أخبار مختارة

وباء الكورونا وتداعياته الإقتصادية: قراءة أولية

د. التجاني الطيب إبراهيم

مقدمة: رغم أنه من المبكر الحديث بشئ من التفصيل عن حجم وأبعاد التحدي الإقتصادي أمام العالم بسبب وباء الكورونا، إلا أن القرائن الطبية تؤشر إلى أن هذا الوباء هو الأخطر منذ الإنفلونزا الأسبانية في عام 1918. لكن سكان العالم تضاعفوا حوالى خمسة مرات منذ ذلك الحين، مع تقارب إجتماعي بينهم غير مسبوق، علماً بأن الكثير منهم يعيشون في مناطق لا تتوفر فيها الخدمات الصحية الحديثة. وبينما أصابت الإنفلونزا الإسبانية ثلث سكان العالم، توفى منهم حوالى 50 مليون نسمة، إلا أنه ليس من السهل حالياً التنبؤ بعدد الأرواح التي سيحصدها فيروس الكورونا، وتداعيات ذلك على العلاقات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الوطنية والإقليمية والعالمية. أما من الناحية الإقتصادية، فمن المتوقع أن يؤدي الوباء إلى تباطؤ إقتصادي لم يشهده العالم منذ الكساد الكبير في عام 1930م، علماً بأن ذلك الكساد كان عن المال والإقتصاد، بينما وباء الكورونا فهو عن المال والحياة والموت. في هذه القراءة الأولية، سنركز النظر على تداعيات الوباء المالية والإقتصادية المحتملة عالمياً ومحلياً وما تم إتخاذه حتى الآن من إجراءات وتدابير لمواجهتها بواسطة أقطاب القرار السياسي والمالي الدولي.

تداعيات الوباء المالية والإقتصادية عالمياً ومواجهتها: أهم إنعكاسات الوباء على الإقتصاد العالمي أن يشهد النمو تراجعاً كبيراً في عام 2020م، مع توقع تحسن جزئي في عام 2021م. فنتيجة للتوقف شبه التام للعجلة الإنتاجية بسبب الإجراءات الإحترازية للحد من إنتشار الوباء، خاصة في الإقتصادات الرئيسية في أمريكا الشمالية، وأوروبا وآسيا، يمر الإقتصاد العالمي الآن بحالة من الركود، من المتوقع أن تزداد حدتها تدريجياً في الفترة المقبلة وحتى آخر 2020م. فبحسب سيناريو متقائل لمنظمة التجارة العالمية، فمن المتوقع أن يسجل إجمالي الناتج المحلي العالمي نمواً حقيقياً سالباً بنسبة 2,5% في عام 2020م، يتعافى بعده في عام 2021م، بنسبة 7,4% مع توقع أن تكون الإقتصادات المتقدمة كأمريكا والصين هي الدافع الأساسي لإنخفاض وإرتفاع معدلات النمو. أيضاً، يتوقع السيناريو إنخفاض التجارة السلعية العالمية بحوالى 13% في عام 2020م، مقابل توقع إنتعاش بنسبة 21% في عام 2021م. للأسف التراجع في نمو الإقتصاد العالمي من المتوقع أن يؤدي إلى دخول دول أفريقيا جنوب الصحراء في حالة ركود إقتصادي لأول مرة منذ ربع قرن من الزمان، حيث يتوقع أن ينخفض النمو الإقتصادي في الإقليم من 2,4% في عام 2019م، إلى ناقص 2,1 – 5,1% في عام 2020م، مع تكلفة خسارة إنتاجية قد تبلغ 37 – 79 مليار دولار، ما يقارب 5 – 10% من إجمالي الناتج المحلي للمنطقة (البنك الدولي). 

نتيجة لحالة التراجع الحاد في حركة الإقتصاد العالمي، تتوقع منظمة العمل الدولية الإستغناء عن 192 مليون وظيفة عمل في العالم خلال عام 2020م، منها 5 مليون وظيفة في الدول العربية. أما في القارة الأفريقية فيتوقع الإتحاد الإفريقي فقدان 20 مليون وظيفة بنهاية العام الحالي. أما إنخافض أسعار النفط بالنسبة للدول العربية المصدرة لهذه السلعة، فسيؤثر سلباً على إقتصادات الدول العربية غير النفطية بسبب توقع إنخفاض التحويلات المالية وتضاؤل تدفق السيولة النقدية، بالإضافة إلى تراجع المساعدات الخارجية والإستثمارات. ومن أكثر الدول العربية المتضررة مصر واليمن ولبنان والأردن وفلسطين والسودان، التي يمثل تدفق الأموال من منطقة الخليج حصة مهمة من إجمالي نواتجها المحلية. أيضاً من المتوقع أن يؤدي الهبوط في أداء الإقتصاد العالمي إلى إستمرار تراجع الطلب على سلعة النفط الحيوية، وبالتالي إنخفاض أسعارها مما سيؤثر سلباً على الدول المصدرة، وإيجاباً على الدول المستهلكة للنفط، خاصة البلدان الفقيرة كالسودان، التي ستتضرر أكثر من غيرها من تراجع أسعار السلع الأولية المصاحبة لإنخفاض الطلب. كما أن الركود الإقتصادي في الإقتصادات المتقدمة والناشئة الرئيسية سيؤدي بدوره إلى تراجع مستوى المساعدات والإستثمارات والقروض، خاصة للدول النامية والأقل نمواً.

فيما يتعلق بالتدابير الإنتعاشية التي أتخذت أو من المتوقع إتخاذها على مستوى العالم لمواجهة التداعيات المالية والإقتصادية المحتملة للوباء الكاسح، فإن الإجراءات المالية الرسمية على المدى القصير – والتي تترواح بين توفير السيولة وشراء الأصول وضخ رؤوس الأموال – كلها متطلبات أساسية لإحتواء تلك التداعيات وإعادة الثقة إلى الأسواق. في هذا الإطار، بلغ إجمالي التدابير المالية الإنعاشية لحكومات مجموعة العشرين (أكبر إقتصادات العالم) لمواجهة تحديات الكورونا حوالى 9 تريليون دولار حتى منتصف إبرايل 2020م، (منها 2 تريليون دولار للولايات المتحدة الأمريكية)، بالإضافة إلى 2 تريليون دولار من البنك المركزي الأمريكي، و 1,6 تريليون دولار من البنك المركزي الأوروبي. كما أعلن صندوق النقد والبنك الدوليين وبنك التنمية الأفريقي رفع طاقاتهم للإقراض الطارئ للدول الأعضاء إلى 100، و150، و20 مليار دولار حسب الترتيب. ونسبة لضعف السياسات النقدية (التدني الشديد لأسعار الفائدة)، فالسياسات المالية العامة قد تكون الأجدى في كثير من الإقتصادات المؤثرة على تخفيف آثار تراجع الطلب وكسر دائرة آثاره المرتدة السلبية بين القطاع المالي والإقتصادي الحقيقي. لكن من الضروري تنسيق مثل هذه السياسات عالمياً بنهاية 2020م، حتى لا يتطور الركود الإقتصادي ليصبح أزمة إقتصادية عالمية (كساد)، على أمل أن يبدأ الإقتصاد العالمي في تحقيق إنتعاشة متواضعة خلال النصف الأول من عام 2021م. بخصوص الدول النامية، فقد طالب صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة الصحة العالمية المجتمع الدولي بتخفيف عبء الديون على تلك الدول لمساعدتها في التعامل مع تداعيات وباء الكورونا بإعفاء خدمة الديون، المقدرة بحوالى واحد تريليون دولار (أوكسفام) حتى نهاية 2020م. كما إقترحت منظمة العون الإنساني أوكسفام حزمة متكاملة للدول النامية والفقيرة في حدود 2,5 تريليون دولار لتجنب وقوع نصف مليار شخص في دائرة الفقر، وعودة الحرب ضد الفقر إلى مربع الصفر.

الوباء وتداعياته على الإقتصاد السوداني: رغم صغر إقتصاده والعزلة السياسية والإقتصادية التي ما زال يعاني منها، فالسودان ليس معزولاً إقتصادياً عن بقية العالم. لذلك سيؤثر وباء الكورونا على وضع الإقتصاد السوادني سلباً وإيجاباً، بينما يكون تأثير الجوانب السلبية أكثر خطورة وأشد وطأة. فمن ضمن الجوانب الإيجابية للوباء أن تراجع أسعار خام النفط قد يقلل من دعم الخزينة العامة للمشتقات البترولية بحوالى 300 إلى 400 مليون دولار. كما أن إنخفاض أسعار النفط وأسعار المواد الأولية وأسعار بعض المنتجات النهائية سوف يخفض فاتورة الواردات، ما سيقلص من معدلات التضخم والضغط على أسعار صرف العملات الأجنبية قابلة التحويل. أما تداعيات الوباء السلبية، فهي أكثر وأخطر. أولاً: على مستوى الإقتصاد الكلي، إستمر النمو في التراجع خلال الربع الأول من عام 2020م، على عكس توقع موازنة 2020م، نمو إيجابي بنسبة 3%، مدفوعاً بإزدياد سرعة الضغوط التضخمية، حيث إرتفع معدل التضخم (إرتفاع الأسعار) من 57% في نهاية 2019م، إلى 71% في فبراير 2020م، مقارنة مع 29% حسب توقعات الموازنة لكل عام 2020م. إذا أخذنا في الإعتبار تداعيات الكورونا المحتملة عالمياً ومحلياً، فإن نمو الإقتصاد السوداني سيكون سالباً بنسبة 3% على أقل تقدير، ما يعني المزيد من البطالة والفقر. ثانياً: عدم تمكن المنتجين من الحصول على مدخلات الإنتاج والمستهلكين من الوصول للأسواق بسبب الحجر المنزلي والتباعد الإجتماعي قد يؤدي إلى أزمة غذاء عالمية، ما سيؤثر سلباً على فاتورة الواردات الغذائية والإيجابيات التي ذكرناها أعلاه. ثالثاً: النقص في الإيرادات العامة نتيجة لتباطؤ الإقتصاد المحلي المتوقع سيشكل تحدياً حقيقياً لبلد أقعدته الحرب والصراعات والدولة الرخوة. لهذا فلابد من إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الجاري دون المساس بالنفقات التنموية الشحيحة أصلاً، والإبتعاد عن زيادة العبء الضريبي على المواطنين والقطاع الخاص، وزيادة المواهي والأجور، و”رفع” الدعم في ظل تفلت سعر صرف العملة الوطنية ومعدلات التضخم الجامع حتى لا تجنح العجلة الإنتاجية إلى مزيد من الركود، مما سيزيد من تعقيد الوضع الإقتصادي وإصلاحه. رابعاً: على صعيد ميزان المدفوعات، فهبوط أسعار النفط ومشتقاته سيساهم في خفض العجز التجاري، وبالتالي الفجوة في الحساب الجاري لعام 2020م، في حالة عدم فجوة غذائية عالمية. وهذا بدوره قد يؤثر إيجاباً على صافي إحتياطي النقد الأجنبي المتدني. خامساً: من المتوقع أن يتأثر الإقتصاد السوداني من إحتمال تراجع الإستثمارات الأجنبية المباشرة، والصادرات وتحويلات المغتربين السودانيين. إن السواد الأعظم من صادرات السودان يذهب إلى الخليج وشرق آسيا، والتي سوف تتأثر بضعف الطلب الخارجي، نتيجة للوباء. كما تشير المعلومات المتوفرة إلى أن جزءاً كبيراً من الإستثمارات الخارجية المباشرة وتحويلات المغتربين تنساب من دول مجلس التعاون الخليجي، ومن المتوقع أن تنخفض هذه التدفقات إذا بقيت أسعار النفط دون مستواها قبل إنتشار الوباء. سادساً: الركود الإقتصادي في الدول المتقدمة والناشئة والنفطية سيؤثر سلباً على مساعدات هذه الدول للسودان، لأن الضغوط الداخلية في تلك الدول قد تضطر حكوماتها إلى خفض مساعداتها أو وضع شروط بشأنها لزيادة نفوذها السياسي والإقتصادي. وهذا أمر لابد أيضاً من إتخاذ التدابير الإحترازية لمواجهته.

بناء على ما سبق سرده، فإن المرحلة القادمة قد تشهد ملحمة آخرى من ملاحم شد الأحزمة في السودان، وعلى الحكومة أن تخطط وتجعل لديها خيارات وخططاً وحلولاً بديلة لما قد يحدث على صعيد الإقتصاد المالي والكلي. المهم في هذه المرحلة هو تعظيم السلبيات والإستعداد لمواجهة الأسوأ حتى لا تتفاجأ الحكومة عند وقوعه. لكن ما يدعو للقلق في هذا الإطار، هو أن لا يتم مراجعة النهج الإقتصادي القائم، والذي ستدافع عنه الفئات التي أستفادت منه وما زالت تستفيد، رغم فشله في إحداث نقلة نوعية في حياة المواطن. لكن المسئولية والواجب الوطني يفرضان المساهمة الصريحة والشجاعة والموضوعية في حوار شفاف بين الأطياف الإقتصادية والسياسية والعسكرية من أجل الوصول إلى برنامج وطني لمواجهة التحديات الإقتصادية، يهدف أولاً وأخيراً إلى زيادة إعتماد الإقتصاد الوطني على موارده الذاتية قدر الإمكان. وهذه دعوة لصانعي القرار السياسي والإقتصادي، لعل أن يتلقاها عاقل.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق