مقالات سياسية

قوش … الصندوق الأسود

الرشيد العطا

ما يزال صلاح قوش مؤثرا بقوة في الجو السياسي السوداني. وما زال شبحه يتجول بيننا وإن بعد جسداً عنا. لابد أن غالبية السودانيين قد لمسوا أن فعله بوجهيه سلباَ وإيجاباً، ما انفك يتفاعل بيننا بقوة. بين لاعن له متهم إياه بفظائع إرتكبها في حق الشعب. وبين شاجب للاعنيه يستند الى حقيقة أنه ساند شباب الثورة خلال هبتهم التاريخية.

على المستوى الشخصي، كنت قد وجهت رسالةً الى قوش عبر صحيفة (الراكوبة) عند عودته مرة ثانية لإدارة جهاز الأمن. بعد أن أبعده البشير لفترة ليست بالقصيرة. الرسالة في مجملها كانت ترحيباً بعودته وحثاً قوياً له على الإخلاص والتفاني في محاربة الفساد، دون استثناء لكائن من كان. وكان أن رد على الرسالة من خلال صحيفة (الراكوبة) أيضاً. اعتبرت حينها أن رده على رسالة مواطن أغبش في حد ذاته يبشر بخير. لابد أن الرسالتين محفوظتان في أرشيف (الراكوبة).

ثم عكفت على تنسم أخباره ومستوى أدائه عن طريق الأخبار العامة وبعض شهادات العيان من أصدقاء ثقاة لا يكذبون. تركيزي عليه كان نابعاً من خير توسمته فيه؛. بعد إعادته للجهاز بعام. تجمعت لدي دلائل أكدت لي أن الرجل يبلو بلاءا حسناً في محاربة الفساد. رغما عن أن مافيا الفساد بالسودان كانت في مستوى قوة وتنظيم وتشابك ودموية مافيات ايطاليا وأمريكا اللاتينية. وهي ما زالت كذلك بالرغم من أن حاضنيها وآبائها الروحيين في سجن (كوبر) بمن فيهم رئيسها البشير. رغما عن ذلك فالفساد ما زال موجوداً وما زال يستشري كما تشاهدون. في مآسي ارتفاع الدولار العامودي. وحرق حقول القمح. وانعدام ضرورات المعيشة… دلائل لا تخفي على ذي عقل. فان كان الأمر كذلك. والشعب كل الشعب ثائر على الفساد والمفسدين. وشيوخ الفساد في المحبس. فكيف بالله كان حال (قوش).والفساد كان محروساً بالرئيس. وبزوجة الرئيس. وإخوة الرئيس. والكيزان من بعد ذلك ظهير. إنها المهمة المستحيلة كان مناطاَ ب (قوش) القيام بها. ورغماً عن قربها من المستحيل فقد حقق فيها الرجل نجاحات لا تخفى على مراقب. في فترة هي من أصعب الفترات وأوسخها في كل تاريخ السودان.
ذلك جهد كبير في رأيي يحمد له ويصب في صالحه.

ثم دعونا نقرأ اللغط الحاصل حول اصطفافه في جانب الثوار. وعصيانه لأوامر البشير. واصداره الأوامر لقواته بالانسحاب… وتسهيل وصول شباب الثورة الى القيادة. نحن نعلم أنه (لا دخان بلا نار no smoke without fire).. وهو مثل إنجليزي يمكن تفسيره الى (وراء كل إشاعة شيء من الحقيقة) هذا إذا إعتبرنا أن اصطفافه لشباب الثورة إشاعة. لكن وقوفه مع الثوار حقيقة لا ريب فيها. سلوا عنها السيد (حميدتي والبرهان وحتى بعض النشطاء في قحت بل إسألوا البشير نفسه). ولعلكم تذكرون تأكيد السيد (محمد وداعة) على ذلك في برنامج تلفزيوني مؤخراً. تلك مواقف حقيقية لا يجب أن تتدخل العاطفة فيها. بل يجب أن توثق بتجرد كما هي. رضينا أم أبينا. وياما شوهت العواطف تاريخ الأمم. بل شوهت كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

يعترض معترض… ( لقد سجلت الكاميرات قتل رجال قوش للثوار وسجلت كذب قوش مثلا في تبريره لقتل (الدكتور) الشهيد. ومحاولة أتهام فتاة شنطة اليد والرشاش الشهير)… أقول نعم… تلك حقيقة. وقد نجد لبدايات مواقفه سبباً منطقياً. فالرجل سياسي في الأساس. والحنكة السياسية تفرض عليه التريث بعض الوقت. لتقييم مجمل الأمر. ثم اتخاذ موقف. وقد تريث. وفي الفترة ما بين التريث واتخاذ الموقف وقعت تلك الوقائع… وتلك جرائم مؤكدة.لكن….

(قوش) صندوق أسود. يحتوي على قاعدة بيانات دقيقة ومفصلة عن حقبة الثلاثين سنة الماضية. بكل قاذوراتها وأوساخها التي لم يشهد لها السودان مثيلاً. في حيثياتها جرائم ومجرمين ومتعاونين وفاسدين ومفسدين وفاسقين ومفسوق بهم.

ولن يبخل الرجل حتى بفضح الكيزان ويكشف أوكارهم وكتائب ظلهم، وما أكثر ما نجهل عنهم. فهو لم يكن على توافق دائم معهم.

والأمر كذلك، لست قانونياً لكنني مطلع بما يجعلني أقترح أن يؤخذ (قوش) كشاهد ملك. وتضمن سلامته وعدم محاكمته. ولنتخيل الفائدة العظمى التي تستفيدها الثورة من شهادات الرجل. مقارنة بكل الذي نجنيه من محاكمته التي لن تتعدى كونها (فش مغسه).

أتمنى أن لا يترسب في النفوس أن في ذلك خيانة لشهدائنا الأبرار.. فالشهداء إنما ضحوا بأرواحهم الغالية في سبيل انتصار الثورة. والقصاص من الكيزان الذين أجرموا في حق الشعب. لاشك أن صلاح قوش قد أجرم بطريقة أو بأخرى. لكنه شخص واحد مكشوف لدينا. يمكننا تجنب شره.. لكن ماذا عن الآلاف الذين لا نعرفهم. ونعاني منهم الآن في كل يوم. فبالمنطق إذا كشف لنا هذا الذي نعرفه وهو واحد آلافاً من الذين لا نعرفهم. وهم في القوات النظامية والخدمة المدنية وكل مرفق. ألا يعد ذلك مكسباً للثورة والشهداء والثورة؟

الرشيد العطا – مسقط

‫8 تعليقات

  1. ( الأمر كذلك، لست قانونياً لكنني مطلع بما يجعلني أقترح أن يؤخذ (قوش) كشاهد ملك. وتضمن سلامته وعدم محاكمته. )

    يشهد على من ؟ و ما هي القضية ؟

    اعتقد انه لو بدأت المحاكمات فلا حاجة لشهادة قوش !!!

    1. شكرا أخي حيدر على المداخلة
      شهادته التي عنيتها ليست فقط ضد المجرمين الذين نعرفهم. أمثال البشير وبقية الأشرار الكبار. هناك آلاف لا نعرفهم. قتلة مجرمون. وهم حتى ينشطون هذه الأيام. يديرون الثورة المضادة من مخابئهم. نحن لا نعرف كتائب الظل مثلا وقد لا نلقي القبض على الاف منهم. أو على الأقل نبعدهم من مواقع صنع القرار لنأمن شرهم. ثم ان قوش يعرف كل نوايا استخبارات الدول الأخرى في الاقليم.. المعلومات التي يمكن لحكومة الثورة أن تستخلصها منه ليست فقط عن هؤلاء الكبار. لكن يا أخي ما خفي أعظم ونحن نعاني الان كل يوم من ما خفي.
      شكرا لك مرة أخرى ولك السلام

  2. حديث الاستاذ / العطا له التحية منطقي أذا اضيف لذلك تحلله مما اكتسب حراما و اعادة امواله كاملة

    1. أشكرك أستاذي عبد القادر على إضافة وجوب تحلله وإرجاع فلوس الشعب. نقطة هامة غابت عن موضوعي……. بوركت.

  3. (ثم دعونا نقرأ اللغط الحاصل حول اصطفافه في جانب الثوار. وعصيانه لأوامر البشير. واصداره الأوامر لقواته بالانسحاب… وتسهيل وصول شباب الثورة الى القيادة. نحن نعلم أنه (لا دخان بلا نار no smoke without fire).. وهو مثل إنجليزي يمكن تفسيره الى (وراء كل إشاعة شيء من الحقيقة) هذا إذا إعتبرنا أن اصطفافه لشباب الثورة إشاعة. لكن وقوفه مع الثوار حقيقة لا ريب فيها.)
    جاء في هذا المقال المُقتطف أعلاه. وهو كلام قد يجوز على مَنْ لم يعاصر إعتصام القيادة. وقد شهدت بأم عيني رأسي عناصر أمن قوش تأتي قبل شروق الشمس، منذ فجر 7 أبريل 2019م وحتى 9 أبريل وتفتح النار على المعتصمين العزل، وفي أحد الأيام تمركز قناصة أمن قوش في العمارة غير المكتملة المقابلة لمباني القيادة، خلال تلك الأيام كان الشرفاء من عناصر الجيش يحمون الثوار. وهذا لا يحتاج إلى شهادة مني أو من غيري، فدون من يشكّك في ذلك الفيديوهات التي تملأ الفضاء السايبيري. وبعد ذلك يأتي من يتحدّث عن وقوف قوش مع الثوار وحمايتهم !؟ وعن أهميته في توفير المعلومات مقابل ضمان بقائه على قيد الحياة !! حاجة غريبة.

    1. السلام عليكم أستاذ عبد المنعم…. أصدقك في كل ما شاهدت بأم عينيك من فتح النيران على الثوار واعتلاء نفر المباني لقنصهم. بل انا شاهدت كثيرا من ما شاهدته أنت على قنواة تلفزيونية عديدة.
      الأحداث في تلك الفترة كانت أحداثاً إستثنائية غير مسبوقة في أي بلد آخر في العصر الحديث. ولم أسمع أو أقرأ عن شبيه لها في التاريخ. هل تتفق معي أن طيلة تلك الفترة العجيبة قد اختلط الحابل بالنابل؟ بمعنى أن كتائب الظل ظهرت في يونيفورم الشرطة. واستخدمت مركبات مطابقة لمركباتهم. وكتائب مجاهدي طلبة الحزب الوطني تخفت في ينيفورم الدعم السريع واستخدمت مركباتهم. بحيث لا يمكن لأي مراقب أو مشاهد أن يجزم بقطعية أن زيداً هو عمرواً أو العكس. وليس سراَ أن شبهات كثيرة قد ألصقت بالدعم السريع وقائده حميدتي. في حين أن كل يوم يمر يثبت لنا اصطفاف القائد حميدتي في جانب الثوار. ولولاه لكان الحال حالاً آخراً..
      هذا مع يقيني بأن لا برهان ولا حميدتي ولا قوش ولاالصادق المهدي ولا قحت ولا كتائب الظل ولا كائن من كان يقدر على الوقوف في وجه هذا المد الشبابي الكاسح ويرجع عجلة التاريخ للوراء.
      كل ما أبحث عنه في موضوعي هو توفير دماء شبابنا واختصار السنين على الوطن العزيز للسير قدماً الى المكانة التي تليق به.
      بالرغم من تلك الحقائق التي لا جدال فيها، دعني أوافقك أن كل ما رأيته وخلصت على أنه جرائم ارتكبها الأمن ومن ثم تقع مسؤوليتها على صلاح قوش. علما بأنني لم أبريء قوش في مقالي عن بعض الجرائم…
      ودعنا نزيح العاطفة جانباً في هذا الأمر.. ونحكم العقل……
      قوش نفر واحد… اذا سلمنا بأنه عدو. فهو عدو واحد. وهو معروف لنا. يمكننا التخلص منه. ماذا عن آلاف الأعداء الذين لا شك البتة في عداوتهم للثورة. وهم يزعجوننا يومياً. ويعرقلون مسيرة الثورة بكل ما أوتوا من قوة. ولا نعلم ما يدبرون لنا من مكائد مهما طال الزمن. اولئَك هناك فرصة اذا إعتبرنا قوش شاهد ملك. أن يكشفهم لنا. وهو القاعد على كنوز من المعلومات لا تقدر بثمن. ويمكن أن يكشف لنا ألاف الأعداء المجهولين. فنتخلص منهم بصورة أو بأخرى. أو نبعدهم عن سكة ثورتنا.. فما هو الأنفع للثورة إزاحة عدو واحد معروف لدينا أو عشرات أعداء نجهلهم.؟
      ولك الاحترام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق