مقالات وآراء

حزب الأمة القومي ودوامة الخروج من “الأمة”

مر أسبوعان منذ أن أعلن حزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي في يوم الأربعاء الموافق 22 إبريل 2020م، تجميد نشاطه في هياكل قوى الحرية والتغيير “قحت” (الحاضنة السياسية للحكومة) لأسبوعين، والدعوة لمؤتمر تأسيسي لقوى الثورة من كافة الموقعين على إعلان الحرية والتغيير داخل وخارج هياكل “قحت”، لدراسة واعتماد العقد الاجتماعي الجديد لإصلاح هياكل الفترة الانتقالية لتحقق مهامها الواردة في الوثيقة الدستورية. وقال الحزب “إن عدم الاستجابة لهذا المطلب مع احتقان الظروف في البلاد، يوجب علينا العمل من أجل تحقيق التطور والإصلاح المنشود مع كافة الجهات الوطنية من قوى الحرية والحكومة التنفيذية والمجلس السيادي بشقيه المدني والعسكري”.
في المقام الأول، وبناءً على العرف الدولي لمفهوم العقد السياسي، فإنّ أي اتفاق يتم التوصل إليه من المؤتمر التأسيسي المزعوم الذي يدعو له حزب الأمة القومي، سيكون اتفاقاً سياسياً بين القوى الموقعة فيه، وليس عقداً اجتماعياً كما يدعيه الحزب.
ثانياً، يعتبر حديث الحزب ب”إن عدم الاستجابة لهذا المطلب مع احتقان الظروف في البلاد، يوجب علينا العمل من أجل تحقيق التطور والإصلاح المنشود.. “ بأنه تهديد لمسار الثورة الديسمبرية لتحقيق أهدافها المرسومة، وهذا يوحي لنا أن حزب الأمة القومي يعتقد أنه الوصي الأمين على السودان، وبالطبع هو ليس كذلك. في هذا الظرف نقول لمن يعتقد بأن حزبه له حق الوصاية على البلاد عليه أن يصحو من غفوته، لأن الشعوب السودانية ما عادت تأتمر بأمر الزعيم الديني فأصبحت مؤمنة بأنها صاحبة السيادة الوحيدة في بلدها. وما الثورة الديسمبرية لعام 2018م إلا دليل قاطع على ذلك، وأخال أن قيادة حزب الأمة القومي مدركة لهذه الحقيقة، إلا أنها تكابر. لذلك ليس لأي فرد كان ولا حزب أن يدعي ملكية السيادة، فكل ما في الأمر هو أن الشعوب هي التي تختار من يقوم بإدارة شئون البلاد لفترة محددة ثم تستبدله بآخر وهكذا تتم إدارة شئون البلاد بأسلوب سلمي وديمقراطي.

ثالثاً، عندما يدعو حزب الأمة القومي بالعمل “… مع كافة الجهات الوطنية من قوى الحرية والحكومة التنفيذية والمجلس السيادي بشقيه المدني والعسكري”، أليست أليس هذه هي نفس الفعاليات السياسية التي خرج منها؟ أم القصد هو تجميد برامج المصفوفة وايقاف أعمال لجنة إزالة التفكيك ومحاربة الفساد، ولو لحين. ولمصلحة من هذا التعطيل غير الوطني؟

في البدء، دعنا نُعرِف مفهوم العقد الاجتماعي كما سطره لنا فلاسفة التنوير في العصور الوسطى. تاريخياً، هناك إشارة بأن بداية تطور مفهوم العقد الاجتماعي كان في القرن الثالث عشر الميلادي، إذ يذكر أن الصراع حول الإقطاعيات وحقوق الاستنفاع منها قد أفضى إلى ثورة مسلحة قادها عدد من البارونات ضد الملك جون، ملك إنجلترا، ومن ثمّ تمّ اجباره على توقيع وثيقة الحقوق في إنجلترا في العام 1215م المسماة ب”ماقنا كارتا Megna Charta” أي وثيقة الشرعة الكبرى، إذ أصبحت هذه الوثيقة بمثابة الأساس لمبادئ الدستور المتفق عليه من قبل مواطني البلد. منذ ذاك الزمان أصبح مفهوم العقد الاجتماعي في العرف الدولي مرتبط باتفاق أصحاب المصلحة في شروط التعايش السلمي، إذن العقد الاجتماعي هو الميثاق العظيم للحريات. لذلك كثير من علماء القانون الدستوري يعتبرون وثيقة “الماقنا كارتا” من أهم الوثائق القانونية في تاريخ الديمقراطية، إذ أدت إلى سيادة القانون الدستوري اليوم، لهذا نقرأ في يومنا هذا بعض من سمات هذه الوثيقة في بنود بعض الدساتير، مثل “لن يٌسلب أي رجل حر أملاكه أو يسجن على أيدي رجال آخرين مساوين له، إلا إذا خضع لمحكمة عادلة، أو لن نبيع العدالة لأحد، ولن ننكرها على أحد، ولن نؤخرها عن أحد”.

لذلك فالعقد الاجتماعي في معناه العام هو اتفاق مجموعة من الناس الذين جمعتهم رقعة جغرافية محددة، من التنازل عن حريتهم الطبيعية للإرادة العامة، وذلك لتنظيم التعايش السلمي بينهم. من هذا المنطلق فإن الجبهة السودانية للتغيير تسعى سعياً حثيثاً لتنوير الشعوب السودانية حتى يتمكنوا من إبرام اتفاق يجمع جميع المكونات الاجتماعية لصالح إرادة التعايش السلمي في البلاد كشرط ملزم قبل الدخول في صراعات الحكم الذي دخلنا فيها منذ ما قبل الاستقلال.

نشأ مفهوم العقد الاجتماعي في صورته الحالية، كتطور طبيعي للفكر الفلسفي الذي كان سائداً في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، إذ عمل ذات الفكر على وصف الأوضاع السياسية للمجتمعات الأوروبية المتناحرة آنذاك، لذلك تمّ ابتكار نظريات سياسية – تمّ تلخيصها، بنظرية العقد الاجتماعي – ساعدت تلك المجتمعات في الوصول إلى الحلول للأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت توصف بالعدائية بين الشعوب. إن مفهوم العقد الاجتماعي، الذي يعني في معناه العام، إبرام اتفاق بين الناس – المكونات الاجتماعية – الذين جمعتهم رقعة جغرافية معلومة، مثل هذا الاتفاق هو الذي بموجبه تتحد المكونات الاجتماعية وتكون هيئة معنوية لإدارة الإرادة العامة من أجل التعايش السلمي وبالتالي تتساوى في الحقوق والواجبات. فالعقد الاجتماعي، إضافة إلى الاتفاق حول البنود الأساسية لدستور البلاد الدائم وإرساء قواعد السلم، يعمل أيضاً على تأسيس تربية إنسانية للأجيال المتتالية على احترام الإنسان في قيمته البشرية، وعلى حب الوطن واحترام القانون، من منطلق أن جميع المكونات الاجتماعية هي صاحبة السيادة في موطنها، وما الأحزاب السياسية إلا مقاولون سياسيون يقومون بإدارة شئون البلاد عندما يرسي لأحدهم العطاء الدوري – الانتخابات – ولزمن معلوم.

ففي القرون الوسطى، نجد على سبيل المثال، أن الفيلسوف الإنجليزي، جون لوك، يرى أن قانون الطبيعة عند البشر “يجب أن يهدف إلى أن يُعلِم بشكل أساسي على ألا يؤذي فردٌ فرداً آخراً”. لذلك يؤكد جون لوك وجوب إنشاء اتفاق جمعي بين الناس على أن يكون الحكم فيها للأغلبية بشروط مقيدة. تأتي هذه الشروط المقيدة نسبة لأن حاجة المجتمع المدني إلى السلطة الحاكمة أو الدولة، هي الحاجة للمحافظة على الحياة والحرية والملكية وهي حقوق مهددة بالتعدي. لذلك نلاحظ أن الشعار الذي رفعته الثورة الديسمبرية المطالب ب(حرية، سلام وعدالة) هي نفس الحقوق التي عبر عنها فلاسفة التنوير قبل ما يزيد عن الثلاثمائة عام (المحافظة على الحياة والحرية والملكية). هكذا نجد أن العقد الاجتماعي في طبيعته عند جون لوك، هو تنظيم للحرية بالقانون، وقيام المجتمع المدني هو دلالة الحرية المنظمة. وبالتالي فإن مصدر قوة الدولة ينبع من العقد أو الاتفاق، الذي يقيد الحكومة ويفصل السلطات ويقر حق الثورة عندما تخرج الحكومة عن العقد أو الاتفاق.

وفي موقع آخر يري الفيلسوف الفرنسي، جان جاك روسو، أن العلاقات بين البشر هي من نوعين فقط. هما علاقات العداء، التي تحصل وتشكل حالة الطبيعة للإنسان، وعلاقات العقد، التي تُأمن وتشكل حالة المجتمع السالم. من هذا المنطلق، يرى روسو أن العقد الاجتماعي نابع من عدم المساواة السياسية، إذ تمثل الامتيازات التي يتمتع بها البعض على حساب الآخرين. لذلك يرى روسو في الدولة المدنية من خلال شكل التربية المدنية التي تعلم أفراد المجتمع واجباتهم وتعلمهم جعل حب وطنهم في المقدمة. لذا من الملاحظ أن روسو يعمل على استنارة المجتمع لأنها أساس بناء الدولة المدنية. ففي هذا يصف مستوى الوعي السياسي المتقدم الذي يجب أن يتوفر لجمهور الشعب، لأن تعضيد المساواة السياسية يعتمد على إمكانية المجتمع الذي فيه يكون المواطنون قادرون على التفكير بالقضايا العامة باعتبارهم يناقشون المسائل أو القضايا المواجهة لهم.

نخلص من هذا، أن العقد الاجتماعي هو اتفاق المكونات البشرية الاجتماعية بمطلق حريتها، في الشروط التي تجعلها تعيش في أمنٍ وسلام. وشتان ما بين هذا المفهوم والمحتوى وما يدعو إليه حزب الأمة القومي “لمؤتمر تأسيسي لقوى الثورة، لإصلاح هياكل الفترة الانتقالية”. إذ أن هذه الدعوة موجهة لمكونات سياسية من أجل تعديل برامجها. وقد تناست قيادة الحزب أن السلام، في أي مجتمع بشرى، يأتي قبل ممارسة الحكم في هذا المجتمع أو ذاك.

مما تقدم توصلت الجبهة السودانية للتغيير إلى قناعة راسخة بأن الدولة في المجتمع المدني هي التي تقوم أساساً على هدى طبيعة العقد الاجتماعي، إذ تنشأ من اتفاق جماعي بين كافة المكونات الإثنية السودانية بمنهج ديمقراطي على أن يكون الحكم فيها للأغلبية.

لذلك فإن الجبهة السودانية للتغيير، هي أول تنظيم سياسي طرح فكر العقد الاجتماعي في السودان بالمفهوم أعلاه في مؤتمرها الثاني في القاهرة في إبريل العام 2013م، وقد حضره عدد من القوى الديمقراطية والاتحادات المهنية، إذ تمّ نقاش مستفيض لورقة العقد الاجتماعي وتمّ الموافقة عليها من المؤتمرين. من هذا المنطلق، تجزم الجبهة السودانية للتغيير مرة أخرى بأن مفهوم العقد الاجتماعي هو اتفاق بين جميع المكونات الاجتماعية السودانية، وليس عقد سياسي بين الأحزاب السياسية الأمر الذي يدعو له حزب الأمة القومي تحت مسمى لا علاقة له بالدعوة، وهو أمر قد فشل فيه السياسيون بشكل مريع في فترات الديمقراطيات الثلاث، أي أثناء الجمعيات التأسيسية. ومن هنا نشير إلى القارئ إلى الإنتباه أن حزب الأمة يقحم مصطلح العقد الإجتماعي إقحاماً في سياق يشوّه المضمون ويضلل الأفراد والتنظيمات على السواء، فالملاحظ بشكلٍ جلي أن عنوان المؤتمر التأسيسي الذي دعا له الحزب لا يتسق بتاتاً ولا يتفق اطلاقاً مع وظيفة الفعاليات المدعوة للمؤتمر. لذا من المهم مراعاة ما دعت له الجبهة السودانية للتغيير من أمر العقد الإجتماعي بالمعنى الذي شرحناه باختصار في هذا المقال.

بعد التوضيح لمفهوم العقد الاجتماعي والتأكيد على أن الجبهة السودانية للتغيير، هي أول من طرحت هذه الفكرة على مستوي السودان، يحق لنا أن نطرح بعض الأسئلة الموضوعية في أمر بيان حزب الأمة القومي بخصوص تجميد نشاطه في هياكل “قحت”. (أ) هل هو خروج من “قحت”؟ وإذا لم يكن كذلك! (ب) ما مصير الحزب بعد قضاء الأسبوعين إن رفضت بقية أعضاء “قحت” لمقترح الحزب؟ (ج) لماذا طرح الحزب الدعوة لعقد اجتماعي؟ بينما الحق الأدبي لهذه الدعوة هي ملك الجبهة السودانية للتغيير، وكان من باب الأمانة أن يشير إلى ذلك في دعوته. (د) هل لأنه يريد أن يوهم الناس بأنه أتى بفكر جديد – وهو ليس كذلك – أم أن قيادة الحزب لا تدري حقيقة مفهوم العقد الاجتماعي؟ ثمة سؤال آخر ذو أهمية كبرى وهو، (ه) لماذا يعمل حزب الأمة على الدوام للخروج عن اجماع “الأمة”؟ (و) ألا يعني الاتفاق حول المصفوفة التي ناقشت واعتمدت أجهزة الدولة المعتمدة – مجلس السيادة، مجلس الوزراء، “قحت” – بأنه اجماع وطني؟ (ز) لماذا الخروج عن الاجماع الوطني دوماً؟ (ح) أم أن حزب الأمة يعتقد أن ذاكرة السودانيين ضعيفة لتذكر تاريخه الذي يعمل دوماً على التنصل من اتفاقيات يدخلون فيها طوعاً واختياراً؟ خاصة تحت قيادة الصادق المهدي، وهو أول من شق حزب الأمة في ستينات القرن الماضي.

في ختام هذه المقالة نود أن نورد، كم أورد كثيرون، بعضاً من أمثلة خروج حزب الأمة تحت قيادة الصادق المهدي من اجماع “الأمة”، ألا يوحي لنا هذا التاريخ بأننا لن نجني غير دعوة حزب الأمة القومي لإحياء حزب المؤتمر الوطني الذي ذهب إلى مزبلة التاريخ من غير رجعة، هكذا سطره كثير من السودانيين في الوسائط الاجتماعية.

حزب الأمة يشارك في تأسيس الجبهة الوطنية ١٩٧٤م

حزب الأمة ينشق عن الجبهة الوطنية ويصالح نميري ١٩٧٧

حزب الأمة يشارك في تأسيس التجمع الوطني المعارض ١٩٩١م

حزب الأمة يجمد نشاطه في التجمع ١٩٩٨م

حزب الأمة يتفق مع الترابي في لقاء جنيف

حزب الأمة يتخلى عن اتفاقه مع الترابي

حزب الأمة يتفق مع الحكومة في جيبوتي

حزب الأمة يخرج على اتفاق جيبوتي وينشق

حزب الأمة يرأس نداء السودان*

حزب الأمة يخرج من نداء السودان

حزب الأمة يشارك في الإعتصام أمام القيادة العامة

حزب الأمة يخرج من ساحة الإعتصام

حزب الأمة يشارك في تحالف الحرية والتغيير

حزب الأمة يجمد عضويته في تحالف الحرية والتغيير

حزب الأمة يتحالف تحالفاً غير معلن مع حميدتي

وقريباً جداً:

حزب الأمة يعلن فض تحالفه غير المعلن مع حميدتي

أبكر محمد أبوالبشر

مانشستر، المملكة المتحدة

[email protected]

9 مايو 2020م

‫2 تعليقات

  1. كلام علمي وردود (مُسكتة) على استراتيجية الصادق القائمة علي (فركشة) الصفوف ورئاسة مجلس الوزراء بعد كل أول انتخابات تعقب الثورة . السيد الصادق يرفض أي وظيفة غير رئاسة مجلس الوزراء وكانت أول وظيفة له عندما كان عمره (29) سنة، ويعلم جيداً أن شباب اليوم الذين كان آباؤهم يعتقدون في المهدية اعتقاداً أعمى لم يعودوا كذلك مما يهدد الأغلبية الميكانيكية التي وفرها للصادق الأجداد وهددت الديقراطية في السودان أكثر من مرة

  2. كلام علمي وردود (مُسكتة) على استراتيجية الصادق القائمة علي (فركشة) الصفوف ورئاسة مجلس الوزراء بعد كل أول انتخابات تعقب الثورة . السيد الصادق يرفض أي وظيفة غير رئاسة مجلس الوزراء وكانت أول وظيفة له عندما كان عمره (29) سنة، ويعلم جيداً أن شباب اليوم الذين كان آباؤهم يعتقدون في المهدية اعتقاداً أعمى لم يعودوا كذلك مما يهدد الأغلبية الميكانيكية التي وفرها للصادق الأجداد وهددت الديقراطية في السودان أكثر من مرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..