المغتربون والسجن الاختياري

عدلي خميس

اعلم ويعلم الجميع ممن عايشوا الاغتراب وما أدراك ما الاغتراب فهو إشكال وألوان عديدة يصعب حصرها  وماذا تعني  كلمة السجن الاختياري للمغترب  من نواحي كثيرة منها المعنوي والأخلاقي والاقتصادي فالكبير فيهم المرتبط بالحدود الجغرافية والأقل المرتبط بطبيعية ونوع العمل أما أخطرهم المنزل وما في حكمه وعلى رأسهم الاجتماعي فقد يفسره البعض بأنه إجباري بتقدير خروجنا من بلادنا للضغوط التي كنا نعيشها فنجد أن هنالك عوامل عديدة تقف أمأمنا  نحن قبيلة المغتربون المهشمون ونغرد خارج السرب من وحدة ومن ضغوط  ونجد كذلك نفس الشيء بالنسبة لأزواج المغتربين من النساء بحيث هم أكثر شعورا لما يعيشونه من وحدة ومحدودية المسافات والتواصل المفروض عليهن.

أما الأطفال والصبيان وذويهم فيرددون ذلك في كثير من مجالسهم وحركاتهم وسكناتهم لما حرموا  من اجتماعيات مغذية للروح وتفتق الأذهان وتنمي السلوك وجلوسهم بين أربع جدران صامته يحكمنا الروتين الملل وتحدث المقارنة الدائمة  التي تجول وتزحم راسك دائما الماضي والطفولة والصبى والشباب وتشعر بمدي الحرمان والحزن الذي تعيشه وبرغم أن هي حياة جميله متوفر فيها العيش الميسر ورغد من مأكل وملبس وركوب فاخر بالنسبة للسابق من الزمن ولكن ينقصها الإحساس لفقدان الحميمة الفطرية الوجدانية من الوالدين والأعمام والخالات والأسرة الصغيرة ومن الزوجة والأولاد وتمر المناسبات من عيدين ومختلقهما مرور السادة الكرام هسم بكم تجد نفسك فقط في بغرفتك بفراشك تتألم وتعاني ينتابك شعور قوي بالوحشة من الوحدة المكانية والزمان والافتقار إلى أبسط مظاهر البهجة والفرحة والسعادة أضف إلى ذلك الضغوط العملية المضنية أذا كنت قد وقعت مع كفيل ممن نزلت فيهم أيان قرآنية  مصادقا لقول الله سبحانه (أن الأعراب اشد كفار  ونفاق) فهم ظاهريا ينتسبون للإسلام ولكن باطن الأمر فيه الكثير من الأسى واللوعة من جفاف وجداني وافتقار لأبسط قواعد الاجتماعيات يسيطر عليهم الشك ويغلب عليه الكبرياء وتفضحهم المواقف الإنسانية فهناك حيث تتنوع الحكايات والموجعات والمنغصات بألوان الطيف السبع  بدرجة قد لا تصدقها لبشاعتها وما تحمله من ظلم يفوق ظلمت الليل البهيم عندما يحكي احد ممن تجرعوا مثل تلك المواقف في مجلس ما …

أما على المستوى الاجتماعي والتداخل المجتمعي فتجد أن الدرجة  يزور كبييير من هنا تحدد نوعية السجن وعددية المدة التي يجب أو تكون تقضيها مسجوناً فيها بإرادتك  ومزاجك لأنه اختياري متوقف على قرار شجاع لوضع حد ونهاية المسلسل الغير منتهي بحلقات لا مخرج لها سواك أنت من يحدده أما الرضوخ  للظروف الشائكة والمركبة والمتعرجة من تأمين مسكن أو مشرب أو تعليم أو علاج ومقتضيات الحياة والاستمرار مقابل زمنك الذي قضيته متغربا عن وطنك ومسقط رأسك.

وأما وان تلوك الصبر وتتدثر بالاصطبار على حالك  وتقرشه أو تكون لديك الشجاعة وتتخذ قرارك  الاستراتيجي بالخروج منه للعودة لأرض الوطن الحبيب بالكلام فقط وما أدراك ما العودة في الجحيم واللظى من التزامات أسريه  وتعليمية وعلاجيه ومجتمعية يصعب على أعتى الخبراء السياسيون في مقدمتهم والاقتصاديون من خلفهم والاجتماعيون ومن في زمرتهم  والرياضيون وممن تجمعهم كلمة خبير ولا يخفى على ذو فطنة وأن المسببات العظمى سوء التخطيط والتخبط الاستراتيجي ألخمسي والعشري والربع قرني والنصف قرني وإلا متناهي في السياسيات بكاملها في طريق قيادة وإدارة البلادة العباد وفداحة  التشبث بالرأي الأحادي نفسي وما دوني الطوفان  وما يترتب على الأخطاء المدمرة لمصير الشعوب وما يلحق بمواطنيها من أذى وتشرد وهروب من أرض الوطن  من الأحوال المريرة ..ولفك اللغز لكثرة عددها ولتشابهها وتفرعها وتداخلها الضروري منها وغير ذلك من كواليس لا حصر لها تجدها تقف أمامك ولا تتعداك وهي بمثابة السلاسل والأغلال  تكبل يديك وقدميك لا تنفك عنك ولو لثانية.

وحتى لا يعتقد أو يتصوروا ممن يقروا مقالي إنني متشائم بتسميتي موضوعي بهذا العنوان ألافت فقد  قمت بعمل بسيط أجريت  استبيان محدود من يعملون معي بموقع عملي  لمعرفة هذه الكلمة وما تعنيه لجنسيات عديدة منها العربي الإفريقي والأسيوي ومنها العجمي ومنها ما بدون ذلك والغريب إننا اجتمعنا جميعنا بأنها هي في حقيقة الأمر القح وبدون رتوش أو مجاملات سجن اختياري وإجباري كبير ونعني ازدواج الكلمة مجبورين عليه  ممتد فيه ما فيه وعليه ما عليه من أنواع شتى من ضروب المشاكل والحصيلة هي الغربة والاغتراب ففينا من استمر سجنه الثلاثون وأخر ربع قرن وثالث نصف ذلك  وفنيا أبو خمس ونجد منا من يعتقد مخطأ بان الحياة مرتين أحداهما بالغربة والأخرى بالبلاد بعد عودته وهذا لعمري هو الجنون لأن العمر واحد واليوم واحد فهم سواء في الحالة عندما تنصب الموازين لمحاسبة النفس بصراحة شديدة وما تفقده مقابل الاستمرارية في تلك الحالة بالمقارن بينها وبين ما تحتاجه ومدى الحاجة إلى تحسين مستوى الدخل للفرد ومن هم  بكفنه من أسرة صغيرة وفلذات أكبادنا وزرارينا ووالدين والأهل وأسر ممتدة  لندرة أو عدم وجود محفزات اقتصادية وتنموية بالبلاد أو عدم وجود العمل بالصورة التي أنت عليها وندرة ذلك في بلدك وبعد أن اعتدت على مستوى دخل معين لتسيير حياتك وأسترك.

ويتردد في أذهان الجميع أن السجن هو اختياري  ويمكنكم اتخاذ قراركم . ومتى سيكون ذلك القرار الحاسم .  ونختم بقول الشاعر غرينا بي درهم قروش ورآه قنطار بهدله جيناك سنة .. ……أو قول سنين بنكمله  .. يا غربة .. يا بكاية .. يا غشاشة .. يا مستهبله.

والله من وراء القصد وهو المستعان .

عدلي خميس / الدمام
[email protected]

تعليق واحد

  1. هناك اشكالية في فهم متطلبات المغترب من الدولة أن لم نقل أن ظلماً وتجاوزا على المغترب من قبل الدولة في كل الحقب الماضية ..
    فعلى سبيل المثال الغبن الذي يقع على فلذات الأكباد حين التحاقهم بالجامعات فتفرض عليهم رسوم باهظة بالرغم من التفوق والدرجات التي يحرزونها .. وكأن الأمر مقصود بتجفيف مدخرات المغتربين المحدودة التي يحاولون جمعها بالرغم من الصعوبات والمرارات التي يعيشونها في الغربة في سبيل تأمين مسكن كريم أو آلية بسيطة تعينهم على الكسب الحلال بعد عودتهم للسودان بعد سني الغربة التي قد تطول لعشرات السنوات..
    فمثلا اذا أردت ادخال سيارة أو أو أو غيرها فهناك شروط تعجيزية أمامك من فرق الموديل المعجز إضافة للجمارك والأتوات الباهظة التي تكسر ظهر المغترب وكل مجاديفه نحو الاستقرار الذي يحلم به في وطنه ..
    في حين أنك ترى حتى الدول المتخلفة والضعيفة يبذلون كل السبل للمغترب .. فيتاح لهم إدخال ما يرغبون من سيارات أو أليات وغيرهم تخدمهم وتخدم شعبهم .. فإلى الله المشتكى ونفوض أمرنا إلى الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق