
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه *** يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
وما البر إلا مضمرات من التقى *** وما المال إلا معمرات ودائع
وما المال والأهلون إلا وديعة *** ولا بد يوما أن ترد الودائع
الشاعر لبيد بن ربيعة
يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي
صدق الله العظيم
الحمد لله من قبل ومن بعد، الا رحم الله السياسي والمفكر والباحث الأديب والمحاضر الأنيق في ملبسه ومسكنه ومكتبه وعلاقاته ومنطقه وكتاباته دكتور منصور خالد.
أفنى حياته لتعزيز قيم الإنسانية والديمقراطية وترسيخ دعائم القانون وتطوير العلاقات الخارجية في المحيط الإقليمي والدولي، تساءل البعض عن جنوح منصور لما أسموه بغريب الكلمات في كتاباته وخاصة العربية منها ناهيك عن الإنجليزية والفرنسية والتي تحتاج إلى شرح فرد عليهم ( نشأنا ونحن نستمع في القيلولة عند شيخنا الدباغ او في العشية عند شيخنا الخليل والكبار حولنا يتجادلون لا في لغو الحديث، وإنما في جوامع الحكم وفى موطأ مالك، ومختصر خليل، ومدونة سحنون (لأخير فينا ان لم نقلها) كيف لا وهو تتلمذ على الأستاذ بشير محمد سعيد منذ المرحلة الابتدائية ليعيش مع طه حسين وابى الطيب وابى تمام وفى مرحلة باكرة على روائع الجاحظ وجرير والفرزدق ثم كان الأديب الفذ جمال محمد احمد فالمرء يصلحه الجليس الصالح فالذين عايشوا منصور وعاشروه عن قرب يعرفون وإنا منهم معدن هذا الرجل الصوفي كريم الخلق والاخلاق المهذب في قوله وفعله ذو الإحساس المرهف له مكتبة تضم كل الاطروحات العلمية والأوراق التي كتبت عن السودان في الماجستير والدكتوراه والمحاضرات من كل جامعات العالم وبكل اللغات واما المكتبة الفخمة و الضخمة فحدث ولأحرج كل أنواع الكتب والمجلدات والمجلات وبكل اللغات أيضا ومن الغريب يحفظها عن ظهر القلب كلها أما مكتبة الأغاني السودانية فهذا امر أخر كيف جمعها وصنفها ورتبها بهذا الشكل البديع حقيبة وحديث ومن جيل الى جيل غير ان هنالك نمط من الناس اسماهم العميد طه حسين “بالذين لا يعملون ويؤذى نفوسهم ان يعمل الناس “وهم نفس النمط الذى قال فيه عملاق الأدب العقاد “من الناس من يحسدك لأنه ليس مثلك ومنهم من يحسدك لأنك لست مثله كان اللقاء في جنيف في النصف الثاني من الثمانينات بعد اللقاءات العابرة إبان عملنا تلك الفترة بوزارة الخارجية فكان اللقاء بتوصية وطلب من السفير عزت الديب والسفر عمر شونه عليهم رحمة الله ثم السفير عبدالمجيد على حسن اطال الله في عمره. طلبوا منى وبطلب منه ان أساعده في عملية استقراره بمدينة جنيف بعد تعيينه بواسطة الأمم المتحدة نائبا لرئيس
اللجنة العالمية للبيئة والتنمية
(The World Commission on Environnement and Development)
وترأسها رئيسة وزراء النرويج السيدة هارلم بروتنلاند
(Harlem Brundtland)
آنذاك ولمدة عامين أصدرت فى ختامها تقريرها الدولي الممتاز (مستقبلنا المشترك
(our Common Future)
وكان في نفس الفترة مستشارا اول لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة
(UNEP)
بنيروبي كينيا ومديرها مصطفى كمال طلبه (مصري الجنسية) فكانت عليه الرحمة الكثير
والكثير من الأعباء الدولية والأسفار الدائم وجل وقته في التلفون لقضاء حوائج الناس او غارقا يكتب وسط أرتال من الكتب والجرائد والقصاصات فالقلم لا يفارق يده أبدا
وفقنا والحمد لله في ايجاد السكن والمناخ الإبداعي الذي ينشده على ضفاف بحيرة جنيف فكان كتابه (لا خير فينا ان لم نقلها عام ١٩٨٦).
زارته خلال تلك الفترة الوالدة الرؤوم إلحاجه ساره الصاوي رحمها الله وأخواته فكانت أيام لها وقع خاص تجلت فيها الروح الأخوية وجو الأسرة الامدرمانية
السودانية الأصيلة.
ثم كانت زيارة الدكتور جون قرنق لجنيف وإقامة ندوة كبرى بفندق الانتركونتننتال حضرها مجموعة من الصحفيين الفرنسيين والسويسريين وأمها جمع غفير كانت المفاجأة لنا في حفل العشاء الذي نظم على شرفه بمنزل دكتور منصور طلب ملاح ام رقيقة وكسره فحصلت الجقلبة خاصة وكان سيغادر بعد العشاء مباشرة وبعد مجهود جبار استطعنا توفير ام رقيقه بكسرتها ضربها لوحده رحمه الله حتى تصبب عرقا
كان منزله عامرًا بالضيوف من أهل السياسة السودانية والطلاب ولقضاء الحاجات والمعجبين به من كل الجنسيات ومن غرائب وعجائب السياسة السودانية نفر كنا نظنهم من الأعداء له وجدناهم يطرقون بابه وبكل أريحية واعجاب ويشيدون به ويطلبون مشورته ثم يقدحونه ويكتبون عنه ب غليظ القول سبحان الله أما علاقاته الدولية فكثير من زعماء العالم يتصلون به منهم على سبيل المثال فقط الرئيس بوتفليقة بصفة شبه دائمة لصلته به منذ ان كان يعمل بالجزائر وفى مرة رديت على اتصاله وبعد ان عرف سودانيتي قال لي(هذا الرجل ظهر في زمان غير زمانه) ومن الرؤساء له الرحمة والمغفرة وأيضا بوش الأب وزوجته باربارا ورئيس وزراء الهند غاندي ورئيس وزراء إيطاليا كرايسكى ومعظم الرؤساء لأفارقه اما موسفيني رئيس أوغندا فكانت فواكه مزرعته الخاصة تصله راتبة ومن مصر مجموعة من الكتاب والصحفيين والسياسيين والمسؤولين
صبيحة يوم الأحد ٣٠ يونيو ١٩٨٩ عندمًا علم ب انقلاب البشير ذهبنا سويًا لمكتبه على ضفاف بحيرة جنيف
(Palais Wilson)
وجدنا سكرتيرته السويسرية في انتظاره لتبلغه بخبر الانقلاب رغم اليوم أحد فكان عليه رحمة الله يردد(ديل ناس الترابي أكيد أكيد) فبدأ يتصل هنا وهناك بعدد ممن يثق بهم فتأكد له ذلك فعدنا للمنزل فجاءه اتصال من السودان من شخص من القيادة العامة له به صلة من طريقة السلام والمطايبة اخبره بان احد أعضاء مجلس قيادة الثورة يريد مخاطبته فرفض اصر عليه بان يسمعه فقط فوافق تحدث معه هذا العضو طويلًا وطلب منه العودة لحوجتهم الماسة له فقال له رأيي واضح وقناعتي واضحة منذ زمن طويل ولا اقبل المساومة ولا اقبل المشاركة وشكرا لكم والسلام عليكم وانتهت المحادثة.
هكذا كان رحمه الله لا يجامل في قناعاته ومهما كلفه ذلك، فهذه نفحات قليلة من سيرته في جنيف بما فيها وما عليها وهنالك الكثير ولربما تتاح فرصة أخرى للمزيد إذا امد الله في
الآجال لك الرحمة والمغفرة وجعل الله مقامك جنة الفردوس الأعلى ونتركك عند رب غفور رحيم واسع المغفرة وفعلا من لا يعرفك يجهلك فكيف لا فأنت سليل الفراديس
هاشم عبدالرحمن ابوالحسن
[email protected]
جنيف / سويسرا




قلت : ورئيس وزراء إيطاليا كرايسكى
برونو كرايسكي هو مستشار النمسا الأسبق وليس رءيس وزراء ايطاليا .
المقصود كراكسى رئيس وزراء ايطاليا ١٩٨٣ـ ١٩٨٧ لك الشكر