مقالات وآراء

ستموت فى العشرين: نبوءة تتحقق

(1)

ستموت فى العشرين فلم للمخرج الشاب امجد ابو العلا ، يبدأ الفلم بطفل احضرته والدته لاحد الشيوخ لمباركته بعد ولادته ،احد الدراويش والذى كان حاضرا وقتها وفى حالة من الجذب الصوفى ،كان يسبح متتبعا عدد،عندما بلغ العشرين وقع مغشيا عليه ،فانتشرت فكرة /شائعة ان الطفل سيموت فى العشرين ،الشيخ نفسه لم يقل ذلك صراحه واضمره اضمارا ثم ترك الباب مواربا ،للتأويل ،وسرعان ما انتشر هذا الهاجس وتحول الى قناعة وايمان جماعى ،لن اسرد تفاصيل واحداث الفلم شديدة العذوبة والتشويق لتستمتعوا به حين عرضه جماهيريا ، ولكن ساتحدث فى هذه العجاله عن بعض عناصره التى لاخلاف على تميزها على منهج المحبه ونسب الفضل لاهله اما القراءة النقديه الشامله للفلم والتى تميز ماله وماعليه فوقتها بعد العرض الجماهيرى للفلم.

ستموت فى العشرين يعلمك الحياة واشياء اخرى ،يقترح عليك طريقة جديدة فى الحياة ،اسلوب فى الكلام والتعبير مختلف، كانه يدعوك للدخول فى عالم موازى ،واقع يشبه الواقع ولا يشبهه ،قبل ان تلج فى عوالم الفلم يجب ان تخلع نعليك بعيدا ،وتخلع معها ماتعرفه مسبقا عن الطريقة المألوفه فى اداء الاشياء ،الحوار قصير ،كثيف ومحمل بالدلالات ،هل ينجح ذلك ؟
الغريب انه ينجح ! لان الصورة هى احد الابطال الاساسيين فى الفلم ،الكلام ليس هو كل شئ فالصورة تنبض بالطاقه والحكى ،الصورة تتمتع بثراء مدهش فى المشهد الذى يحتشد دائما بالتشكيل ،تخدمه عناصر الضوء ،الظلام ، النهار والشمس ،كل ذلك يجعلك وانت تشاهد الفلم كانك تقف على حافة حلم ما ، لا يسمح المخرج للموضوع الواحد بممارسة الانانيه داخل (الكادر) ويحتكر الشوف .

ستموت فى العشرين يضيف لحواسك حساسيه جديدة / زائدة تجعلك تستعذب الشوف فى العتمه كأن للعتمه كيان ، جسد وحضور ،استخدم الفلم الايحاءات ولغة الجسد باقصى طاقاتهم الممكنة بحيث اصبح ما لا يقال بالكلمات يتساوى فى الاهميه مع ماقيل بالكلمات ،الغياب فى الحضور والحضور فى الغياب !!احدى تجسدات هذا العالم الموازى الذى يحاول المخرج امجد ابو العلا صناعته ويدعوك للدخول فيه ، يتمثل فى مشهد يصور كثبان رمليه ،تظهر فى المنطقه كأن الصحراء تختتم يومها الملئ بالصوم والعطش وهى تتأهب للارتواء والامتلاء والشبع ،هكذا فى معظم اجواء الفلم الذى يعكس بيئة فقيرة وبائسة على نحو ما ،الا انك لا تستطيع ان تتأكد من هذا البؤس والشقاء ،عندما تراه سرعان مايختفى ،عندما تشعر به سرعان ما يتبدد ،حلاوة قطن ،تختفى ويبقى الطعم ،نعومة تتفجر من ثنايا البؤس وتجعل جميع المشاهد فى الفلم خلصانة بشياكة –
ايضا يضرب الفلم عميقا فى خاصرة الفلسفه ،يلسع بالاسئلة الخاطفه ،ولكن بغير وجع ،متجنبا الخراقه ومتجاوزا للهتافيات ،خاض الفلم بشدة فى اسئلة الوجود والمعنى دون ان يلطخ ثياب الا خرين بالوحل والطين ، لم يتطوع بالاجابات الجاهزه ،وبمهارة دس هاجس الاسئلة فى جيب المشاهدين ،يفضونها وهم على عتبات الخروج .

ستموت فى العشرين يعانقك بمحبة فاتحا ذراعيه لمستويات متعددة من التأويل والقراءات والشوف ،ثم انه لا يبالى بعدها ان تمطره بالقبلات او تودعه باللعنات ،المثقف الاساسى فى الفلم يذكرك بذائع الصيت مصطفى سعيد ،يتشارك معه نفس المصير تقريبا ،العودة فى اخر العمر للعيش فى قرية نائيه ،الجميع فيها يختلفون عنك ،،لماذا تفعل ذلك ؟ هل عودتك خيارا معرفيا ومن ثم فهى فى عمقها تشكل موقفا صوفيا او روحيا !! ام ان الامر ليس اكثر من مجرد هزيمة نفسيه ووجوديه ! ربما كان فقط ينقصك المزيد من الجرأة والصدق لتصل الى اماكن ابعد !

ستموت فى العشرين كان موضوعيا جدا وواقعيا ،لم يراهن فى تجسيد شخصياته على معايير الجمال التقليديه / المألوفة خاصة النسائية منها بل استخدم ووظف فنيا وجوه سودانيه موغله فى الاصاله ،برع المخرج فى اختيارها ،تضج بالحياة والنداء ،نديانة بالسمرة ،تطفر من عيونها الاف المعانى والاشواق /بعيدا عن موضوع النبوءة داخل الفلم وما حدث بخصوصها الا ان المدهش ان نبوءة ستموت فى العشرين تحققت فعلا فى العالم الواقعى وهاهو ملاك الموت يتلفح عبائته ويتأبط منجله الاسود الطويل ويطوف محلقا حول الكرة الارضيه حاصدا الارواح فى السنة العشرين بعد الالفين من تاريخنا الحاضر ،استطاع امجد ابو العلا ان يقبض ببراعة على التوليفة المثاليه لصناعة محتوى ناجح جماهيريا وفنيا ونقديا وفى تقديرى ان باستطاعته بنفس هذا الاقتدار الذى صنع به الدراما ان يصنع بنجاح musical film يذخر بالاستعراض، يمكنك ان تقرأ ذلك فى المجال الحيوى الذى كانت تتحرك ضمنه كاميرا امجد فى الفلم ،ولحسن حظ صناعة السينما السودانيه وبعد سباتها العميق لعشرات السنوات ان امجد يبدو وكانه يستهل عمله من حيث انتهى الاخرون ،العراب يوسف شاهين والاستثنائى خيرى بشارة ،وربما قفز بنا مرة واحده ،ومن المرة الاولى للعالميه مباشرة –
ستموت فى العشرين ،فلم بطعم الثورة وهو فى جوهره ،احتفاء بالحياة ومعانقة للحقيقه ،استمتعوا بمشاهدة الفلم حين عرضه بدور العرض السودانيه وكونوا جزءا من صناعة الحلم الكبير –

واخيرا ،
بعض شخوص الفلم داخل الفلم فى كلمتين :-
– محمود السراج : –
العراب /مثقف (روحانى) على طريقته الخاصه ،ان تكون شابا محظوظا يعنى ان تضع الصدفه فى طريقك مثقف حقيقى يفتح فى روحك نوافذ جديده تطل بها على العالم

-طلال عفيفى :-
الراهب فى محرابه ،اداء بارع فى المذاوجه بين التشخيص الحركي والنفسي

اسلام مبارك : –
اداء باذخ مسربل بالمرارة ،التى سرعان ماتنتقل لفمك وانت تشاهد ،وستفتحه دهشه على اتساعه وانت ترى التحولات التى يصنعها الماكير وال stylist فى الطلة والشخصية

-امل مصطفى :-
اداء طازج وجديد شديد العنفوان ،يدفعك لاعادة تعريف الاشياء من جديد

– بنه خالد :-
الثورة انثى ولولاها ماكانت ،وياليت كل الشباب تقطع عليهم الطريق حورية تخرج من احلامهم وحينها يتعلمون كيف ان الحب الحقيقى يطهر القلب ولا يدنس الجسد

-مصطفى شحاته :-
الخلطة السحرية فى المزاوجه بين الشعور والتعبير عنه بالعيون الذكية

واخيرا جدا :
كما يقول العارفون (الماعندو محبة ماعندو الحبه )
🎥 نعود مرة خرى لقراءة تفصيليه نقديه للفلم وعوالمه حين عرضه جماهيريا داخل السودان ان شاء الله
🎯حصد الفلم جائزة اسد المستقبل فى فينسيا والجائزة الذهبيه فى مهرجان القونة السينمائى وربما كان الان يتلمس طريقه نحو الاوسكار

حسام البر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..