BBC-arabic

فيروس كورونا: هل يغير الوباء نظرتنا لمن نعتبرهم أبطالا؟

ربما كان فيروس كورونا وحشا يطمح في بسط سيطرته على العالم، لكن هناك من الأبطال من يتصدون لمخططاته الشريرة.

وقد شاع حول العالم أخيرا الحديث عن البطولة، ففي المملكة المتحدة أثنى وزير الخارجية، دومينيك راب، على العاملين الرئيسيين “الأبطال” الذين يقفون على الجبهة الأمامية لمواجهة المرض. وتتكرر إذاعة إعلانات لشركات للغاز والكهرباء تشيد بـ “أبطال قطاع الصحة”.

وفي تايلاند، أطلق فنانون حملة على الإنترنت بعنوان “ادعموا أبطالنا”. وفي الولايات المتحدة اقترح الديمقراطيون دعما خاصا للعاملين الأساسيين تحت عنوان “صندوق الأبطال”.

كل هذا جعل فيليب زيمباردو، الأستاذ الفخري بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا، يعيد التفكير في معنى البطولة. ولمن لا يعرف زيمباردو، فهو عالم النفس الذي اشتهربـ “تجربة سجن ستانفورد” حين كلف طلابا بالاضطلاع بأدوار السجناء أو السجانين بسجن افتراضي. واضطر زيمباردو للتخلي عن التجربة بعد أن أظهر الطلاب حماسا أكثر من اللازم في تأدية أدوارهم!

وبعدها أصبح زيمباردو مرجعية في دراسة طبيعة الشر، لكن في السنوات الأخيرة سعى لدراسة ما يراه عكس ذلك، وهو البطولة، ليكون ذلك بداية حقل جديد من الدراسات النفسية تعرف باسم “دراسات البطولة”.

يقول زيمباردو: “لا أعلم لماذا لم يتطرق أحد من قبل بعمق لهذا الموضوع، رغم أن البطولة هي أفضل ما في طبيعة البشر. طبعا يُطلق أحيانا لفظ البطل اعتباطا، وفي أيامنا هذه يجري الخلط بين المشاهير والأبطال. ومؤخرا كثر إطلاق صفة البطولة لتشمل مثلا من يتطوعون لشراء البقالة لجيرانهم، وهو أفضل شكل من أشكال الإيثار أو اللياقة. لكني أعتقد أن أزمة فيروس كورونا الراهنة ستسلط الضوء تحديدا على فكرة البطولة”.

يُعرف زيمباردو العمل البطولي تعريفا محددا، إذ يرى أن البطولة لا تكون إلا في خدمة البعيد لا القريب، وتنطوي على مخاطرة بالنفس – وليس هذا فقط بل ربما تتعداها لتنطوي على خطر قد يلحق بأسرة البطل كما بعمله ونظرة الناس له، ناهيك عن بدنه وحياته.

يقول زيمباردو: "أظن أننا نعيد التفكير الآن في معنى البطولة الحقيقية، والتي عادة ننسبها لمن كرس حياته لخدمة قضية ما، مثل مارتن لوثر كينغ أو نيلسون مانديلا"
يقول زيمباردو: “أظن أننا نعيد التفكير الآن في معنى البطولة الحقيقية، والتي عادة ننسبها لمن كرس حياته لخدمة قضية ما، مثل مارتن لوثر كينغ أو نيلسون مانديلا”

من هذا المنطلق يمكن اعتبار من يخاطر بوظيفته ويشي بمخالفات داخل المنظمة، بطلا. ويميل زيمباردو، كغيره في علم النفس، للتفريق الواضح بين ما يمكن وصفه بـ”المتخصص” و”الهاوي”، فلا يعتبر عامل الإطفاء الذي ينقذ رضيعا من النار بطلا أثناء تأدية عمله، بينما ينظر إلى أي شخص مار يهب لإخراج الرضيع من الحريق على أنه بطل.

كذلك لا تمنح مؤسسة كارنيغي الأمريكية – التي أنشأها قطب الصناعة آندرو كارنيغي عام 1904 لتكريم المدنيين الذين يقومون بأعمال بطولية غير معهودة – وسام البطولة لمن يقوم بتلك الأعمال خلال أدائه لعمله المعتاد.

وماذا إذا عن العاملين في مجال الصحة الذين يواجهون فيروس كورونا ويتعرضون خلال ذلك للإصابة؟

يقول زيمباردو: “أظن أننا نعيد التفكير الآن في معنى البطولة الحقيقية، والتي عادة ننسبها لمن كرس حياته لخدمة قضية ما – مثل مارتن لوثر كينغ أو نيلسون مانديلا – أو نصف بها عملا بطوليا. والآن ربما بدأنا ندرك أنه قد يلزم أن نسبغ هذا الوصف الجليل على كثيرين غيرهم ممن يخاطرون بأنفسهم، كما يبدو جليا في حالة العاملين في مجال الصحة الآن؛ إذ لم تكن وظيفتهم تنطوي من قبل على هذا النوع من المخاطرة، والأكثر أنهم يواصلون العمل ليلا ونهارا في ظل تلك الظروف، وهذه هي البطولة بعينها”.

ولا يفهم حتى الآن السبب الذي يجعل شخصا ما يقوم بعمل بطولي. ربما كان الأمر يعود للوضع أو الظرف المصاحب للبطولة، فقد أظهرت تجربة عام 2012 أن الذين كانوا أكثر استعدادا لتحمل الألم – بإبقاء سواعدهم العارية مغمورة في ماء شديد البرودة – اعتبروا لاحقا ذوي شخصيات أكثر جاذبية وأكثر استحقاقا لنصيب أكبر من المال أقر المتطوعون توزيعه بينهم حسبما رأوا.

ويشير فرانك فارلي، أستاذ علم النفس بجامعة تيمبل بفيلادلفيا، إلى أهمية عامل الشخصية، ويقول إن الأفعال البطولية ربما كانت ناتجة عن رغبة في أن يكون المرء أهلا للمعروف عنه، وألا يأتي بخلاف المتوقع من جماعة ما، أو تأتي نتاجا لقناعة متأصلة في الشخص عن نفسه، أو حتى النزوع للبحث عن المغامرة، وهو الأمر الموجود في بعض الشخصيات”.

تجاوز الحاجز النفسي

وبالتأكيد يعتقد زيمباردو أنه رغم ندرة البطولة يمكن للمرء أن يتعلم كيف يتصرف بها. وتعمل مبادرته الخيرية، بعنوان “مشروع الخيال البطولي”، مع الأولاد والبنات في عمر الدراسة الثانوية في 12 بلدا عبر توعيتهم بالنفس البشرية لمعرفة ما قد يدفع البعض أحيانا للعمل البطولي.

ومن ذلك ما اصطلح على تسميته بـ”عامل المتفرج”، ويقصد به أننا عادة نفترض أن شخصا آخر غيرنا سيتصدى للمشكلة، وكذلك “خطأ الاستحقاق” ويقصد به أننا نميل للاعتقاد أن الواقع في مشكلة ما يستحق ما ألمّ به، فضلا عن الإحجام عن مساعدة من لا تربطنا بهم صلة.

كما يهتم أيضا مات لانغدون، مؤسس “شركة صناعة البطل”، بتوعية المدارس والشركات بالبطولة، ومنها شركة فورد وشركة “ريل إستيت وان” الأمريكية للعقارات، وكذلك هيئة ندوات “هيرو راوند تيبل” كبرى الهيئات التي تناقش مسألة البطولة.

لا يفهم حتى الآن الأسباب التي تجعل شخصا ما يقوم بعمل بطولي
لا يفهم حتى الآن الأسباب التي تجعل شخصا ما يقوم بعمل بطولي

ويشير لانغدون إلى أنه رغم تطرق الثقافات المختلفة لفكرة البطولة منذ آلاف السنين، فإن ظاهرة أفلام البطل الخارق التي شاعت خلال العقد الماضي ربما جاءت انعكاسا لتجدد الحاجة الماسة للبطولة. ومع ذلك، يشير أيضا إلى اختلاط فكرة البطولة علينا، كأن نتوقع من البطل ألا تشوبه شائبة، فكيف مثلا لرجل تصدى لإرهابي (في لندن أواخر العام الماضي) أن يكون قد سبق وأدين بالقتل؟

يشرح لانغدون ذلك قائلا: “ترتبط البطولة بالموقف، فاللحظة هي التي تستدعي البطل وليس البطل هو الذي يصنع الموقف. وربما يمضي المرء حياته كلها دون أن تتاح له فرصة التصرف ببطولة، والأبطال ليسوا أشخاصا خارقين، لكنهم تمكنوا من تجاوز الحواجز النفسية التي حالت دون إقدام آخرين على التصرف بالشكل نفسه. والآن أصبحت لدينا الفرصة لإعادة إبراز البطولة التي تحدث يوميا، فالناس لا يفكرون في الممرضات مثلا كشخصيات خارقة، لكن قد يسمح لنا هذا الوباء برؤية البطولة من منظور آخر تماما”.

إعادة تعريف”البطولة”

وتضرب أليس إيغلي، أستاذة علم النفس بجامعة نورث ويسترن بإلينوي، مثالا على البطولة بشخص يتبرع بكليته لآخر لا يعرفه، وبمن يعالجون المصابين بأمراض معدية بشكل يومي مباشر – حتى مع الأخذ في الاعتبار سلامتهم الشخصية وسلامة أسرهم أولا.

وتضيف: “للأسف قد لا تُمتدح بطولتهم باعتبارها تأتي في سياق عملهم اليومي. لكني أرى أن فيروس كورونا قد خلق ظرفا غير معتاد، ونرى الآن البطولة تنسحب على مخاطرة من هذا النوع، وخاصة بالمقارنة بأغلبنا ممن يلزمون بيوتهم بينما يخرج آخرون لتستمر عجلة الحياة. ربما تتغير النظرة الآن لمكانة بعض الوظائف كالتمريض”.

ويتفق فيليب زيمباردو مع ذلك، ويقول إن الوباء قد يسفر عن شيء إيجابي، وهو تقدير نوع من البطولة كثيرا ما نغفله، وبالتالي يتغير الوضع للأفضل.

ويضيف: “قبل عشرين عاما أجريت تجربة لتقييم ما إذا كان الناس سيهرعون لنجدة شخص ما والدافع من وراء ذلك. لم أتفاجئ بالنتيجة وهي أن قليلين لبوا النداء. اليوم أود تكرار نفس التجربة، وأعتقد أن من سيقدمون المساعدة سيكونون أكثر بكثير جدا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..