناطق المهمشة، تضمن نظاماَ أعلى من الفيدرالية وأقل من الحكم الذاتي، بما يلبي تطلعات وطموحات سكان هذه المناطق في المشاركة في الحكومة المركزية في البلاد، وحفظ خصوصيتها.

حتى نتمكن من حل اختلال التوازن في السلطة بين المركز والهامش، ومعالجة صراعات المجتمعات المحلية، ينبغي على الأطراف أن تأخذ بعين الاعتبار ضرورة حلّها عبر إطار مجتمعي. لذلك نقترح على الأطراف التفاوض حول اتفاقية سلام تستند على حقائق المجتمعات المتنوعة في هذه الأقاليم والمناطق المهمشة، تهدف الى خلق سلطة حقيقية أولاً، ثم تضع وصفة لاقتسامها بين المجتمعات في هذه المناطق والأقاليم، وذلك عن طريق تحويلها الى أقاليم ذات سلطات عالية High Devolution Regions “HDR”، تحمل عناصر الفدرالية الحقيقية وبعض عناصر الحكم الذاتي بما فيها الخصوصية الإقليمية، والسماح لها بقدر عال من الحرية في حكم أنفسهم في اقليمهم. ولتسهيل عملية التحوّل هذه، نرى تطبيق قواعد الديمقراطية التوافقية بين المجتمعات داخل الإقليم، حيث يجب أن يكون جميع أعضاء المجتمعات المحلية أعضاء في حكومة ائتلافية دائمة للإقليم المعني. إن هذه الوصفة تستلزم منح الأقليم المعني درجة عالية من الحكم، مع تفويض وتقسيم السلطات الفدرالية على محافظات الأقليم. هذه الوصفة بامكانها أن تستوعب التعدد الاثني والقبلي “المجتمعي” في الإقليم بصورة أفضل من النظام الاتحادي الحالي.

إن وصفة “اقليم ذو سلطات عالية” التي اقترحها هنا تعتبر نموذجاً متقدماً من الفدرالية، ولكنها أقل من الحكم الذاتي. في اعتقادي إن هذه الوصفة ستنجح في تحقيق السلام والعدالة والتنمية في المناطق والأقاليم المهمشة لقدرتها على استيعاب التعدد العرقي والاثني والقبلي، واستيعاب الحركات المسلحة المتعددة، بسهولة وبشكل أفضل من النظام الفدرالي التقليدي. وستنجح هذه الوصفة في التقليل من أسباب التمرد السياسي والعسكري، وتخفيف حدة النزاعات القبلية، ومن شأنها أن تقدم وضعاً مريحاً لنجاح الترتيبات الأمنية.

للقيام بذلك، يحتاج الوسطاء إلى مقاربة اجتماعية فعّالة للتعامل مع الأزمة للتوصل إلى اتفاق توافقي يحتوي على عناصر خليط بين الفدرالية والحكم الذاتي. إن النظام التوافقي يقوم على اتحاد بين المجتمعات أو المجموعات الاثنية. وهي اتفاقية تقوم على ترتيبات سياسية حسب المعايير التي وضعها أرند ليبهارت فيما عرف بالديمقراطية التوافقية، وهي: (1) تقاسم السلطة التنفيذية بين المجتمعات المحلية، (2) تطبق قواعد النسبة والتناسب على جميع مستويات الحكومة والقطاع العام ذات الصلة، (3) الحكم الذاتي للمجتمعات المحلية والمساواة في الحياة الثقافية، (4) حق النقض بالنسبة للأقليات.

يشكل تقاسم السلطة التنفيذية جزءاً أساسياً من أي ترتيبات مجتمعية مشتركة. في مثل هذا الترتيب، يجب أن يكون جميع اللاعبين المحليين الرئيسيين أعضاء في حكومة ائتلافية دائمة تحكم الاقليم المعني. ويلزم اتباع اجراءات الديمقراطية التوافقية بين المجتمعات المحلية في تشكيل المجلس التنفيذي والمجلس التشريعي الاقليمي أيضاً، كما تتبع الديمقراطية التوافقية والتراضي في اتخاذ القرارات باعتبارها الضمان الوحيد للنجاح. وينبغي أن تبنى هذه الترتيبات المجتمعية على مبادئ التمثيل النسبي في تشكيل كل مجلس.

يجب أن ينشئ الاتفاق المقبل مجلساً تنفيذياً للإقليم المعني ذو سلطات عالية، يرأسه شخصان هما الحاكم ونائبه، يتم اختيارهما عن طريق اجراءات الديمقراطية التوافقية. ولا يجوز للحكومة المركزية أن تزيحهما من منصبهيما، كما لا يجوز للمجلس التشريعي الاقليمي أن يفعل ذلك، إلاّ عن طريق اجراءات المحاكمة المعروفة التي يقوم بها المجلس في حالة توجيه اتهامات جنائية أو فساد لهما. ويرأس الحاكم ونائبه المجلس التنفيذي للوزراء الذين يمثلون ائتلافاً مجتمعياً يعمل بالتنسيق. وينبغي ألاّ يقوم الحاكم أو نائبه بتعيين الوزراء الإقليميين، حيث يجب أن يتم تعيينهم بواسطة الأطراف بحسب نسبة وحجم وجودها في الإقليم أوتمثيلها في المجلس التشريعي الاقليمي. من شأن ذلك أن يضمن وجود مجلس تنفيذي يعكس التنوع الاثني في الاقليم. ولا يجوز اقالة وزيراً من منصبه، إلاّ عبر اجراءات الديمقراطية التوافقية وموافقة أغلبية المجموعات الممثلة في المجلس التشريعي. أي وزير اقليمي يفقد منصبه لأي سبب من الأسباب، يجب أن يتم ابداله بواسطة عضو آخر من نفس الحزب أو الحركة.

ويجب أن يتمتع المجلس التنفيذي بصلاحيات تنفيذية كاملة وسلطة على كافة القضايا مثل: قضية التنمية الاقتصادية، والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والثقافة والزراعة والثروة الحيوانية والأراضي والبيئة والضرائب والأمن المحلي. ويلزم التوصل إلى توافق في الآراء فيما بين المجتمعات المحلية الممثلة لاتخاذ القرارات بشأن المسائل المتصلة بجميع المجتمعات المحلية. ويكون للحاكم ونائبه جميع السلطات التمثيلية والرمزية الخارجية. وتضمن تطبيق قواعد التمثيل النسبي على مستوى الولايات، مشاركة المجتمعات المحليات في السلطة التنفيذية للإقليم، والمجلس التشريعي الإقليمي، والمناصب العامة الأخرى.

الأفكار الواردة في هذا المقال مستقاة من ورقتنا المنشورة حول دارفور:

بقلم: المستشار/ابراهيم علي ابراهيم

محتوى إعلاني

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..