مقالات وآراء

الإشكال الذي لن يقله أحد في انتخابات تجمع المهنيين

دار ويدور جدل كثيف حول انتخابات تجمع المهنيين السودانيين التي جرت يوم ١٠ مايو لاختيار سكرتارية التجمع وممثلي التجمع في المجلس المركزي لقوى إعلان الحرية والتغيير والتنسيقية.
وقد أفضت الانتخابات إلى تشكيل قيادة جديدة، شكك كثيرون في صحتها.
وإنني في هذا المقال لا أود أن أركز على مأخذ البعض على الاجتماع الذي تم قبل موعده – على حد زعمهم- إذ أنه بفترض أن ينعقد في أغسطس المقبل، او على الطعون التي غابت عن الإجراءات، مما يطعن في الانتخابات نفسها، أو مشاركة البعض في الانتخابات دون تفويض من أجسامهم المهنية.
ولكن الملاحظ أن البعض قد انتقد سيطرة الحزب الشيوعي على التجمع جراء هذه الانتخابات ، وهذا الاعتراض مقبول من منسوبي الأحزاب الذين رفضوا العملية من بدايتها، منذ أن رأوا النواقص التي اعتورتها؛ لكن هذا الاحتجاج غير مقبول من الذين شاركوا في الانتخابات وقبلوا بإجراءاتها، واحتجوا عندما لم يجدوا حظهم من “الكيكة”.
لكن اعتراض القطاعات المهنية المكونة للتجمع أكثر وجاهة من اعتراض الحزبيين السافرين على سيطرة  الحزب المعني على التجمع.
وبغض النظر عن انتخابات ١٠ مايو، فإن أي حزب يعمل على السيطرة على تجمع المهنيين أو تجمع القوى المدنية أو لجان المقاومة، فإن ديدنه هذا ضار، إذ إن سياسة “التكويش” هذه والتعامل مع السياسة كنوع من “الفهلوة”  و”كبير الكيمان” ، يضر بالثورة الآن، وخصما على الوطن٠ بل وخصما على الحزب نفسه في نهاية المطاف، وسيجعلنا جميعا نقف خجلى أمام الشهداء الذي سكبوا الدم الغالي لتحقيق الثورة، وها نحن نحوّل الأجسام الثورية إلى غنائم، يريد كل منا أن يكبّر نصيبه منها، فيا لصغار نفوسنا الدنيئة!،
وكان الأحرى بالجميع أن يتذكر بحق مقولة “لكل (لبعض) حزبه والنقابة للجميع”، والأحرى أن نفهم جميعا أن الأحزاب المحترمة هي التي تبذل كل جهدها للحفاظ على استقلالية القطاعات المهنية، وأن الأحزاب المحترمة تربي منسوبيها على الإخلاص للقطاع المهني أو النقابة أو المنظمة التي ينتمون إليها وأن يعملوا على تحقيق أهدافها لا أهداف الحزب .
وكان من المفترض قبيل انتخابات التجمع صياغة رؤية سياسية عامة  وإجازتها  لتشكل بوصلة التجمع في المستقبل وهذا لم يتم، الشيء الذي يفتح الباب واسعا للنزعات الشخصية والانحياز الحزبي.
لكن الاعتراض الأهم هو أن الاجتماع الذي انعقد قبل يومين، تم دون طرح خطابي الدورة والميزانية، وهذا من بديهيات العمل التنظيمي الذي تقوم به المنظمات الجادة، وفي الخاطر تجربة منتدى شروق بالقضارف الذي ظل يقدم سنويا خطابي الدورة والميزانية على مدى اثني عشر عاما، لم يحوشه عن ذلك قمع نظام البشير الدموي، وكثير من هذه الخطابات مبذول في الأسافير.
فكيف لتجمع المهنيين الذي أمسك بزمام قيادة الثورة في لحظة مهمة من لحظات الحراك الثوري، والذي ظل شريكا أصيلا في تشكيل المرحلة الانتقالية وتكوين حكومتها؛ كيف لجسم كهذا أن يعقد اجتماع جمعيته العمومية دون خطابي الدورة والميزانية؟!!
هذه الإشكالات الغريبة تدلل على قصر قامة كثير من القائمين على التجمع أمام عظمة الشعب السوداني الثائر.
أما الإشكال الذي لم يتحدث عنه أحد، هو أن تجمع المهنيين السودانيين الماثل تجمع خرطومي بامتياز، لكنه “مركّب مكنة” أنه جسم قومي يمثل المهنيين في كل أنحاء السودان.
لقد التف حول التجمع، في بدايات الثورة، عدد كبير جدا من السودانيين، وكان هاشتاق “تجمع المهنيين يمثلني” يجد ذيوعا منقطع النظير، بالذات عندما تزداد الهجمة على التجمع من أجهزة النظام البائد.
وإن كان تمثيل تجمع المهنيين السودانيين بالخرطوم لكل المهنيين السودانيين مبررا ومقبولا في تلك البدايات، فلا يمكن أن يظل التجمع خرطوميا بعد مرور أكثر من عام على إسقاط البشير، إذ كان المتوقع أن يبني التجمع نفسه مؤسسيا بالتوسع والتشبيك مع تجمعات المهنيين في ولايات السودان المختلفة، أي أن يضم تجمع المهنيين السودانيين ممثلي التجمعات من مختلف البقاع، ومن ثم يرفع ممثليه إلى قوى إعلان الحرية والتغيير القومية. وقطعا هذا يتطلب أن يكون تجمع المهنيين السودانيين الولائي ذات نفسه عبارة عن تشبيك لتجمعات المهنيين في المحليات المختلفة، وهذا خلاف الواقع.
ونلاحظ أن هيكلة التجمع تم تعديلها بتوسيع السكرتارية لإتاحة مزيد من المقاعد، لكن هذه المقاعد الإضافية استأثرت بها النخبة الخرطومية أيضا، ولم ينتبهوا لتجمعات المهنيين في الأقاليم، ولن ينتبهوا لها بأخوي وأخوك.
وذلك لأن العقلية المركزية التي تسيطر على تفكير النخبة تجعلها تنسى دائما حق الولايات في المشاركة في هرم سلطة اتخاذ القرار. وفي حقيقة الأمر أن هذه العقلية المركزية ليست خرطومية فحسب، بل تجد بعض منسوبي تجمع المهنيين في الولايات يقبلون بهذه الهيمنة الخرطومية، بما يمكن تسميته ب “القابلية للخضوع للمركز” .
ونجد أن تجمعات المهنيين في الولايات نفسها، تمارس ذات الشيء تجاه تجمعات المهنيين بالمحليات. أي أن كل واحد يقهر ويغيّب من هو تحته، ولا يرمش لهم جفن، ولا يساوره أدنى شعور بأن ما يفعله فيه إجحاف مريع. وذات هؤلاء الأشخاص تجدهم، إذا ما سلمتهم منبرا ومكبرا للصوت، فصيحين في إلقاء الخطب العصماء عن التهميش والتنمية المتوازنة وإنصاف الريف.
ينبغي لنا جميعا أن نرتفع إلى مستوى المسئولية، حفاظا على الثورة، وصونا لدماء الشهداء، بإعادة بناء الأجسام الثورية من تجمع مهنيين، ٠وتجمع قوى مدنية، ولجان مقاومة، وقوى إعلان الحرية التغيير؛ بحيث تمثل الثوار الجد جد في كل أنحاء السودان بعيدا عن المتسلقين والممارسات الحزبية الطفولية، التي تعرض الوطن للخطر.
جعفر خضر
زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..