مقالات سياسية

اشكالات الوعي السياسي والاقتتال القبلي في كسلا!!‎

حيدر الشيخ هلال

لوقت قريب كانت كسلا في مأمن من مثل هذه التفلتات القبلية حتى تلك التي كانت انعكاس لاحداث بورسودان والقضارف كانت محدودة وغير ذات خطورة على النسيج الاجتماعي الكسلاوي فكسلا دون كثير من مدن السودان يمتزج فيها التنوع والتعايش في مصاهرات ازلية الغت ملامح الفواصل القبلية فالمجتمع قد انصهر في بوتقة متزنة قويت لحمتها مع الزمن بشكل كبير.

من يعتقد ان التعبئة والتحشيد السياسي برئ مما جرى امسية الامس فليراجع حساباته!! للاسف الشديد وهذا الكلام عدناه مرارا وتكرارا ان الوعي السياسي في كسلا ضعيف جدا ويحتاج قرون ليواكب متطلباته . فالقصور في كسلا ليس قصورا مجتمعيا نتيجة للتمايز او استعلاء للاعراق ، فإن انتشر الجهل او قل الوعي العام الا ان لانسان كسلا وعي خاص في تعايشه مع بعضه البعض ولكن عدم وعيه السياسي هو الكارثة التي صار يساق بها في الاونه الاخيرة.

منذ سقوط البشير وتولى حكومة الثورة زمام الامور في البلاد لم تولى الهامش وقضاياه الاهتمام المطلوب وتعاملت معه كتابع للمركز يستقر باستقراره ويتبعثر بتبعثره مع ان هذه الثورة ما قامت الا نصرة لقضايا الهامش!! ، ومن اكبر الاشكالات التي ورثتها الانقاذ لحكومة الثورة التجهيل الممنهج الذي مورس على الشعب فاختلطت عليه توزاناته الموروثة منذ الازل ، فلم يكن مثل هذا الخلط المفاهيمي المريع في نيل الاستحقاقات كمكونات مجتمعية مدنية يكون الفيصل فيها المواطنة وعلى اساسها تكون الحقوق والواجبات والتي من شأنها تعزيز ثقة الفرد في نفسه لاضطلاعه بواجباته الوطنية بكل مسؤولية ، او مكونات قبلية تتنازل فيه ارادة الفرد لارادة القطيع وقائده ، حيث لم تأخذ القبيلة شكلا سياسيا يتعدى دورها الاجتماعي والثقافي بهذا الشكل المريع الذي اصبحنا نعايشه اخيراً!! وهو امر لم تستصحبة حكومة الثورة في تصورها لحلول قضايا الهامش خصوصا مسار الشرق الذي له خصوصيته عن بقية المسارات بما يحمله من اشكالات داخلية تتمثل في الاقحامات المفاهيمية التي غرستها الانقاذ في اذهان الناس والتي يمكن ان يفجرها اي مغامر سياسي يحدثه طموحه في تصدر المشهد في الشرق كما رأينا لاحقاً.

عندما تم تعيين الولاء العسكريين المكلفين وتم اختيار الوالي الحالي محمود همد لم تكن لحكومة الثورة أي نوايا للتمييز العنصري ولم تكن تقصد بذلك ضرب السلم والامن المجتمعيين او هتك النسيج الكسلاوي المتماسك وكان تعيين السيد همد استحقاق رأته المؤسسة العسكرية التي كلفت بهذا الامر وما علينا الا ان نقرهم على هذا الاختيار مع اختلافنا مع توجهات الرجل الحزبية السابقة فالتكليف مؤقت لمهام مكلف الوالي باستيفاءها للثورة ، اما القصور الذي ميز اداء السيد الوالي فهذا أمر منطقي وطبيعي في ظل تحديات عامة تجابه الفترة الانتقالية عموما ، وهذا لا ينفي مسؤوليته الشخصية فعلى عاتقه تقع مسؤولية تمكن الدولة العميقة من مفاصل الولاية الامر الذي يضعه في خانة الاتهام المباشر اما بالتواطؤ او الضعف.

الخطأ الذي ارتكبته حكومة الثورة والوالي هو سماحهم للتحشيد القبلي الذي قام به بعض رجالات الادارات الاهلية وبعض المغامرين مثل المدعو الامين داؤود حيث كانت هذه الحشود هي القشة التي قصمت ظهر الوعي المجتمعي الكسلاوي الذي كان يتدبر امر تعايشه بفطرة وسليقة سليمتين والفترة التي اعقبت هذه الحشود كانت عبارة عن دوامة اصطفاف قبلي مقيت بدأت معها للاسف الشديد هجمة شرسة وغير منطقية على الوالي من بعض السياسيين الذين ينتمون الى مكونات معروفة حيث تجاوز هؤلاء الشرذمة كل حدود المعقول في الانتقاد عندما صار الطعن والهمز واللمز يطال الوالي ومكونه القبلي ويشكك في وطنيتهم ككل . وجاراهم في هذا الامر بعض ضعيفي النفوس من الطفيليات العنصرية التي لا تتكاثر الى في مثل هذه البيئة المنتنة وذباب الدولة العميقة المتربص بالثورة ، فما كان امام الفريق الاخر الا ان ينبرى لهذه الحملة بمثلها او اكثر فضجت الاسافير بقيح عنصري بغيض ضاع معه صوت العقل ، حتى ان أي انتقاد للوالي في اداءه صار يفسر على انه هجوم على مكونه الامر الذي غيب التقييم الحقيقي لاداء حكومة الولاية في زخم هذا الغثاء المنتشر.

وهذه الحملة الشرسة التي ذادت ضراوتها في الفترة الاخيرة مردها الى ان بعض هؤلاء السياسين عينهم على تعيين الولاة المدنيين للفترة الانتقالية والتي رشحت فيها بعض الاسماء اشهرها وصاحب الحظ الاكبر فيها هو الشاب صالح عمار وهو من نفس المكون القبلي للوالي فبحسب فهمهم التشكيك في مكون الوالي طعن في اهلية عمار للولاية الذي جاء ترشيحه من اللجنة المركزية للحرية والتغيير لتاريخه النضالي المعروف والمشرف. الامر الذي اوغر بعض الصدور الحاقدة والتي كانت تتوقع ان تترشح لهذا المنصب مع عدم اهليتها وكفاءتها او تريد احتكاره لمكونها القبلي ، فأطلقت ذبابها على مواقع التواصل الاجتماعي في حملة هي الاقبح على السلم والامن المجتمعي كافة ، تعدت اثارها الغرض الاساسي منها فهتكت النسيج الكسلاوي بصورة شنيعة نحتاج سنوات طويلة لرتقه، ونحن لسنا بصدد الدفاع عن عمار ونعتقد بانه غير مؤهل للولاية في الوقت الحالي (لاسباب نمسك عنها الان) ولكن هذا لا يعطينا الحق بالتشكيك في سودانيته، ولا ننكر نضالاته ونضجه السياسي بل نرى الافضل ادخاره الى ما بعد الفترة الانتقالية بعد ان تعالج اشكالات الوعي السياسي للولاية.

شئ حسن ان يجلس العقلاء لتجاوز هذه الظروف ولكن لهذه القضية جذور بعيدة جدا عن الصراع القبلي المعروف قد يساهم القلد والحلول الاهلية في تهدئتها موقتاً، ولكن لايقاف هذا العبث يجب اولا على الحكومة حصر كل الصفحات والمواقع التي ساعدت في تأجيج هذا الصراع وهي معروفة للجميع ومطاردة كل الاسماء المستعارة والمعروفة التي كانت تأجج الصراعات بمحاولة التشكيك في مواطنة بعض المواطنين ، والبحث عن تلك الصفحات التي تحمل مسميات قبلية وهي كثيرة ومعروفة ايضا ، للوصول لادارتها ومقاضاتهم قانونيا . كما يجب تكوين لجنة من الشباب من كل اطراف الصراع الذي يتجاوز هاتين القبيليتين لوضع ميثاق شرف يلتزم به الكل لمحاربة اي ظاهرة على الارض او مواقع التواصل الاجتماعي ومحاولة الوصول لتلك الاسماء المستعارة التي تأجج الفتنة وفضح شخصياتها الحقيقية ، كما على لجان قوى الحرية والتغيير تكثيف العمل التوعوي لمحاربة تلك المفاهيم المستحدثة في ممارسة العمل السياسي التي صارت تعلى من شأن القبيلة وضرورة احتواء الشباب من كل المكونات واذابة مفاهيمهم وتطلعاتهم السياسية في قالب القومية والمواطنة حتى نستطيع تقديم كفاءات تنهض بأمر هذه الولاية المنكوبة في المستقبل.

حيدر الشيخ هلال
[email protected]
9 مايو 2020 م
#القراي_امل_التعليم
#سيصرخون

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق