مقالات سياسية

على سفح بركان كورونا سيتسلق الإنسان الإنسان

كتبت الصحفية الأمريكية لورى بينى تحت عنوان “الذعر” مقالاً عميقاً تنعي فيه الراسمالية الطفيلية المعاصرة ، النسخة الأمريكية، التي تحاصر مواطنيها وتمسخهم من مواطنين الى مستهلكين ورعايا يعيشون من رزق راتب لراتب (شيك لشيك) وتطحنهم الديون ولا يستطيعون تحمّل أعباء الحجر الصحي والعزلة. تنطلق أطروحة لوري بيني من منطلق أن تأمّل وتحليل الوباء، أي وباء، هو فى الحقيقة تناول بنية المجتمع ومستوي معيشتة وأولوياته السياسية.

وبصرف النظر عن من الذي تسبب فى جائحة كورونا المهم هو إيقاف آلامها. تزعم بيني أن إيقاف الوباء ليس فى حد ذاته حرب ضد الطبيعة وإنما حرب ضد الثقافة. لذلك فان الفيروس فى الحقيقة يتعدي حدود أجسادنا الي الجسد السياسي، بالمعني العام للكلمة.

مع ان هناك أمراض ذات معدلات وفيات أعلي بكثير من كورونا مثل أمراض القلب والجلطات وأمراض التهابات الجهاز التنفسي (السل) والسرطانات وأمراض ضغط الدم والسكري وفقدان الذاكرة والإسهالات المائية والتهابات الرئة والكبد ، الا أن عامل سرعة الإنتشار والمباغتة وأن آثاره تعدت الضحايا المعتادين من الفقراء والمستضعفين الى اصابة الإنسان الممتاز. بالاضافى الى أن جائحة الكورونا تحدّت فلسفة وبنية وطاقة منظومة دولة اللبرالية الجدية الرشيقة ومنطلقاتها الفكرية والايدولوجية ، فوقف حمار شيخها فى العقبة.

لقد هز من قبل وباء الموت الأسود نمط الإنتاج الإقطاعي فى اوروبا وأصابه فى مقتل، وبالأمس القريب تدخّلت الكوليرا كوباء فى بنية الجسد السياسي وإضطر الإنسان المديني أن يتعامل بجدية مع فضلاته، فتم إنشاء أنظمة صرف صحي عامة كبري وعلي نطاق واسع ، وبكل مايعني ذلك من ميزانية على النطاق المحلي او مستوى المديرية أو الفدرالية.

وفي مشهد آخر بالإضافة للضعف البنيوي الطبي المتمثل فى العجز عن معرفة الفيروس التاجي، هو ضعف البنية الثقافية من تعصب وذكورية أطلت برأسها الآن فى العنف المنزلي الذكوري الذي وصل ردهات الشرطة بكثافة. لقد وثقت التجارب من قبل أثّر وباء الزهري فى تبرير عنف الذكورية والقمع الجنسي كما ساهمت أيضاً في إنتشار الوباء ؛ كما كان التحامل واضح جدا فى التعامل مع وباء الايدز.

الفيروس عموما كائن محايد أخلاقياً لا علاقة له بالانحيازات الدينية لذلك من الأفضل أن نتبع إرشادات الأطباء ونعقلها ثم نتوكل. لذلك فلا داع الي نقاش كورونا وأن نشكيها الي الرب ؛ ربما الأجدي الحديث مع كدايسنا وأشجارنا ودجاجنا وليس مع الفيروس نفسه. بالطبع كورونا ليست عقاباً إلهياً ، لكن الانسان يلجأ لهكذا تفسير كونه هلوعاً جذعاً.

تزعم لوري بيني أن النزاع الذي ظل يقدح الصراع البشري على مرّ القرون هو التوتّر بين الفردانية والسلوك الجمعي وهو جوهر الرؤية الآيدولوجية التي تنحاز الي جانبي الصراع حول الموارد والمصالح المترتبة عليها فى سياق الصراع الطبقي. وهل تكون الريادة للعقل الجماعي والصالح العام أم المصلحة الفردية؟ السؤال الأيدولوجي الذي ينطرح فى هذا المشهد مبكراً حول مساومة فكرية وتطبيقية ما يمكن أن يتواثق عليها الإنسان المعاصر فى صراعاته ضمن منظومة عقد إجتماعي جديد يضمن عدم إنقراض البشرية.

تعاني البشرية الآن من فخ سايكلوجيا اللبرالية الجديدة التي تراهن علي المصلحة الشخصية والتصور قصير المدي المشغول بالآن وهنا ومحصلاته من أيدلوجيا الوجبات السريعة والقروض قصيرة المدي والربح السريع. ذات الفخ مسؤول عن تصور أحادي مغلق لحكومة رشيقة قيافة فى نحافتها وذات منظومة صحية خارج القطاع العام تتحكم فى استثمارات علم الأوبئة والإحصاء الحيوي والتطعيم والتلقيح. حاليا تتصدي أسواق كبري متعدية الجنسيات لإدارة وتوزيع أسواق الأمن الغذائي والصحي والبيئي ، مع أن قراءات الخبراء ترجّح أن الأوبئة والأمراض القادمة ستنخر عظم هذا المفهوم ونمط التفكير والأوهام الشعوبية التي ظل الخبراء والعلماء والساسة وصناع القرار اللبراليون يصرون عليها.

هل سندع رياح المصلحة الشخصية وعقلانيتها العاطفية الضيقة تقودنا نحو الجحيم كما سولت للمواطن أن يندفع مهرولاً نحو رفوف الدكاكين ويكتنز مناديل الحمام التي لاعلاقة لها بمقاومة فيروس كورونا؟ هذا بالطبع سلوك غيرعقلاني خطير يفترض مشهد ورطة/معضلة السجين فى نظرية اللعبة حيث يوضع كل سجين منعزلا ليقرر هل يعترف بالذنب أم ينكر، أما كونه سيسجن أو يتم إخلاء سبيله تعتمد على إعتراف رفيقه الآخر. بمعني آخر، هل نترك مصائرنا لمصلحة شخصية مغمضة العينين ، أم نحتكم لرؤيا الإيثار والغيرية ونستوثق في عقلنا الجمعي ليتحكم فى مصائرنا الوجودية وبقاء نوعنا البشري.

يقول ألبرت كاموس “أن ماينطبق على ويصح فى كل شرور العالم ينطبق أيضاً علي الطاعون” . فى لحظات الأزمة يتجلي كل شيئ: تناقضات البشر وسخفهم، أو تضحياتهم/ن حين يأتون خِفافاً كخيول الريح لرفع رايات الأنسنة كما تقدّمت الجيوش البيضاء ، او حين صدح مواطنو ووهان والإيطاليين من أسقف منازلهم ومن بلكوناتهم يغنون أنهم شامخون لن ينفكوا يناضلون. هذا الإنسان الإنسان جدير بعالم مؤنسن يليق به.

مايهمنا هو أننا صامدون هنا فى منافي الهجرة وعيوننا على البلد الفقير. لن نتلاوم او نتعايب ونصب أعيننا وطن الديسمبريين والكنداكات ولن ندعه يلعق مزيدا من جراح الطاعون. لا شيئ يمكنه إنجاز مشروع التحرر الأكبر سوي ثقتنا فى بعضنا وإدانتنا لثقافات التحامل الجنساني والعنف المنزلي وغول الباطريارك اللعين الذي أخرجه الطاعون. اذا تصورنا مجازاً الشعب السوداني ككائن عضوي فان بقايا جماعة الإسلام السياسي المهزوم عبثاً يستثمرون جائحة كورونا لإضعاف جهاز مناعتة الإجتماعية والسياسية وتلويث رئتيه حتى الموت. نعم ،

لقد أورث طفيليو الاسلام السياسي اللصوصيون للديسمبريين دولة بدون أجهزة صحية واقتصادية، دولة خاوية على عروشها. لقد تعوّد اللصوص الساسة رجال الأعمال أن يضحوا بالشعب تجويعاً وإبادات حتي يتخمون، وجيوش تحت خط الفقر تتراكض فى الأسواق والقطاع الخدمي لسد الرمق، وهذا لعمري تحدٍ كبير لمقاومة وباء الكورونا. فى الواقع المرير أن خيار العزلة والحجر أو الخروج الي كورونا كلاهما مهلك ، ولكن الديسمبريون علموا الأقليم والعالم أجمع معاني الصمود. ينتمي الديسمبريون إلي أجيال مضت صامدة.

صمدت أمام وباءات الملاريا، والبلهارسيا، والحمي الصفراء، الحصبة، وطاعون الفقر المذل. وإكباراً لمعاني الإيثار والغيرية التي تعليها فلسفة العقل الجمعي سيجد عندنا الطاعون إرثاً باسقاً وأدباً ثراً على قفا من يشيل لحمته وسداه أخلاق العقل الجماعي ونفيره واستعداده للتضحية: لوعندك خت ، لو ماعندك شيل. هؤلاء أبناء وبنات أجيال تغنت بالحبة ملك الإتحاد ، وبالبنية الشايلة طولة البال من الله ومن أراضينا الإثارة ، أرفع صوتك هيبة وجبرة… نحن من شعب وثّق قادته مقطع شعرٍ عجيب يجلجل: أي المشانق لم نزلزل بالثبات وقارها، واستشهدوا بالآلاف على مر العقود. هؤلاء رضعوا من ثدي النفير العام والعقل الجمعي، لامحالة سينتصرون.

الفاضل الهاشمي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..