أهم الأخبار والمقالات

صناعة الفقر في مناهجنا الدراسية… جريمة صمت عنها الجميع!!!

د. سليمان زكريا سليمان عبدالله

لقد بات واضحاً من خلال النقاشات الكثيفة التي تدور هذه الأيام حول قضية إصلاح المناهج الدراسية وتطويرها أن هناك اهتماماً مجتمعياً غير مسبوق بهذه القضية، تفسره الموجات المتزايدة من حملات الانتقاد والتأييد للتوجهات والتصريحات الصادرة عن السيد مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي بخصوص هذه القضية. ومما لا شك فيه فإن المشاركة المجتمعية في مثل هذا النوع من القضايا الوطنية تعتبر مهمة وضرورية، وهي بالتأكيد حق أصيل لكافة السودانيين (دون استثناء) فيما لو تمت ممارسته على نحو مسؤول تراعى فيه (فقط) مصلحة أبنائنا وبناتنا، ودون إقحام لأي شكل من أشكال الصراعات السياسية والإيديولوجية. وعلى الرغم من كل ذلك، إلا أنه من المؤسف القول أن مستويات النقاش الحالية (وما تتضمنه من انتقادات وتصريحات انفعالية متبادلة) تشير بوضوح إلى أن هناك فئة ليست بالقليلة ممن لا يدركون أساسيات بناء منظومة المناهج وتطويرها، كما أنها تعكس عدم إدراك الغالبية للآليات التي يتم على أساسها الحكم على مدى فاعلية منظومة المناهج ومستوى جودة مخرجاتها، الأمر الذي جعل تركيز العديد منهم متجهاً نحو قضايا لا تلامس الواقع المذري الذي أنتجته منظومة المناهج التي تم تبنيها خلال عقود مضت، وهذا بالتأكيد سيجعل المشاركة المجتمعية غير فاعلة، ودون المستوى المأمول من التأثير.   

ولعل التساؤل المنطقي الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو: لماذا لم تكن هذه الروح الوطنية حاضرة في أوان تعرضت فيه مناهج أبنائنا وبناتنا للعديد من عمليات التشويه (المقصود) والتدمير (الممنهج) خلال عقود مضت؟، ولماذا لم تكن هذه الروح الوطنية حاضرة ومناهجنا ظلت على الدوام تحتشد (بالحشو) الزائد القائم على الحفظ والتلقين المجردين من الوعي والإدراك، مما أسهم بصورة مباشرة في قتل ذكاء أطفالنا وإبداعهم، وجعل نظامنا التعليمي يشهد مستويات غير مسبوقة من التدهور والتراجع، كما تشير بذلك العديد من المؤشرات التي كان ينشرها قادة التعليم في بلادنا، ولكنها (للأسف الشديد) لم تكن تحظى بأي درجة من الاهتمام والمتابعة من قبل قطاعات المجتمع المختلفة في تلك الأوان، وذلك على عكس ما نشهده الآن من صراعات وتزايد في حدة النقاشات حول قضايا الإصلاح والتطوير التي تم الإعلان عنها مؤخراً. 

دعونا الآن نحتكم إلى لغة الأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل، وذلك لتوضيح أن هذه الاستفاقة المجتمعية (المفاجئة) تأخرت كثيراً، وأنها (للأسف) لم تكن حاضرة في التوقيت (المناسب) الذي كان فيه أطفالنا أحوج ما يكون لمنقذ ينتشلهم من براثن واقع مذري تطاول أمده ومستقبل مجهول لا يعلمون خباياه، وفي ذلك سنستخدم أحد المؤشرات المتعارف عليها عالمياً لقياس جودة مخرجات منظومة المناهج بمرحلة التعليم الأساسي (وبصفة خاصة في بلدان العالم النامية)، وهو ما يعرف بمؤشر فقر التعلم (Learning Poverty). وببساطة شديدة، يشير هذا المصطلح إلى أؤلئك الأطفال الذين بلغوا سن العاشرة من عمرهم، ولكنهم لا يستطيعون تحقيق الحد الأدنى من القراءة، المتمثل في قراءة قصة بسيطة وفهمها، وعادة ما يتم حسابه كنسبة مئوية. ففي الأوان التي لم تكن أنظار الغالبية متجهة نحو ما يدور بمنظومة المناهج من ممارسات، كان قادة التعليم ومخططو المناهج (في العهد البائد) ينشرون العديد من الاحصائيات المخيفة والمثيرة للقلق، ولكنهم كانوا في غاية الاطمئنان، لأنهم نجحوا في تغييب المشاركة المجتمعية في مثل هذه القضايا الحيوية، ومما ساعدهم على ذلك أن قوائم وأجندات الأولويات لقطاعات عديدة من المجتمع لم تكن تتضمن متابعة مثل هذه الاحصائيات، وما تحمله من تهديدات خطيرة على مستقبل أبنائنا وبناتنا (على عكس ما يحدث هذه الأيام). فقد أشارت أحدث الاحصائيات إلى أن نسبة الأطفال الذين يعانون من فقر التعلم في السودان بلغت 40%، وهى بالتأكيد تعتبر نسبة عالية جداً مقارنة بالعديد من الدول بالمنطقة، حيث بلغت النسبة في العراق (17%)، وفي المغرب (18%)، وفي الاردن (20%)، وفي مصر (22%)، وفي اليمن (27%) (المصدر: الخطة الاستراتيجية لقطاع التعليم في السودان 2018-2022). 

