مقالات سياسية

الثورة إبداع

د. السموءل محمد عثمان

يقولون أن الثورات هي تراكم لأعمال المبدعين من كتاب وروائيين وشعراء ،وأن لحركة الإبداع مساهمة واضحة في المشهد والتغيير ، ولايمكن فصل ماحدث من ثورات من إسهامات المبدعين.

بالطبع كانت ثورة ديسمبر ترجمة لإلهامات الشعب السوداني من أدبيات الثورة من شعر ونثر وفنون،  وكتابات متعددة لمفكرين وسياسيين، هذا الإبداع هو الذي يصنع الوعي ، والوعي يسوق الناس للثورة ، والثورة  ليست صدفة ، وإنما هي وعي وإدراك وإرادة.

كانت  تلك الكتابات تجسد في وجدان هذا الشعب روح الخلاص ، من ضيم هذا الليل الطويل  ، تبحث عن الحرية والديمقراطية ، تنادي بالعدالة الاجتماعية ، تحاول جاهدة أن ترد عن هذا الشعب الظلم  والذل والهوان ،   هي امتدت طوال السنوات العجاف ، لحكم المؤتمر الوطني للبلاد  ، هذا الكم من التراكم الإبداعي ،  هو الذي يكون بمثابة القوى المحركة للثورة  ، هو وقودها وملهمها قيم النضال ، التي تعطي اشارات لحتمية الكفاح ، ومن بعد أن يثور الناس ،   تكون  هذه القيم هي المحفز  لتكملة المشوار ، تمنع التوقف أو النكوص من منتصف الطريق ، تعظم التضحيات ومعنى الإيثار  ، وترفع دائماً  شعار لأبد من استئناف المسير مهما كان الثمن ، مما يدهش  الباطش ويجعله في ذهول  ، فالذي يضعف صلف الدكتاتوريات وازدراء الحكام ، هو تحدى الثوار كل أدوات القمع من سياط الجلاد وسجنه وقتله.

هذا ميز الثورة وجعلها تسير في مسارات منتظمة تنشد غاياتها الأخيرة ، مما جعلها  رشيدة في سلوكها  ، رشيقة في مسيرها ، مبدعة في شعاراتها التي ترفعها ، تحقق بها  القيم والمعاني  ، تجذب بها الجالسين على الرصيف ، المستغرقين في الحياد  فيزداد المد الثوري كل صباح كيفاً وكماً ، ويشتد عود المواكب والمسيرات ، ويقوى ساعدها .
ربما يعقب الإبداع  الثورة ، مثل ماحدث في أكتوبر وابريل ،  فظل الموقف الإبداعي في الأول مرتبكا ، ولكنه انجلى فيما بعد ، فأتي مجسداً للثورة.

هذا ما يجعل الشباب يرددون شعر شاعر الشعب  محجوب شريف ، وهاشم صديق ومحمد المكي إبراهيم ، ويحفظون شعر حميد ،  ويرددون أغنيات وردي ، ويلوحون بعلامات النصر مع أبوعركي ، ويغنون مع مصطفي سيد أحمد ، ذلك  ماعجز عنه نظام المؤتمر الوطني ، هذا التناغم والانسجامية   ، مما جعل مسافة بينهم وبين أفراد الشعب السوداني ، جعله الغريب بينهم ، فكان هناك تنافر بينهما ، هذا ظهر جلياً  في تساؤل الطيب صالح  الأبدي ” من أين اتى هولاء ”  فلم  يتمكن  المؤتمر الوطني حتى بالرغم من امكاناته المهولة من سد هذه الفجوة ، لأن الإبداع لايشترى ، دونك مظاهراتهم المصطنعة بفعل المال ، فإنها عجزت حتى في أن  توجد لها شعارات وهتافات خاصة بها  ،  فأصبحت تردد شعارات ثورة ديسمبر المجيدة وسط  تساؤلات الجميع.

الوعي هو الذي يكتب للثورة النجاح ، فالجموع  التي تحشد بالمال، هي أصغر من أن تصنع ثورة أو انتفاضة ،  هي كحمار الشيخ الذي يقف في العقبة  ، ولكن الوعي هو الذي يجعل الناس ، يلحقون بالثورة هنا وهناك ،ويتدفقون للشارع كالأمواج  فتجد  الناس في الشارع في عدد من الولايات،  والمناطق في ساعة زمنية واحدة  محققين  كثير من النتائج ، فالثورة مد تصاعدي ،والذي يحدث في لحظة ما ، ربما يفوق ماخطط له ،  والدافع في الثورة في كل  إنسان له دافع داخلي ، يأتي في غمرة سعيه في البحث عن الفجر، الشرارة الأولى للثورة ، ثم مايأتي بيد الثوار داخل  الملعب.

بالعكس تماماً تلك الحشود المصطنعة، لن تستطيع حشدها في أكثر من منطقة واحدة في زمن واحد , وهي لن تحقق لك أكثر مما رسمته ، وربما ترجع بأقل من ذلك،هذا مايجعلها هرجلة بدون هدف وبدون مقصد ، ومحل التندر والفكاهة ، فيكون الشخص بدون هدف داخلي يشجعه ، ولا ثورة بدون قيم تحركها.

عاشت الثورة السودانية إبداعات ، هناك على الترس وعلى روح التكافل،  ومعاني سامية  قامت على العطاء ، تمثل ذلك في تحديهم الموت بصدور عارية.

أشياء تحدث هنا وهناك متناسقة، لم تقصد في ذاتها، ولكنها أتت وليدة الصدفة، لم تجهز لها الكاميرا من قبل بل تحدث بعفوية ، ولكنها في نفس الوقت تحقق مقصد من مقاصد الثورة ، يتفوق الثوار على بعضهم البعض في الإبداع ، الإبداع ينتشر كالموج ، الأطفال على سيارة الروضة يهتفون بشعارات الثورة دون أن يمليهم أحداً ، هذا ماعجزت عنه الإنقاذ ثلاثون عاماً ، بالرغم مما أدخلته في المناهج.

تلك القيم هي التي جعلت الثورة تحافظ على سلميتها ، وتجعل منها سلاحاً صعب القضاء عليه ، ثورة ديسمبر إبداعاً ،  هذا تلمسه في هتافاتها وشعاراتها السلمية التي أُعجب بها العالم من حولنا ،   وكانت الرسومات والخطوط على الجدران تحكي عن الثورة والنضال ، تحكي عن الموروث الثقافي للبلاد ، إذن الثورة حالة إبداعية.

د. السموءل محمد عثمان
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق