مقالات سياسية

تعاطي أمريكا مع فيروس كورونا

بابكر عباس الأمين

ضمن الدول الصناعية، يبدو جلياً أن أسوأ دولة تعاطت مع أزمة فيروس كورونا هي أكثرها غني وثروة: الولايات المتحدة. بعودة قليلاً إلى الوراء؛ عقب إعلان الصين عن الفيروس وما اتخذت من تدابير إزاءه، استحسن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أداء تلك الدولة، وامتدح علي وجه التحديد رئيسها شي جينبينغ لـ”شفافيته”، مثلما استحسن أداء منظمة الصحة العالمية. وفي بدء ظهور حلالات “كوفيد-19” في الولايات المتحدة فيما بعد، وصفه كخدعة من الديمقراط، وتهاويل من وسائل الإعلام. وبعد ازديادها، ذكر في 26 فبراير/ شباط أن الحالات ستقترب من الصفر خلال يومين. وفي الشهر التالي، والوباء يستشري، استهان به ذاكراً أنه شبيه بالأنفلونزا، وأن دفء الطقس بحلول شهر أبريل/ نيسان كفيل بالقضاء عليه. ثم رفع الأمر للسلطات السماوية، قائلاً إن يسوع المسيح سيحل المعضلة، ودعا شعبه للصلاة قائلاً: “لا توجد مشكلة يعجز الله عن حلها، بعون الله سنتجاوز هذه المحنة.” (أسلوب الإسلاميين). تساءل ترامب، إذ ذاك – حسب منطقه – أن ضحايا حوادث المرور في قطره أكثر من أضحية كورونا، فهل يعني اتخاذ ذلك ذريعة لمنع شركات السيارات تصنيع المزيد من منتجاتها! أي أن أضاحي الفيروس التاجي أقل عدداً من قتلاء حوادث العربات، وبالتالي لا يوجد داعٍ لإغلاق الاقتصاد. تفوّه الرئيس بتلك الأقاويل وعينه على نوفمبر/ تشرين الثاني، الانتخابات الرئاسية، ولئن تدهور الاقتصاد خسرها.

بعد اتساع مدّ الفيروس في الولايات المتحدة، غيّر الرئيس الديماغوجي نبرته، وإذا الذي استحسنه بالأمس يستقبحه اليوم، مُناقضاً نفسه، ظاناً أن بوسعه حرف الانتباه عن فشله بأن ينوطه على مشجبين. الأول الصين، إذ أمسي ينسب ذلك الكائن المجهري إليها “الفيروس الصيني”، رغم أن منظمة الصحة العالمية قد أوصت بعدم استخدام عبارات تقرنه بالجغرافيا، كالصين أو مهده مدينة ووهان، لتفادي التنميط. وباتت أصوات يمينية – ضمنها نواب “كونغرس” جمهوريين – تنعته بـ”فيروس الحزب الشيوعي الصيني”، كما لو أن الفيروسات تنبثق من مراجع آيدلوجية. أعقب ذلك، مثلما حذرت المنظمة الصحية، موجة جديدة من جرائم الكراهية إزاء ذوي الأصول الآسيوية، ليس فقط في أمريكا، بل كذلك في أوروبا تمظهرت في اعتداء لفظي وجسدي عليهم، رغم أن السواد الأعظم منهم لم يرَ قارة آسيا، وليس له علاقة بها ما خلا الملامح. وبدون بيّنة، زعم ترامب أن الفيروس قد تمت هندسته في مختبر في ووهان، حُجة رفضت أن تدعمها شُعبة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، ورفضتها ثلاث من دول “العيون الخمسة” (بريطانيا وكندا وأستراليا)، وهي تحالف يتبادل المعلومات الاستخباراتية يشمل إلى جانب أمريكا، وتلك الثلاث، نيوزلندا. ليس هذا وكفي، بل سعت الإدارة الأمريكية لتعميم روايتها على وزراء خارجية “مجموعة السبعة”، في اجتماعهم الافتراضي الأخير، بتوصيف ذلك الكائن بـ”فيروس ووهان”، فخاب مسعاها، إذ رفضت تلك الكتلة، وانفض سامرها بدون إصدار بيان ختامي لهذا السبب.

ثاني اثنين المشجب، منظمة الصحة العالمية، التي هاجمها ترامب بحجج واهية، أنها تحابي الصين، وفشلت في التحقيق عن الوباء في طوره الأول، وأعلن عن تجميد سهم دولته في ميزانيتها. ولئن تلكأت الصين في إخطار تلك المنظمة بالفيروس، فما كان لها الخِيرة، فمن المعلوم، أنها ليست جهازاً استخباراتياً، وليس في دستورها ما يفرض على الدول أن تزودها بمعلومات، وليست لها سلطة فوق سلطات الدول. أحدث هذا القرار سخطاً عالمياً، وقُوبل بشجب من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، كالاتحاد الأوروبي وكندا واليابان. علاوة على قادة الحزب الديمقراطي، وعلى رأسهم نانسي بلوسي المتحدثة باسم الهيئة التشريعية، التي وصفته بأنه غير قانوني. والحاصل – حسب “واشنطن بوست” (28/4/2020) – أن ترامب قد وصلته تقارير استخباراتية في مطلع يناير/ كانون الثاني عن الوباء في ووهان، إلا أنه لم يعرها اهتماماً، فالرئيس بطبعه يمقت قراءة كل شيء، حتي لو كان تقريراً من صفحات معدودات. غير أن قرار تجميد العون للمنظمة المعنيّة يبدو منسجماً مع منهاجه الانكفائي، المُختصر في شعار “أمريكا أولاً”، والذي جسّده بسحب دولته من عدة منظمات دولية، كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونسكو” وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وبرنامج الغذاء العالمي، ومجلس حقوق الإنسان، أحد أذرع الأمم المتحدة.

والرئيس، لا زال سادراً، وعينه على الانتخابات، فاقم من حالة الاستقطاب والتوتر المجتمعي التي تعاني منها أمريكا لسنوات في تقاطعات ثقافوية وإثنية وطبقية، أضاف إليها توتراً بين المركز والولايات. إذ خاض حرباً أهلية خاسرة مع الولايات، مُستعجلاً إعادة نشاط الاقتصاد، حين ذكر أن لديه سلطات مُطلقة فوق سلطاتها (يبدو أنه لم يطلع على الدستور الذي أقسم عليه)، وبالتالي هو من يقرر إعادته. ولما تحداه سبعة من حكام الولايات، وكونوا تحالفاً يعارضه، راجع موقفه. ثم لجأ إلى فعل كيدي آخر، هو دعم التظاهرات التي تطالب برفع العزل المنزلي، والتي نظمتها جماعات يمينية متطرفة، هي في الأصل شيعته، كما اتضح من اليافطات التي رفعتها، واحتوت على عبارات تندّد بالمهاجرين، أو تعادي السامية. مثلما يتضح من المعلومات المضللة، التي تبثها على الشبكات الاجتماعية، وتزعم أن العزل المنزلي يرتقي للأحكام العُرفية، أو أن الفيروس خدعة، أو مؤامرة من اليهود، أو أن نقله قد تم عبر المهاجرين غير البيض. ضمن تلك الجماعات ما ينادي بالحق غير المُقيّد في اقتناء السلاح، ومنها ما يؤمن بتفوّق العرق الأبيض، وبعضها ما يعارض التطعيم كمبدأ، علاوة على البرجوازية الصناعية، التي تحرص على إعادة النشاط الاقتصادي، ولو أدي لمزيد من ضحايا “كوفيد-19”.

ورُب ضارة نافعة، قبل غزو الفيروس للولايات المتحدة، كان احتمال فوز دونالد ترامب بولاية ثانية عظيماً، إذ كان أداء الاقتصاد جيداً، مع انخفاض هائل في نسبة البطالة. أغلب الظن، وبسبب سوء إدارته للجائحة، وتداعياتها الاقتصادية، بالأخص تلك التي حاقت بمستودع أصواته في الانتخابات الماضية، الولايات المنتجة للنفط، والمناطق الريفية التي اكتسحها الوباء مؤخراً، سيخسر الانتخابات المقبلة. كذلك، يتكهن مراقبون أن يفقد الجمهوريون هيمنتهم على مجلس الشيوخ للديمقراطيين، في سيناريو شبيه بذاك الذي حدث أثناء ولاية جورج بوش الابن، الذي افتري أدلة لغزو العراق، وما أعقبه من فضائح كالتعذيب في سجني أبوغريب وغوانتينامو، فخسر الجمهوريون “كونغرس” في 2006، ثم فوز باراك أوباما بالرئاسة!

بابكر عباس الأمين
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق