مقالات سياسية

لماذا اصبحت عملية إعادة  السودان لوضعه الطبيعي في الساحة الدولية ليست بالمهمة السهلة؟

استيفن امين أرنو

هنالك موضوعان اساسيان يشغلان الساحة السودانية دفعانا للكتابة؛ الأول يتمحور حول التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية من حيث تعبئة الدعم الإقليمي والدولي لمساعدة السودان في عملية الانتقال الي مرحلة ما بعد استبداد النظام البائد. والثاني هو التقرير الأمريكي حول ملف الحريات الدينية.

فمن وجهة نظري؛ ان هاتان المسألتان مرتبطتان و تؤثران على بعضهما البعض. فمثلاً فشل حكومة الثورة في جذب الدعم الإقليمي والدولي في ظل الوضع الإقتصادي و المعيشي الطاحن له اسباب مرتبطة مع قضايا الحريات و الديمقراطية و الاصلاحات في نظام الحكم بالرغم حداثة عهد الحكومة.  

في الحقيقة و بالرغم من التغيير الذي طرأ بالسودان ظل المجتمع الدولي يبحث عن إجابة عما إذا كانت هناك مؤشرات للتغيير في النظام. هذا السؤال ليس بالسهل لان تغيير الأنظمة يختلف عن تغيير القيادات و الحكومات. و هنا تجدر الإشارة إلى أن الحكام قد يتغيرون بينما يظل النظام كما هو، أو قد يتغير النظام بينما يظل الحكام على حالهم. علي سبيل المثال بعد وفاة جومو كينياتا الرئيس المؤسس لدولة كينيا؛ صاغ الرئيس الراحل دانيال اراب موي مصطلح نجايو (Nyayo) و التي تعني “علي أثر الراحل” في محاولة منه لاقناع اعضاء الحزب الحاكم و المنتفعين بالاستمرارية في سياسات سلفه كينياتا حتي يحصل على قبولهم له. لفترات طويلة تغير الحكام في كينيا لكن لم يتغير النظام، حتي بعد خسارت موي للانتخابات الرئاسية عام 2004م لنائبه السابق مواي كيباكي نجد ان الحاكم تغير مع بعض المناهج و السياسات و المؤسسات لكن ظلت النكهة الكينية في السياسة و اضحة الملامح في النظام الجديد ولم يسلم كيباكي من السقوط في مستنقع الفساد، فقد زور ارادة الكينيين كسلفه و رسخ لسياسات التمكين المبنية علي الاثنية السياسية.

وفي السودان رسم الرئيس الراحل جعفر نميري نموذجا لتغيير نظام الحكم دون تغيير الحكام، حيث تأرجحت سياساته و نظام حكمه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين حيث لم ينتقل النميري فقط من الناحية الإيديولوجية كما كان حاله عندما تأرجح من القطب الروسي إلى القطب الغربي والأمريكي ، بل تحول فيما بعد من محور الحزب الشيوعي إلى التيار الإسلامي.  هكذا تغير نظام مايو بينما بقي الحاكم، مما جعل السودانيين يعدلون مقولة الأديب الفرنسي جان-بابتيست الفونس كار (Jean-Baptiste Alphonse Karr) المشهورة لوصف الظرف السوداني بانه  “كلما تغيرت الأوضاع السياسية في السودان  كلما بقيت كما هي”.

فقبيل سقوط نظام عمر البشيرببضع سنوات تعاملت معه القوي الغربية و في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي  ابتدرت مشروع الهبوط الناعم كمقدمة لتغيير النظام دون تغيير الحاكم مع بعض الإصلاحات في مكونات الحكم و وضعوا شروطاً لعلاقات السودان الخارجية و العلاقة بين الحكومة و المجتمع من بينها تحسين  ملف السودان في حقوق الانسان كإتاحة الحريات الشخصية/ الفردية و الحريات الدينية، ايصال المساعدات الإنسانية لمناطق الحرب، و قف العدائيات و الشروع في احلال السلام. الجدير بالذكر ان نظام البشير خطي خطوات جعلت ادارة الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما يرفع بعض العقوبات الإقتصادية عن السودان و لكن لم يزال ملف الهبوط الناعم في انتظار خطوات جادة من الحكومة السودانية لإستيفاء الشروط الأمريكية بالرغم من سقوط نظام البشير مما يؤكد أن تغيير الأنظمة لها مؤشرات و اشارات واضحة. الغرب معروف بفهمه العميق للتمييز بين نظام (regime) و حكومة (government) ؛ و دولاً مثل بريطانيا و الولايات المتحدة لهما تقليد ثابت قلما يخرج عنه السياسيون كالفكر الليبرالي الديمقراطي الذي يعتبر من الثوابت في السياسة و نظام الحكم.

فالسوأل هل للسودان ثوابت؟ الإجابة بدون تردد نعم! فقضية الهوية و توجه السودان الخارجي يوحي ان للسودان ثوابت غير معلنة. فكل الأنظمة التي تعاقبت علي الحكم حافظت علي هذه الثوابت و يؤكد ذلك ما ذهب اليه  حسن الترابي في قانون التوالي، و هذا الامر يبرر وجود العسكر كضامنين للفترات الانتقالية بالرغم من ان مثل هذا الدور لا يتطلب و جودهم في الحكم و السياسة لأن لهم مسؤلية دستورية تجاه الشعب و حماية الدستور و حكومة الشعب. لكن وجودهم في الحكم و في مفاوضات السلام انما يهدف لحماية هذه الثوابت التي ترفض الاعتراف بالتعدد الثقافي و الإثني و الديني (رفض علمنة الحكم لأن المقصود آليات الحكم و ليست الدولة كمجرد) و رفض اي اتجاه لبلورة هوية سودانية جامعة بعيدة عن الاقصاء الاسلاموعروبي و الافريقي. و بالمقارنة هذا هو حال ثوابت الامة كما الحال في تركيا و دور جيشها في حماية علمانيتها كما اطرها كمال اتاتورك.

فالسؤال المحوري لتشخيص وضع السودان اليوم يكمن في مدي التغير الذي طراء في نظام الحكم  منذ ان خلع الثوار حكم الإسلامويين الذي امتد لثلاث عقود من خلال ثورة ديسمبر. بالنسبة لبعض المراقبين هناك تغييرات كبيرة منها ايلولة الحكم للمدنيين و سجن اباطرة النظام البائد و خروج الاسلامويين من سدة الحكم. حقيقة و بالرغم من  هذه الاجراءات؛ ليس بامكاننا البت مطلقاً ان النظام قد  تغير شكلياً، جزئياً او كلياً. نعم تغير الحكام و تغير الدستور لكن ما زالت مؤسسات الإنقاذ الامنية و الاجتماعية و الخدمية باقية دون اصلاحات تذكر. فتغيير الأنظمة لا يقاس بتغيير الحكام وانما بتغيير المناهج و السياسات و مؤسسات الحكم.  فبالرغم من ابطال دستور السودان الإنتقالي الذي حلت مكانه الوثيقة الدستورية؛ الا اننا ما زلنا تحت امرة القوانين القديمة كقانون الإجراءات الجنائية للعام (1991) و قانون العقوبات الجنائية ()علي سبيل المثال، و قانون النظام العام للعام (1992) الذي لا يزال يتعارض مع و ثائق الحريات الدولية في قضايا النساء و حقوقهم في العمل و دورهم في المجال العام. فبالرغم من إلغاء أحكامه من قبل الحكومة الحالية تظل بعد بنوده مطبقة. ولا يزال المسيحيون يتعرضون للتمييز في العمل ولا يزال حقهم  في حضور صلاة الآحد غير مدرج في قانون العمل. 

الجدير بالذكر انه و بالرغم من تباين المواقف بين محيط السودان الإفريقي و العربي تجاه ثورته خصوصاً الوضع المخذي من جامعة الدول العربية، لا تزال الحكومة الانتقالية تواصل السياسات الخارجية القديمة ضاربة بعرض الحائط المبادئ المعروفة في السياسة الخارجية التي تعتمد علي التوجهات الداخلية و تطلعات شعوبها في العلاقات الخارجية.  فهوية السودان لا تزال في حالة انقسام بين العروبة (المكتسبة) و الافريقانية (المتأصلة) و السوداونية (البائنة و الجامعة). فاصرار القائمين علي امر الحكم في السودان بالولاء لاحد مكونات القومية السودانية يعتبر وصفة خاطئة تؤطر  لهويات مقسومة و متنافسة مما يهتك بالنسيج الإجتماعي و يهدر فرص السلام و الأمان الإنساني.  التمسك بسياسات خارجية غير متوازنة يعزز شعور المواطنين بالغربة في وطنهم  والارتباك بشأن موقف السودان في الشؤون الدولية. مثل هذا الوضع غير مشرف و يضع هوية السودان و قومية السودانيين كشعب في خلاف مستدام. فهوية السودانيون اليوم مثل هوية الخفاش الذي فقد انتمائه لعائلة الطيور والفئران، فلا هو بطائر مع الطيور او من القوارض. 

بعيداً عن موضوع الهوية التي ما تزال تراوح مكانها؛ فان مقياس التغيير لا يكتفي بتوجه الدولة في علاقاتها الخارجية و التي لها ارتباط و ثيق بمسألة السيادة الوطنية (sovereignty) التي ينبغي ان تبني بالتوافق بين الحاكم و المحكوم، فالتغيير يقاس من خلال التحول في العلاقة بين الحكومة و شعبها  ومسؤلية الحكومات تجاه شعبها. بعيدا عن قضايا الحرب و السلام و النزوح و التشرد، هل تحققت العدالة الاجتماعية؟ هل تغيرت العلاقة بين الحاكم و المحكوم و الدولة و المجتمع؟ للمتفائلين هناك تغيير في العلاقة و السودان في طريق التعافي – لكن اي نوع من التعافي و هل هناك رضاء شعبي  عريض وهل كل شعب السودان جزء من شرعية الحكومة، ماذا عن مناطق الحركات المسلحة و ماذا عن معسكرات اللجوء و النزوح؟

يمكننا الجزم أن ثورة ديسمبر غيرت السودان في الفكر و في من يحكم السودان لكن لا نزال بعيدين عن تحقيق التغيير المنشود في السياسة والنظام (تغيير نظام) لأن السياسات و المؤسسات الحكومية التي أنشأها النظام البائد لا تزال فاعلة دون اي تغيير في الجوهر. خلال الأشهر الثمان الماضية و منذ اعلان  الحكومة الانتقالية ، لم تضع أي وزارة سياسة شاملة و متماسكة (grand strategy and policy)، و حتي اللحظة لا يوجد تغيير منهجي يتناسب مع الثورة. من وجهة نظري المتواضعة ، لا يمكن مساواة القرارات الوزارية الصادرة عن بعض الوزرات مثل وزاراة التجارة و الصناعة بالتغييرات في السياسة و المنهج حتى القرارات التي اتخذتها لجنة إزالة التمكين لم تظهر بعد تغييرات هيكلية حقيقية تلغي مناهج النظام القديم، كل التعيينات في الخدمة العامة لم تخضع للمنافسة و معايير الخدمة العامة.  فالمؤسسات القديمة ما زالت تعمل و بوجوه جديدة. هل تحتاج حكومة الثورة للمحافظة علي امبراطوريات الفساد مثل الشركات العامة و المفوضيات المترهلة و التي تبدد الموارد و تعطل الإجراءات مثل مفوضية العون الإنساني؟  في الحقيقة لقد اصبح وضعنا كشخص يحاول صنع عجة لكنه لا يمتلك الشجاعة لكسر البيض.

فاذن تغيير الانظمة مرتبط بمدي انحراف النظام الجديد عن سلفه من منطلق السياسات و المؤسسات لان السياسات تستحدث مناهج، و استمرارية التنفيذ تتطلب انشاء مؤسسات تستوعب السياسات الجديدة. لذا فان معيار تؤكيد تغيير النظام؛ منبثق من حزمة واحدة تعكس تغيير في السياسة الداخلية تقيم من خلال علاقة النظام الجديد مع مواطنه. فإعادة السودان إلى المجتمع  الدولي مرهون بتغيير التوجهات القديمة  لتحقيق المواطنة المتساوية و تكافؤ الفرص بين جميع مكونات المجتمع بكل تبايناتهم المناطقية، الدينية، الإثنية، النوعية، الإجتماعية و الديمغراغية. سيقتنع المجتمع الدولي عندما يري ان المرأة السودانية  ممثلة تمثيلاً عادلاً لتعكس التنوع العرقي والديني والإقليمي و يكون التمثيل عادلاً بين المرأة الريفية والحضرية. وينطبق الشيء نفسه على الأقليات الدينية التي ينبغي أن تتمتع بحقوق كاملة تشمل العبادة والتجمع والمسكن و العمل في شتي  المجالات بعيداً عن الممارسات القديمة  المتمثلة في تعيين مسيحيين ليعكسوا التنوع الزائف فالنظام البائد أظهر ذكاء في عكس التنوع الزائف من خلال التمثيل الرمزي ليخدع المجتمع الدولي.

اما عن مسألة الحريات الدينية، أشك ان السودان قد انتقل  حقاً بالرغم من التقارير الأخيرة في وسائل الإعلام و الذي بدوره لم يتناول حقيقة بأن السودان لم ينتقل جوهريا و ما زال مدرج في الدول تحت “المراقبة الخاصة” بدلاً من الدول “ذو الإهتمام الخاص”  كما ورد في تقرير مفوضية الحريات الدينية للولايات المتحدة الأمريكية.

أولا  هنك استفهامات عديدة تقدح في نزاهة الصحفيين الذين تناولوا التقارير في الصحافة السودانية من حيث المبداء و الإجراء مما جعلنا نتساءل لماذا لم يأخذوا رأي المسيحيين عن التقدم الذي طراء بخصوص الحريات الدينية بالسودان. فكما هو معلوم للحرية لمسة فردية و شخصية فهي كالشعور  بالحب، البرد او الألم فمن الممكن ان يتعاطف الاخر بما تعانيه لكن لا يمكنه التعبير عن شعورك.  لذا فإن المسيحيين هم الذين لهم حق التعبير عما إذا كانوا يرون بان هناك تحسناً أم لا؛ فالأمر لا يتعلق  بالتجليات الرمزية للحرية بل بالحرية الحقيقية التي يمكن أن تعبر عن نفسها بدون مفردات لانها واقع معاش. 

فهل اخذت الحكومة الحالية اي خطوة، علي مستوي السياسة العامة بعيداً عن الغاء لجان الكنائس؟ هل هناك اجراءات في السياسة  لإقرار حق العبادة  للعمال و الطلاب غير المسلمين و هل أعفى الطلاب المسيحيون من حضور المدارس يوم  الأحد حتي يذهبوا إلى الكنيسة؟ هل أعاد النظام الحالي ممتلكات الكنيسة التي صادرها النظام القديم ام حول ملكيتها لافراد؟ من المؤسف أن نري قوات الدعم السريع  ترث النادي الكاثوليكي بعد سقوط النظام البائد بدلاً من إعادته إلى الكنيسة. بينما ظلت الأنشطة التبشيرية مقيدة من خلال رسوم و تصاريح العمل دون ابتدار سياسة دائمة تمكن المؤسسات الخيرية الكنسية من العمل بشكل طبيعي في ظل لوائح ميسرة و معقولة.

ختاماً للسودان فرصة كبيرة للقضاء على أمراضه المزمنة و علي الحكومة الانتقالية العمل لمراجعة ما يطلق عليها ثوابت الأمة و العمل لخلق اجماع و توافق سوداني يعبر عن التنوع المعاصر. هناك ملاحظتان تساعدانا في خلق رؤية جامعة؛ الأولى للمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي  (Arnold Toynebee) والأخرى للمرحوم الدكتور منصور خالد.  لقد ذكر أرنولد توينبي في كتابه “بين النيجر و النيل” أن السودان  يمثل  اختباراً حقيقياً لتحديد مسار  العلاقات الأفريقية- العربية ، وبامكان  السودانيون تطوير العلاقة بين هذه المكونات في السودان  لجعلها جيدة او عدوانية. هذه الملاحظة مهمة عند مقارنتها مع ملاحظة بروفيسور علي مزروعي   (Ali Mazrui) الذي تساءل  عن ما هو النموذج الأمثل لتطوير العلاقات العربية الإفريقية؟ هل ستكون متينة بالرغم من انها ستأخذ حيزاً طويلاً من الزمن كما حدث بين بريطانيا و الولايات المتحدة الإمريكية، ام ستكون ضحلة و سريعة كما كان الحال بين اليابان و الولايات المتحدة الإمريكية. في رأيي الشخصي الإجابة علي هذا السؤال يكمن في اعتبار ملاحظة الراحل منصور خالد الذي اشار أن السودانيون في بحث دائم عن هويتهم في المكان الخاطئ. معالي رئيس الوزراء لديك الفرصة الكاملة للإختيار بين جعل السودان عظيماً  أو إبقاء السودان مقيداً بسلاسل ثوابت الأمة التي حتي اللحظة لم تحظي باجماع اهل السودان فلابد للسودانيين من تقرير مصيرهم مهما طال الإنتظار ….

استيفن امين أرنو – نيروبي
[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى