مقالات سياسية

لماذا لم ينهض السودان رغم الإمكانيات الطبيعية!!!

بشير عبدالقادر

يصر القاري العربي على خلاصة واحدة هي  أن السودان حتى 2011م كان اكبر دولة عربية وافريقية  ويتميز بأراضي شاسعة صالحة للزراعة تقارب المليون ميل مربع، ويتمتع بمليون هكتار من المياه السطحية من نهر النيل وفرعيه النيل الأبيض والنيل الأزرق والأنهار عطبرة والقاش وبعض الخيران الموسمية ومياه أمطار غزيرة وكمية ضخمة من المياه الجوفية تقدر 15 تريليون متر مكعب.  وشمس ساطعة طوال العام وأيدي عاملة مؤهلة. وثروة حيوانية قرابة 150 مليون رأس من الضان والماعز والبقر والإبل،  فمن الطبيعي أن يكون سلة غذاء العالم ناهيك عن أن يكون كافي وكافل الدول العربية والإفريقية غذائيا.

ثم يواصل القاري العربي قوله بأن الثقافة و كمية الوعي السياسي لدى المواطن السوداني عالية جداَ مقارنة بكثير من مواطني الدول العربية، وان أعداد الكفاءات العلمية والمهنية العليا  منهم تنتشر بأعداد كبيرة في الخليج وحتى بعض دول أوربا وأمريكا الشمالية، فلماذا يظل السودان دولة متخلفة اقتصاديا إن لم نقل سياسيا؟

لعل القاري العربي من حيث لا يدري، أعطى الإجابة لسؤاله عندما ذكر تلك الإمكانيات الطبيعية والطاقات البشرية!!!  وهذا ما سأحاول شرحه في هذا المقال.
إن ثروات السودان الطبيعية عرفت منذ قدم التاريخ، فأطلق الفراعنة أسم أرض النوبة أي أرض الذهب على السودان الحالي و”نوب” هي كلمة فرعونية تعني الذهب، وكانت الأسرة الثانية عشر الفرعونية في 1803 قبل الميلاد تجلب الذهب من السودان. ومن المعروف أن محمد علي باشا والي مصر العثماني غزا السودان في 1820م بحثا عن الرجال والذهب.و قد توالى التنقيب عن الذهب بصورة غير رسمية وتهريبه خلال كل تاريخ السودان الحديث، وقد قدرت كميات الذهب الموجودة حاليا بالسودان ب 533 طنا، وبذلك فهي تشكل نسبة كبيرة في الاحتياطي في العالم!!! وقد بلغت الكمية المنتجة 90 طنا في 2017م، والثابت إن قيمة ما ينتج سنويا تتراوح ما بين 3 او 4 مليارات دولار.
لن أتعرض كثيراً للثروة البترولية باعتبار أن اكبر كمية من احتياطي البترول أصبحت تقع ضمن دولة السودان الجنوبي ولكن فقط و لمعلومية القاري فإن قيمة ما تم تصديره من البترول في العشرين سنة الماضية تجاوزت ال 70 مليار دولار بحسب كثير من غير الرسمية!!!.
الذي يهمني أكثر من الذهب والبترول، والذي اعتبره اكبر ثروة يمتلكها السودان هي الأرض الصالحة للزراعة والمياه الوفيرة ولعلها هي النقطة الأهم لكل البشرية أي توفير الماء والغذاء أي ضمان الأمن الاستراتيجي.

أنتبه المستعمر القديم والحديث لإمكانيات السودان الزراعية ونشر ثقافة الزراعة لمده بالمواد الخام وأشار البروفسور والخبير السوداني أحمد التجاني المنصوري بأن الاستعمار غرس ثقافة الزراعة مع “تصعيب” ثقافة التصنيع أو جعلها مكلفة جداً .
سبق للبروفسور التجاني وبعض زملائه أن أشاروا إلى أن “دخل السودان السنوي من السمسم الخام يبلغ  259 مليون دولار في أحسن الأحوال، أما السمسم المصنع فإن دخله السنوي 19مليار دولار. وان هناك دول تستورد أو “تهرب”  السمسم السوداني وبعد تصنيعه تبيعه بعشرات الأضعاف”.
كما أنهم أشاروا.ا إلى أن “مدخول الصمغ العربي الخام السنوي 100 مليون دولار، و مدخول الصمغ المصنع 9 مليار دولار”. من ناحية أخرى، بدأ هذه الأيام حصاد القمح في مساحة 750 ألف فدان ويتوقع حصاد مليون طن من القمح. أضيف هنا للعلم أن المساحة المستهدفة للمحاصيل الزراعية هي 49 مليون فدان!!!
وبحسبهم أيضا أن “أنتاج السودان السنوي المتوقع من اللحوم والألبان بدون الماعز والضان يبلغ 125 مليار دولار”، دون الحديث عن زراعة البرسيم وإنتاج العلف الذي أصبح سلعة نادرة في العالم.
إذن بكل بساطة يمكننا القول بأنه إذا وجد الاستقرار السياسي في السودان مع الاستثمار الجاد لهذه الثروات الطبيعية يمكن أن يبلغ الدخل السنوي للسودان مئات المليارات من الدولارات وهذه بدورها  يمكن استثمار جزء منها في مشاريع أخرى.
مما سبق يقفز سؤال “المليون” إذن لماذا لا ينتبه أهل السودان لهذه الخيرات بل الكنوز التي بين أيديهم والتي يمكن أن تجعل منهم أكثر أهل الأرض رغدا ورفاهية؟؟؟

تجدني لا ألقي بالا كثيرا لنظرية المؤامرة رغم قناعتي بوجودها ولكنها دليل على جهل المغرر به و ضعفه على أخذها في الحسبان والاستعداد لها لمجابهتها على الأقل إن لم يستطيع تجاوزها. وهو ما يحدث في السودان من الناحية السياسية!!!
إذن تظل مشكلة السودان ومنذ الاستقلال في عدم وجود استقرار سياسي و الافتقار للحوكمة الرشيدة والإدارة الحكيمة ، فمن المؤسف حقا وجود تلك الدائرة الشريرة انتخاب حكومة مدنية ثم انقلاب وحكم عسكري ثم انتفاضة فحكومة مدنية ثم انقلاب وحكم عسكري،فمنذ استقلال السودان في 1956م وحتى تاريخ اليوم، حكم العسكر 52 عاما واستمر الحكم المدني 12 عاما متقطعة!!!

بالطبع يظل السؤال قائما، ما هي أسباب الانقلابات العسكرية؟؟؟ والإجابة ببساطة تعيدنا لنقطة الثروات والاستعمار، فتلك الأحزاب التي تكونت قبل الاستقلال قامت على أسس غير سليمة واستمرت عليها ولم ترض حتى تاريخ اليوم تصحيح مسارها المنعوج!!! نعم لقد قامت تلك الأحزاب على أسس عقائدية وطائفية وغلبت عليها الروح الاقصائية مبكراُ، بحيث لم توجد مساحة للأخر داخل الحزب ناهيك عن خارجه، رغم اعتراف الجميع بوجود تنوع اثني وثقافي وديني كبير في السودان يمكن أن يكون عامل إثراء بدل أن يكون عامل تفرقة وتمزيق للمجتمع.

.إذن عمل المستعمر ووكلائه من بعده على استغلال تلك العصبية القبلية والجهوية والحزبية والدينية والتلاعب بتلك الأحزاب بمنحها بعض السلطة أو حرمانها منها حسب رضوخها له. ومن الطبيعي أن أنتبه المستعمر ووكلائه من البداية لضرورة زرع عدم الوطنية في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من خلال زرع روح التأمر فيها وربط ولاءها لتلك الأحزاب المتصارعة فأصبحت العقيدة القتالية فيها عقيدة حزبية ودينية وقبلية.

إذن، لا بد من مراجعات حقيقية داخل هذه الأحزاب لتجاوز أسباب نشؤ هذه الأحزاب والارتقاء بها لمستوى تحديات المرحلة والوصول لاتفاق لكل الأحزاب على استقلالية الدولة عن الحكومات مع الاتفاق التام حول وجود حد ادني من السياسة الوطنية أي الاتفاق على الحد الأدنى من البرامج الاقتصادية التي تؤدي إلى جعل الأمن الغذائي وتأهيل المواطنين جزء من الأمن القومي والاستراتيجي وهو أمر يمكن تضمينه في الدستور كمواد لا تتأثر بتغير الحكومات أو أنظمة الحكم  ويمكن أن تسمى الأولى مادة تنمية الثروة الزراعية والحيوانية والثانية مادة التأهيل المستمر الإجباري لكل أفراد الشعب من سن السادسة إلى سن 59.
وفي انتظار الوصول إلى ذلك الدستور يمكن الاتفاق حول خطة أو رؤية إستراتيجية استثمارية مستقلة لا علاقة لها بالحكومات المتغيرة. وهاهي الفرصة تأتيهم في طبق من ذهب فإذا كانت هناك دول تعتمد على دبلوماسية قوة الآلة العسكرية وأخرى تستعمل دبلوماسية القوة الناعمة فهاهي الفرصة تتاح للسودان لاستثمار دبلوماسية قوته الزراعية وثروته الحيوانية خاصة بعد الأمن الغذائي العربي التي طرحتها الكويت والمتمثلة في ضرورة الاستثمار الزراعي في السودان لتأمين الغذاء العربي والإسلامي.

بشير عبدالقادر
[email protected]

‫4 تعليقات

  1. لو ان الأنظمة الديمقراطية التى تعقب ( كوارث ) الانقلابات العسكرية كانت بالوعى والقوة والمسؤولية التى كان يجب على من وقعت عليه أن يحصن نفسه بالقوة الكافية لتأمين ذلك النظام الديمقراطى الذى اؤتمن عليه ولو اخذ من الأساليب كل الحيطة وكل الحذر حتى ولو كانت على حساب شئ من الديمقراطية بعد ان يتسلح بقانون يتراضاه الجميع لكى يحصن النظام الديمقراطى ضد الانقلابات العسكرية وضد الفوضى التى أحياناً تستغل البراح الديمقراطى حتى يتم تأسيس الدولة السودانية واستقرارها وان ينصرف الجميع الى العمل واستنهضت الحكومة سواعد الناس للبناء واستخراج إمكانات هذه الدولة الفتيه والله لكان وضعنا الان مختلف تماماً .. !!
    هذا ماكان والآن ورغم اختلاف ان الزمان ليس هو الزمان ورغم ان المكون البشرى ليس هو المكون البشرى ولكنى رغم التفاؤل ورغم لؤم وخبث ووضاعة وتجرد النظام المقبور من الاخلاق ومن الوطنية ومن الانتماء أحياناً نخشى ألا نكون لم نتعلم شيئاً .. !! وعليه نأمل ورغم انها فترة إنتقالية ربما تكون صورة لما هو آتٍ .. نأمل أن يستشعر الجميع المسئولية وخطورة الوضع وأن نعمل فى كل الإتجاهات كأننا فى معركة مع الوقت ( لا مكان للاسترخاء اثناء المعركة ) كما قال شهيدنا .. وسوف ننهض قريباً.. نحن امة حية لها قوة شبابية من الجنسين أذهلوا العالم بقيادتهم لثورتنا المجيدة التى صارت مثالاً يحتذى به .. !!

  2. عليك الله حكمونا نوعية نميري و عندنا نوعية الصادق المهدي (الكاذب الضال) و الميرغني و أولا و أخيراً جماعة الهوس الديني من كيزان و توابعهم نتقدم كيف؟!! الله يجازيهم كلهم و يخسف بيهم الأرض بقدر ما أذو الوطن

  3. لم ينهض السودان، لسببين :
    * الأول هو العدد المهول للأحزاب.
    *الثاني هو إنعدام الوطنية في صفوف كل الأحزاب، علي كثرتها، وهو الدافع الرئيسي للممارسات والمفاهيم المغلوطة التي يتبعونها، كون السياسة/المعارضة عندهم، ما هي إلا الحَفر، والغدر والخيانة، والتخريب، والدسائس، والمكائد، والضرب تحت الحزام، والإصطياد في الماء العكر، والمؤامرات، ووو، وكل الممارسات التي تُصنف علي أنها جرائم يُعاقب عليها القانون، بل إن بعض الأحزاب لا تجد حرجاً، حتي في ممارسة الإرهاب، وإقتراف الموبقات، وجُرم الخيانة العظمي !!!!!!!!!

    كان الأمل معقوداً علي جيل ثورة ديسمبر الشامخة – جيل الوطنية الحقة، الذين إفتدوا الثورة بالمُهج، إلا إنهم وللأسف وللحسرة، وجدوا أمامهم نفس النخب والقوي والأحزاب، التي تسعي جاهدة لوأد حُلمهم في التغيير الجذري المنشود – لسودان يسع الجميع، سودان قبول الآخر، سودان السلام، سودان الوطنية الراسخة، حتي تنبت وتزدهر شجرة الديموقراطية في كل ترابه.

    المجد والخلود للشهداء الشُجعان، وعاش السودان إلي الأبد بدون كيزان وديناصورات.

  4. للأسف كل ما جاء وكل ما كتبت عن السودان باعتباره سلة غذاء العالم ، يلجأ كتابنا ومفكرينا لفساد حكامنا دون التطرق للمواطن الذي عادة ما يوصف بأنه المغلوب علي أمره وكأن الشعب هم ملائكة الرحمة . المسألة متشابكة ، مع فساد معظم المسئوليين ، نجد المواطن نفسه مشارك وبقدر كبير في تدمير اقتصاد البلاد وغير مبالي أما لجهل وموت في الضمير أو جشع من أجل الثراء الفاحش . الكل يريد الثراء غض النظر عما تسفر عليه هذه الممارسات. كل يوم نسمع بأن هناك محاولة تهريب لبعض السلع الإستراتيجية للدول المجاورة والشعب يقف لهذه السلع بالطوابير، التجار يحتكرون بضائعهم حتي تتضاعف اسعارها ، الموظفون لا ينجزون بدون مقابل ، فصدقني كل من يجد فرصة للحصول علي اموال غير لا يتركها تذهب . اصبح الكل مشارك في دمار البلاد ولو بطرق متفاوتة . علينا تثقيف المواطن لنصل ما وصل إليه علي الروانديين والاثيوبيين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..