مقالات وآراء

 النعي على طريقة رثاء البحر الميت

رحم الله الدكتور منصور خالد الذي توفي يوم 23 أبريل الجاري ، فقد عاش حياة حافلة ومؤثرة في مجالات الفكر ، والسياسة ، والثقافة ، والدبلوماسية ، وقد كان لوفاته وقعاً حزيناً على الجميع ، بحسبانه رقماً سودانياً مميزاً يصعب تجاوزه .

تسابق كثير من الناس نعياً له ، وتعزية ومواساة لأهله ، ورثاءً لشخصه الفاعل في المجتمعات المحلية ، والإقليمية ، والعالمية ، وأحسب أنه من المستحقين ، لأن يقول الناس كلمات طيبات تزين جيد حياته الدنيا ، التي قضاها بذلاً عملياً واجتهاداً فكرياً ، وتدعم على سبيل النوايا الحسنة مسيرته الأخروية ، التي هي الآن بين يدي رؤوف رحيم .

إطلعت على نعي خطه يراع إمام الأنصار الصادق المهدي ، وهو من أصحاب الباع الطويل في السياسة ، واللغة والفكر ، وخبير في الرمي بالكلمات والعبارات ، وتوجيهها حيث تحملها الرياح أينما وكيفما يريد لها ان تصل للعلم ، او لتصيب في مقتل ، او لتثير الغبار فقط .. النعي كما هو معلوم هو الإخبار بوفاة شخص ما ، ليهبَّ الناس للصلاة عليه وهو غير الرثاء ، الذي يعني تعداد خصال الميت ، مع التفجع عليه ، والتعزي بما كان يتصف به من مكارم ، أي ذكر محاسنه .. ما تناوله الإمام المهدي لا يمكن اعتباره نعياً ، لأن الإخبار بوفاة المتوفي نقلتها كل الوسائط ، وسار بها الركبان بمختلف دوابهم ، ولا يعتبر رثاءً لأن الرثاء يشتمل على ذكر محاسن الميت ، دون التطرق او الإشارة لمثالبه ، أو ما يمكن تصنيفه كشائنة للمتوفي ، كما أنه ليس تعزية لأن التعزية لا تخرج عن حيز المواساة لأهل ، وأصدقاء ومعجبي المتوفي مع طلب الغفران له .
إذن فإن ما خطه يراع إمام الأنصار ، أعتقد أنه ادب جديد ، أو فرع من فروع الأدب غير المطروق كثيراً ، وهو أدب نبش أخبار الموتى ، وهو أقرب لكشف الحال منه لأسباب النعي ، او الرثاء ، او العزاء ، فماذا كتب السيد الإمام ناعياً !!؟  “توفي دكتور خالد المثقف السوداني الذي أكمل كل مراحل التعليم داخل الوطن وخارج الوطن في الولايات المتحدة وفرنسا، ولم يكتف بالتأهيل الأكاديمي كما يفعل كثيرون بل حرص على ارتقاء سلم ثقافي طويل، وخلط ما بين الحصيلة الثقافية والسياسية والدبلوماسية”.

انتهى الناعي الإمام قال أن المرحوم حرص على ارتقاء سلم ثقافي طويل ، وخلط بين الحصيلة الثقافية ، والسياسية ، والدبلوماسية ، والخلط هو : ضم أشياء إلى بعضها البعض كيفما اتفق ، مثل خلط اللبن بالماء لأغراض البيع ، وهو أقرب للخلط الزائف ، وهو بلا شك ليس محمدة ، وإنما وسيلة معيبة شرهة ، توحي بحرص المرحوم على استخدامها كوصفة غبشاء ، لارتقاء المجد عبر سلم ثلاثي الأبعاد ، غير متوافق ، وغير متجانس ، أو كما يفهم من سياق المكتوب .

أضاف الناعي : “ومع تقديري لقدراته لم يقم بيننا في حياته ود لأنني عتبت عليه بشدة دوره في دعم نظام مايو الاستبدادي، ودوره في الزج بقيادة الحركة الشعبية نحو تطلعات وهمية، بينما كان يمكن أن ترفد الصحوة الوطنية السودانية برافد بناء، كما عتبت عليه تركيزه على نصف الكوب الفارغ في تناول العطاء الوطني السوداني”.

انتهى اعترف الناعي بأن الود كان مفقوداً بينه والمرحوم في حياته ، لأسباب أوردها ، وهي أسباب سياسية لا تخرج عن قضايا الرأي والرأي الآخر ، وما كان لها أن تكون سبباً ليقطع المسلم أخاه المسلم ، وقد كان الأصوب أن يسامح الإمام الصادق المرحوم قبل وفاته ، أو يتصالح معه بصفته زعيماً لطائفة دينية ، لها تاريخها في الحياة الدينية ، والسياسية السودانية ، وحتى ولو عجل الزمان برحيل الرجل ، فما المانع من كتمها والاستغفار من تداعياتها رحمة بنفسيهما ، من باب أذكروا محاسن موتاكم ، بدلاً من نبشها في بواكير الوفاة ، والحزن سيد للموقف .

لا نرغب في خوض تفاصيل تؤكد ، أو تنفي إدعاءات الإمام الصادق في حق الرجل ، لعدم أهمية صحتها من عدمها بالنسبة لنا ، ولكن تقييمي للنعي الذي تفضل به سعادة الإمام المهدي في حق المرحوم الدكتور منصور خالد ، شبيه بالرثاء الجائز في حق الأشياء ، مثل رثاء المدن الهالكة ، والبحار الغائرة ، والتي يجوز فيها ذكر محاسن الموتى من الأشياء ، مع ذكر منقصاتها وسوءاتها ، ولعل التاريخ يفصح أن عدداً لا يستهان به من النعاة قد رثى البحر الميت ، الذي خلق ميتاً منذ أربعة آلاف سنة، فمنهم من نعاه ورثاه كبحر ميت ومنقطع ، ذاكراً محاسنه المتمثلة في هوائه النقي ، وشواطئه الخصبة ، ومياهه العلاجية ، ومناخه الدافئ ، وأجوائه السياحية ، ورغم ذلك لم ينسوا ذكر استحالة العيش للكائنات الحية داخله ، مع تبيان ظروف خلقه المؤلمة ، كعقوبة أبدية لقوم سيدنا لوط عليه السلام ، الذين احترفوا الفاحشة ، ولم يستبينوا نصائح نبيهم بالتوبة ، والرجوع لربهم ، فخسف بهم الأرض ، وجعل عاليها سافلها ، أي جعل قراهم الخمسة مدمرة ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل ، وقذف بحطامها أسفل البحر الميت ، الذي يعتبر أخفض نقطة على سطح الأرض ، إذ يقول الله تعالى فيهم ( وجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ) الحجر 74 .. وهنا تستوي محاسن البحر الميت مع مساوئه كقدر إلهي محتوم ، لا حرج على من يتناول سيرته وبأي صورة ، عكس الانسان المسلم الذي يستحق الاكرام بذكر محاسنه ، بعد موته كسنة واجبة الاتباع . عباس فوراوي … ابريل 2020م
عباس فوراوي
[email protected]

تعليق واحد

  1. إني لأتعجب، كيف سيكون رثاء ديناصور أم كتيتي، الذي قتل السودان، إن رثاه شخص ما !!!!

    من أين سيأتي بمحاسن، لمن لا محاسن له ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..