ومن ما يثير المخاوف والقلق أن تقديرات فقر التعلم على مستوى بعض الولايات وصلت إلى مستويات قياسية كانت تستوجب هبة شعبية وثورة مجتمعية تطيح بكل من له صلة بإدارة منظومة التعليم في بلادنا (ولكن للأسف لم يحدث ذلك، على عكس ما يطالب به البعض الآن). فقد أشارت احصائيات وزارة التربية والتعليم أن نسبة فقر التعلم بلغت (76%) في ولاية وسط دارفور (وهذا يعني أن هناك 76 طفل من بين كل 100 طفل ممن هم في مرحلة الأساس لا يستطيعون قراءة قصة قصيرة تتألف من مجموعة من الكلمات البسيطة التي تتضمنها الكتب الدراسية). أما بالنسبة لبقية الولايات فكانت احصائيات فقر التعلم كما يلي: ولاية غرب دارفور (59%)، ولاية شرق دارفور (58%)، ولاية شمال كردفان (56%)، ولاية جنوب كردفان (53%)، ولاية النيل الأزرق (52%)، ولاية شمال دارفور (52%)، ولاية كسلا (52%)، ولاية غرب كردفان (48%)، ولاية القضارف (44%)، ولاية جنوب دارفور (41%)، ولاية نهر النيل (35%)، ولاية النيل الأبيض (33%)، ولاية البحر الأحمر (33%)، ولاية سنار (31%)، ولاية الجزيرة (24%)، ولاية الخرطوم (19%)،  الولاية الشمالية (16%). 

ومن المؤسف حقاً أن مثل هذه الأرقام والاحصائيات (المخيفة) لم تكن تشكل مصدراً للقلق للعديد ممن يدعون (الآن) حرصهم على مناهجنا الدراسية، الأمر الذي يجعلنا نطرح العديد من التساؤلات من أبرزها: ما الذي جعل أطفالنا يصلون لهذه المستويات المرتفعة من فقر التعلم؟ من المسؤول على المستوى الرسمي؟ ومن المسؤول على المستوى المجتمعي؟ ولماذا لم نشهد مثل ما نشهده هذه الأيام من نقاشات وتصريحات متبادلة بين منتقد ومؤيد لما تم الإعلان عنه من توجهات بشأن إصلاح منظومة المناهج وتطويرها؟. وهذا التساؤل (الأخير) على وجه التحديد يدفعنا للقول وبدرجة عالية من الثقة أن ما يدور حالياً من نقاشات وتصريحات متبادلة جاء في سياق غابت فيه النظرة النقدية الموضوعية، وهو بالتأكيد لا يرتقي للمستوى الذي يخدم قضايا إصلاح المناهج وتطويرها، وأن المتضرر الوحيد من كل ذلك هم أبنائنا وبناتنا في ربوع الوطن المختلفة، إن لم نتدارك هذه الصراعات ونضبطها بالاحتكام لصوت العقل والمنطق.

وأخيراً، أتوجه برسالة خاصة للسيد مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي، بأنه قد حان أوان الإعلان عن منظومة مؤشرات المدخلات والعمليات التي تقدم توصيفاً دقيقاً لما تم التوافق عليه من تعديلات وإصلاحات (وهي الممارسة التي لم يتم تبنيها خلال العقود الماضية)،  يتزامن مع ذلك الإعلان عن الآلية التي سيتبناها المركز لقياس مدى فاعلية ما يتم تبنيه من خطوات وإجراءات للإرتقاء بمنظومة المناهج، وكذلك الإعلان عن الآليات التي سيتم تبنيها للقياس المستمر في مستويات التحسن التي يمكن أن تتحقق في تعلم أبنائنا وبناتنا نتيحة للإجراءات والإصلاحات المعلن عنها، كما أنه من المهم الإعلان عن اسماء فريق الخبراء والمتخصصين الذين يقودون جهود إصلاح منظومة المناهج وتطويرها مع نشر سيرهم الذاتية. وما من شك في أن مثل هذه الخطوات المؤسسية ستبعث بالعديد من الرسائل التطمينية لكافة قطاعات الشعب السوداني (دون استثناء)….

وفقنا الله وإياكم في خدمة المجتمع السوداني

د. سليمان زكريا سليمان عبدالله
أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس – سلطنة عمان
أستاذ مساعد (سابقاً) بكل من جامعة بخت الرضا وجامعة الخرطوم
[email protected]

‫10 تعليقات

  1. يازول ما تلف وتدور نحنا كلامنا واضح قريبك
    دا نحنا اختلافنا معه فى منهج التربيه الإسلاميه. أقول ليكم خليه يغير ليكم يا قحاته التربيه المسيحيه ادرسوها أنتو لكن ما يقرب لينا على الإسلام الإسلام عندو أهله الذين يضعون مقررات الأطفال والكبار

    1. اهلو يا ابن العا هرة كنتو وين يا اهلو؟ كنتو وين لما الطفل ما بيقدر يدخل مدرسة ذاتو لانك يا كيزان ويا سلفية سرقتوا عشان تسدوا شهوة بطونكم وفروجكم قال اهلو قال

    2. طيب وانت 30 سنة ليه ماتكلمت وقت كان صبية وانجاس وسفهاء الترابي عديمي الشرف والأخلاق والدين يدمرون في التعليم الراجل طرحو موضوعي والأرقام التي تود أن المشروع الحضاري التدمير لخنازير الموتمر البطني دمر التعليم وماتمسك في جزئية الدين لانو الترابي بتاعك وعلي قرد الفحم 30 سنة شفناهم هم بلادين تطوير التعليم والمناهج تهمل به لجان وهم سودانيين مش كيزان خنازير لذا كن علي ثقة المناهج ستكون متوافقة مع الدين الإسلامي مش دين إخوان الشيطان والخرا والقرف بتاع مالدنيا قد عملنا وطلعوا خنازير حرامية قتلة سفهاء انجاس

    3. عجيييييييييييييب !!!!!!!

      هل تُسمي إخوان الشيطان، المنافقين، الفاسدين، والضالين، أهل دِيّن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

      إتقِ اللّه، يا فقير !!!!!!!!

  2. أستاذ مساعد (سابقاً) بكل من جامعة بخت الرضا وجامعة الخرطوم؟
    يازول شكلك خريج بخت الرضا بكالوريوس ودراسات عليا، كيف اذن عملت استاذ مساعد في حامعة الخرطوم؟ أرجو ابراز السيرة الذاتية مختصرة لو أمكن

  3. اتفق معك فى المطالبة بنشر السيرة الذاتية لفريق الخبراء الذين يتولون هذا الأمر مع دكتور القراى حتى نطمئن على مستقبل الأجيال.. اما بخصوص ما ذكرته من ان الناس لم تنتقد الخلل فى المنظومة التعليمية والمناهج الا بعد الثورة فهذا غير صحيح لقد بح صوت العديد من خبراء التربية وأساتذة الجامعات والساسة والصحفيون فى المطالبة بإصلاح الخلل بل حتى ان هنالك مؤتمرات عقدت بواسطة الحكومة البائدة وخرجت بتوصيات محددة لإصلاح العملية التربوية برمتها ولكن ذهبت كلها إدراج الرياح لأن الأمر كانت تتحكم فيه مراكز قوى محدودة اتخذت من هذا الأمر مصادر للتربح والفساد وقصد تجهيل الأمة .. فافشلت كل الدعوات المنادية بالإصلاح

  4. موضوع فقر التعلم في السودان موضوع شائك تدخل فيه عوامل اخرى منها المستوى التأهيلي للمعلمين ومدى تحفيزهم ومعالجة مشاكلهم وعلى رأسها الاقتصادية، إضافة للبيئة المدرسية المنهارة ، والسلوكيات التربوية الخاطئة، والحالة الاقتصاية والنفسية للطالب والبيئة المنزلية ، وهذه كلها مع ضعف المناهج قادت إلى تدهور التعليم الذي شهدناه ولاصلاح التعليم في السودان ينبغي النظر إلى جميع هذه العوامل بصورة متكاملة، أما بخصوص اللغط الدائر حول القراي فله اهداف اخرى أهمها ما ذكره اتحاد المعلمين ويتمحور في محاولة من يدعون غيرتهم على الاسلام تعطيل مسيرة التغيير لأغراض خاصة ولن ينجحوا في ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق