مقالات سياسية

الفصل السادس

عندما اندلعت  الثورة السودانية ، وهبت رياح التغيير ،واصطفت الجموع في الشوارع  وهزمت  حناجر الثوار ، بهديرها رصاص الطاغية ، والثوار يقابلون قناصة النظام   من أعلى المباني والعمارات بصدور عارية ،  وجثث الشهداء تتساقط ، وقوات الأمن تقتحم البيوت ، تقتاد الثوار إلى المعتقلات بكل إذلال واهانة  ، وتضرب النساء والفتيات . تخوف بعض الناس مما سيؤول له السودان ، كان التخوف من الفوضى والاضطرابات ،  ومصير ليبيا والعراق والصوملة ، وارتفعت بعض الأصوات بأننا لن نسلم بلادنا للفوضى ، مهما كانت المبررات ، وربطوا بين التغيير الذي سيحدث وبين الفوضى التي ستعم البلاد .
كان الكثيرون من أبناء السودان المخلصين  ، يصرون على أن الضمان لنجاح ثورة السودان هو سلميتها ، و قدر الله أن تبلغ الثورة غاياتها ، وتحظى بإعجاب دول العالم ، ويحقق الشعب أمانيه  ، بزوال عهد الهوان والانكسار، والفساد والتمكين فصمت  المتخاذلون.

نجحت  الثورة وتعالت الأصوات ، مطالبة بالعدالة الانتقالية ، إذ أجمع الكثيرون  أن عدم المحاسبة ، هو سبب تكرار الإقصاء في الحياة السياسية  في السودان ، وتكرر المظاليم والانتهاكات ، وأن الإفلات من العقاب  ، هو السبب في تكرار تلك المآسي  ،فيحول غيابها أي المحاسبة  ، دون التداول السلمي للسلطة ،فتتحرك  دبابات الانقلابات  العسكرية في الشوارع ، عاصفة بأماني الحرية والديمقراطية  ودولة القانون والمؤسسات ، ويعم الفساد والمحسوبية،وهو الذي يجعل موارد الدولة وخيراتها مخصصة لفئة دون بقية الشعب.

فغابت العدالة الانتقالية بعد ثورة  أكتوبر1964م ،بالنسبة لمدبري الانقلاب العسكري 1958م برئاسة عبود، وأعفي ضباط الانقلاب من الحساب ، لتنازلهم عن السلطة طواعية ، وغابت العدالة الانتقالية بعد انتفاضة أبريل 1984 ، واكتفى الناس ببعض المحاكمات لمدبري انقلاب مايو. فغابت العدالة الانتقالية التي تؤدي لعدم تكرار هذه الانتهاكات آنيا أو مجددا في المستقبل.

لكن يرى البعض أن العمل بالعدالة الانتقالية الآن، سيستغرق وقت طويل من عمر البلاد  ، وربما سيمتد ذلك لأكثر من أربع سنوات ، والأجدى أن تكون هذه السنوات في بناء البلاد ،  مستندين في ذلك على مادار في بعض الدول.
تقوم العدالة الانتقالية عبر اثنين من الآليات،  هما المحاكمات  ولجنة  المصالحة الوطنية ، ففي حين تقوم المحاكمات بالتحقيقات في الانتهاكات ، ثم إنزال العقوبات وإنصاف الضحايا ،أي أن المحاكمات بالمحاسبة على جرائم الماضي ، أما لجان المصالحة الوطنية فتعمل لضمان عدم تكرار تلك الجرائم والانتهاكات مستقبلاً ،  وتستهدف لجان المصالحة الوطنية أولجان الحقيقة والمصالحة كما تسمى أيضاً ثلاثة غايات هي حماية الحقائق التاريخية من التزييف ، ومعرفة حقيقة الانتهاكات ، وجبر ضرر الضحايا وعائلاتهم  ، والقيام بعدد من الإصلاحات السياسية والمؤسسية التي تتضمن عدم تكرار  الانتهاكات وتأسيس الديمقراطية تتضمن لجنة  المصالحة الوطنية  لجان الاستماع التي يتم فيها الاستماع لمرتكبي الانتهاكات والضحايا  معاً ، حيث يدلي الجناة  بالاعترافات ، ثم من بعد تكون لجنة البحوث التي تساعد في تبويب تلك الانتهاكات في مجلدات تاريخية ،  بتقسيمها إلى مستويات ويشمل هنا الرهان أن الاعتراف بالانتهاكات والسجلات التاريخية لها ، يضمن  عدم تكرارها مرة أخرى مستقبلاً ،  وتشمل لجنة المصالحة الوطنية العفو عن بعض الانتهاكات بعد تقدم مرتكبيها بطلبات للعفو ، وتعمل أيضاً لجان المصالحة الوطنية على إصلاح.

مؤسسات الدولة لكي لاتتم الانتهاكات مستقبلاً
كادت البلاد بعد الثورة وحتى توقيع الوثيقة الدستورية، أن تنجرف في مستنقع الوحل  وأراد البعض أن يستغل  بعض الظروف، ويزرع عدم الثقة بين قوى الثورة والمجلس  العسكري ويصطاد في الماء العكر،وتعم الفوضى ويكون السودان هو الخاسر لكن إرادة لله كانت هي الغالبة في حفظ البلاد والعباد.

تقف من وراء كل هذا ، جذور للنزاع ممعنة في القدم  ، فشهدت أجزاء من البلاد الحركات المسلحة والحروب، جنوب السودان شهد أطول حرب في القارة الأفريقية انتهت بانفصال جزء عزيز من الوطن ، وجبهة شرق السودان دارت معاركها مع الحكومة حتى كللت مساعي السلام باتفاقية اسمرا ، ودارت الحرب أيضاً في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ، ومازالت المفاوضات تدور في مدينة جوبا للسلام .  كل هذه العوامل تجعل من الدولة السودانية ، دولة يمكن أن تكون في مهب الريح في أي لحظة ، خاصة بعد أن سنت حكومة المؤتمر الوطني، سنة سيئة وهي التفاوض مع الجهة التي ترفع السلاح ، من دون الأطراف الأخرى ، وإغرائها بالمناصب وذلك على حساب التنمية والخدمات ، في المناطق التي شهدت النزاعات في مايعرف بالمفاوضات الثنائية ومفاوضات المقايضة ، مماشجع جهات أخرى لحمل السلاح ، وعمل هذا على تناسخ الحركات المسلحة، مادام البندقية هي السبيل للتفاوض والحوار، وما يترتب على ذلك من قسمة الثروة والسلطة والمناصب.

هذه النزاعات صدقت فيها مقولة ( معظم النار من مستصغر الشرر )، حيث بدأت كل هذه الحركات بمطالب بسيطة، ولكن تعنت الحكومات في الفترات الشمولية قادها إلى الغبن التنموي، فتحولت من مطالب لحركات مسلحة تدير المعارك ضد الدولة.

هذه الأرضية الهشة للسلام الاجتماعي في السودان ، تستدعى كثير من المخاوف وتتطلب كثير من العمل الدوؤب لبناء السلام ، والسعي الحثيث للأخذ بأسبابه . والثابت هو أن عملية بناء السلام مهما كانت تكلفتها، دوماً تكون أقل تكلفة من عملية حفظ السلام ، وتتمثل عملية بناء السلام في توطين اللاجئين والنازحين ومشاريع للإيواء ، وتكاليف خدمات التعليم والصحة ، ومشاريع التسريح وإعادة إدماج المقاتلين ،  وإعادة بناء الدولة السودانية ، والمشروعات التنموية ،  لذا يرتبط الفصل السادس بعملية بناء السلام، في حين يرتبط الفصل السابع بعملية حفظ السلام.

عملية بناء السلام هي عملية متطورة في داخلها اعمار وتنمية وبناء قدرات وتطوير  وهي عملية خلاقة تعالج الأسباب الجذرية للنزاع ، وتحول دون أن يشتعل فتيل الحرب من جديد في القريب أو في المستقبل ،في حين أن عملية حفظ السلام هي عملية المراقبة والمتابعة للحيلولة دون وقوع اشتباكات بين طرفي النزاع ، ورغم ذلك تتخللها الاشتباكات بأن يخرق أحد الطرفين ، عملية إيقاف الحرب ذلك لأن الأسباب الحقيقية للحرب ماتزال موجودة ، والصراع إن كان منع بالقوة في الميدان ، لكنه مايزال يخطط له في العقول ، وأسباب الفرقة مازالت  باقية في النفوس ، وتنتظر الفرصة السانحة ليدوي صوت البندقية من جديد.

الثورة السودانية التي ضحى  من أجلها الشهداء ، الآن تخنق بالإزمات الاقتصادية وتتكرر المحاولات لقيد هذا الحبل حول عنقها بعناية ، ومجموعة تحاول إعادة عقارب الساعة للوراء ، لايهمها من أمرء البلاد شيئاً ،غير أنها تحمي  مصالح معينة  مستخدمة في ذلك الأسلحة المشروعة وغير المشروعة ، لدرجة استخدام الوباء العالمي للمزايدات السياسية .

تخرج الشارع رغماً عن حظر التجول المفروض لمنع تفشي المرض، وتنكر للمساكين والبسطاء وجود المرض من أصله ، ولاتعرف  نوايا  تلك الجهات، في سبيل إعادة مملكتهم المفقودة أو المسلوبة ،كما يزعمون وإلى أين سيسوقون البلاد ، لاتعرف ماسيفكرون القيام به ألا يكفيهم هذا الضياع من السنوات من عمر إنسان الإنسان وهو غارق في الفقر في بلد حدادي مدادي، كان يفترض أن يكون يوماً سلة غذاء العالم ، ألا يكفيهم معاناة الإنسان في بعض المناطق من البؤس والمرض ، حيث يجاهد البعض فقط من أجل مياه الشرب وهم يتوعدون الناس بأننا سنفعل وسنفعل يتوعدون الناس بالفوضى ووعودهم مصحوبة بالإرهاب وأشياء كثيرة ، سلم الله البلاد والعباد مما يضمرون ومما يخططون.
تتعاظم  حاجتنا لبناء السلام ،لأن عملية حفظ السلام هي عملية مؤقتة ولست دائمة  ولكن عملية بناء السلام هي أن يولد السلام ، ويتطور ويمشي بين الناس ،بمعنى أنه لايمكن للدولة، أن تعيش دوماً على قوات حفظ السلام ، وهكذا تتدرج عمليات إحلال السلام من فرض للسلام وحفظ إلى صنع وبناء السلام وهذا هو الدائم ، وهذا هو التطور المنطقي .                                                              .
على كل لأبد للديمقراطية وآمال الشعب في التطلع لحياة كريمة،لأبد أن تحرس هذه الأماني من الانزلاق في مستنقع النزاعات والحروب ،ولأبد تفويت الفرصة على الذين يريدون أن تعم الفوضى .

د. السموءل محمد عثمان
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق