مقالات سياسية

لجنة تفكيك التمكين .. استرداد ملامح الثورة

لؤي قور

جدل كثيف شهدته الأيام الماضية، حول قانونية وصلاحيات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، وازالة التمكين، واسترداد الأموال. وكان أبرز ملامح ذلك الجدل مناداة “حزب الأمة القومي”، وفي وثيقة سماها “العقد الإجتماعي الجديد”، بحل “لجنة تفكيك التمكين” صراحة! على الرغم من تأكيد ذات العقد على أهمية تفكيك تمكين نظام الإنقاذ البائد، وكان الإعلان عن هذا العقد مصحوباً بإعلان للحزب عن تجميد نشاطه في هياكل قوى الحرية والتغيير لمدة أسبوعين. الشئ الذي أثار جدلا هيكلياً، وتساؤلاً مهماً حول “هل لحزب الأمة تمثيل في هياكل قوى التغيير بخلاف ممثليه ضمن كتلة نداء السودان؟”.

سبق ذلك مقال مطول للخبير القانوني ورئيس لجنة التحقيق في جريمة فض اعتصام القيادة “نبيل أديب”، يقرر فيه أن “المصادرة”، ليس من صلاحيات لجنة تفكيك التمكين، وإنه يلزم حكم قضائي ليصح استرداد مثل هذه الممتلكات قانوناً. وسلك في ذلك مذاهب شتى، قبل أن ينفي نيته تمثيل أي من أزلام النظام البائد ضد قرارات اللجنة. لكن وعلى الرغم من كل هذه التحفظات والمناوشات والضغوط على اللجنة من عدد من الأطراف، يبدو أن اللجنة انتصرت في نهاية المطاف، وهي ماضية لغاياتها في تفكيك تمكين الإخوان الذي امتد لثلاث عقود حسوما.

العقد الاجتماعي “الجديد”، الذي خرج به حزب الأمة، يطرح نفسه بديلاً للوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس من العام الماضي، والتي تحكم كامل الفترة الانتقالية، بعد أن توافقت عليها مكونات قوى الحرية والتغيير، واعتمدت كدستور للفترة الانتقالية. الشئ الذي عده مراقبون بمثابة محاولة إعادة عقارب الساعة للوراء، إلى ما قبل تشكيل الحكومة المدنية، والنكوص جملة عن كل ما توافقت عليه قوى التغيير من أنصبة للكتل الممثلة للثورة في هياكل الحرية والتغيير.

المهدي المُهدد بأن تطال أحكام تفكيك التمكين من يقربون إليه بالمصاهرة، يتطلع لعقد اجتماعي جديد مع الإخوان، يُتيح لهم الإفلات من سيف التمكين ولو كان ذلك بالنكوص عن كل ما توصل إليه الحزب ضمن كتلة نداء السودان مع بقية قوى التغيير من تفاهمات شكلت أساس البنيان السياسي السوداني الحالي. على الرغم من أن مُقربين من بقية الكتل المكونة للتحالف قللوا من شأن عقد المهدي الاجتماعي، وعدوه مجرد “مناورة سياسية”، تسعى لمكاسب أكبر. باعتبار أن ما ورد في نصوص “العقد الاجتماعي” يتجاوز المنطق بدرجة تشكك في جدية مطالبة المهدي وحزبه به، وأن التحالف غالباً ما يتجاوز هذه العقبة مع الحزب حال إفصاحه عن مطالبه المنطقية والواقعية، والتي تتعلق بإصلاح هياكل قوى الحرية والتغيير، وليس المطالبة بإعادة هيكلتها وفقاً لظروف غير التي تم التوافق عليها فيها باعتبار أن ذلك من نافلة القول والتفكير.

رئيس لجنة التحقيق في حادثة فض اعتصام القيادة الخبير القانوني “نبيل أديب”، المحسوب على قوى الثورة على خلفية عضويته في “اللجنة القانونية لتحالف قوى الحرية والتغيير”، وفي رد على انتقادات وجهت له حاول تبيان أنه لا تعارُض بين رئاسة لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة، والمرافعة أمام المحاكم عن موكلين، ولو كانوا من رموز النظام البائد الذين طالتهم أحكام أمام المحاكم. لكن “أديب” نفى لاحقاً نيته الترافع عن أي منهم، وعزا الأمر إلى “الحسد”، مشيراً إلى أن السبب في انتقاده واتهامه بالدفاع عن أحد رموز النظام البائد تمت مصادرة أملاكه، ربما كان نوعاً من التمييز الديني الموجه ضده باعتباره مسيحياً.

وجماهيرياً أخذت لجنة تفكيك التمكين زخماً كبيراً، ووجد عملها الاستحسان من غالبية جماهير الشعب الثائر. إذ تمثلت فيها سلطة الثورة وجبروتها وهي تعلن استرداد الأموال المنهوبة في نهاية كل أسبوع، كرمزية حية لانتصار الثورة، وتمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بالتعليقات على نشاط اللجنة ودورها المتعاظم في اجتثاث فساد الإخوان المزمن، مصحوبة بدعوات لحماية لجنة تفكيك التمكين والدفاع عنها ضد كل من تسول له نفسه المساس بعضويتها وصلاحياتها. فاسترجعت اللجنة شيئاً من عنفوان ثورة “ديسمبر/أبريل” المجيدة، وصار الجميع على علم بما قد يعترض طريقها من أشخاص ومن عقبات.
واليوم تعلن لجنة تفكيك التمكين عن تعديلات في قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في الجريدة الرسمية، منحت اللجنة حق حجز واسترداد أي أموال ناتجه عن أعمال التمكين، او أي فعل من أفعال الفساد واسترداد الأموال لخزينة الدوله مباشرة دون اللجوء للقضاء، بالإضافة إلى إنشاء نيابة مختصة بقضايا التمكين، ولجنة خاصة بإدارة الأموال المستردة، ومنحت الدولة والأشخاص حق المطالبة بالتعويض عن فوات الكسب، أو تسبيب الخساره عن أي فعل من أفعال الفساد أو التمكين الوارده في قانون إزالة التمكين. الشئ الذي يشي بأن لجنة التفكيك ماضية في استرداد الأموال المنهوبة، رغم التحديات التي ظلت تواجهها بين حين وحين.

الإجماع الثوري الذي وجدته لجنة تفكيك التمكين، والسند الجماهيري الذي تجده قراراتها جعلت من غير السهل محاولة الإنتقاص من سلطاتها لاعتبار أو لآخر، وباءت محاولات عديدة لإعادة هيكلتها بما يغير من ملامحها الثورية بالفشل. كان أبرزها الشهر الماضي، حينما علت أصوات من داخل المجلس السيادي تطالب بإعادة هيكلة اللجنة وزيادة عضويتها. لكن اللجنة ما لبثت أن عادت للعمل بعضويتها المعتادة، واتخذت قرارات مؤلمة بحق الإخوان كان أبرزها حل منظمة الدعوة الإسلامية، الذراع الأساسي الداعم لجماعة الإخوان في السودان، والتي تُلي بيان انقلاب الثلاثين من يونيو من داخل مبانيها، وتم استرداد عدد من المباني والأراضي المنهوبة، وقضت اللجنة باسترداد “هيئة النقل النهري”، التي ضمها الإخوان لاستثماراتهم في خضم حُمى تمكين نظامهم على حساب المؤسسات العامة، والتي كان النقل النهري أحد ضحاياها.

واليوم تحسم التعديلات التي أجريت على قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين واسترداد الأموال الجدل حول قانونية مصادرة الأموال المنهوبة مباشرة، ودون اللجوء للقضاء. لتمضي لجنة التفكيك بقوة دفع أكبر، وبمواقف قانونية وعدلية أكثر سلامة، تفسد محاولات الإخوان الأخيرة للإفلات من المحاسبة على عقود ثلاثة من الفساد الممنهج وصلت البلاد فيها لحدود الإفلاس.

لؤي قور
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق