مقالات سياسية

ثمة تساؤلات مفتوحة عن الثورة السودانية؟

عبد العزيز التوم

بغض النظر عن الطريقة التي تُقرر بها الحكومة الانتقالية في التعامل مع الوضع، فإن مسألة ما يجب القيام به مع المتهم عمر البشيرواعضاء حزبه الشيطاني ليست سوى جزء صغير ونهر من محيط شاسع من قضايا العدالة الانتقالية التي تواجه البلاد. على المدى القصير، لا يزال التحقيق جارياً في مذبحة الخرطوم. بالنظر إلى أن العديد من عمليات القتل والتعذيب والاغتصابات التي وقعت على المدنيين السلميين العزل أمام مقر الجيش مباشرة بمرأي ومسمع السلطات الرسمية، وأن قوات الدعم السريع شُوهدوا على نطاق واسع وهي تُهاجم المُعتصمين السلميين بوحشية لا تشهد لها العاصمة القومية وسكانها مثيل في التاريخ الحديث، حيث كانت قصص وروايات الحرب ومآسييها ظل يرددها بعض ضحايا الحرب، وكانت حديثا مُفتري ومُفتعل وفِرية في نظر بعض الخرطوميين، ولربما تكون تلك اللحظات المأساوية هي بمثابة الإعلان الرسمي لوحشية وبربرية هذه القوات! فمن المؤكد أن التحقيق عن هذه الجرائم سيزعزع الاستقرار الانتقالي بغض النظر عن النتيجة التي يمكن أن تتوصل إليها حول أين تقع المسؤولية النهائية، وذلك علي حسب قناعتي هو السبب الرئيسي وراء المماطلة والمراوغة من لجنة نبيل أديب في إعلان نتيجة التحقيق، ولربما يكون من منطق وفلسفة الحكومة الانتقالية تكون سليمة لأنها لا تود أن تُعكر صفو عملية الانتقال حاليا وخاصة أن المدنيين لا حول ولا قوة لهم مع العسكر الذين يُعتقد تورطهم في هذه الجريمة النكراء.

وعلى المدى المتوسط إلى الطويل، يجب أن يبدأ المجتمع بأسره عملية التعافي من الخوف وعدم الثقة والصدمة المباشرة التي تأتي من 30 سنة من الديكتاتورية البغيضة وان تتحرر من الأحلام الطوباوية والتوقعات الكبيرة من كون حكومتهم هذه أن تُحقق لهم شعارات الثورة المجيدة، وهذا بالطبع ليس ضرب من ضروب التشاؤم، ولكن بناء علي قراءة واقعية لمجريات الواقع المشهود ومآلاتها ، وهنا يحضرني ،آخر مقولة كان يردده المفكر العظيم ذو العقل الجبار “د. منصور خالد ” قبل وفاته : أن المعضلة الحقيقية تكمن في الذهنية السياسية المركزية التي أدمنت الفشل ،وتعمل علي إعادة توليد وتكاثر كل أنواع الفشل ، وما نشاهده اليوم من الصراعات العقيمة والسجالات والمماحكات والخيانة والغدر لمشروع الثورة من قبل هذه التنظيمات الفاشلة لاتدع مجالا للشك إننا مقبلون علي طامة كبري .هذه الثورة التي قدمت فيها كل الفئات السودانية ولا سيما الشباب أروع معاني التضحية ونكران الذات ،كان يجب أن تُتوج لتحقيق الحلم السوداني ؛وطن يعيد للإنسان السوداني قيمته المهدورة ؛يضع اللبنات الأساسية لدولة القانون ؛يحقق له الأمن والاستقرار ؛ ويوفر له الرفاهية التامة .

لم يتم تنفيذ العديد من الإصلاحات الُمتصورة في الوثيقة الدستورية للحكومة الانتقالية. كما ولم يتم بعد تشكيل المجلس التشريعي، الذي كان من الُمقرر تشكيله في غُضون ثلاثة أشهر من أداء الحكومة الانتقالية اليمين الدستورية، ولا يزال اتفاق السلام بين الحكومة القائمة وبعض الجماعات المسلحة المعارضة في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة قيد التفاوض. بينما لم تكن الجماعات المسلحة ذات النفوذ جزءًا من محادثات السلام الجارية في جمهورية جنوب السودان، لان النهج المُتبناة في التفاوض بواسطة الحكومة الانتقالية حيال القضايا التاريخية والمصيرية في السودان لا تقل مأساوية من الطريقة المعمولة في الأنظمة السابقة ولا سيما نظام المؤتمر الوطني ،حيث التجزئة والتبعيض ،ومحاولة الالتفاف حول القضايا الجوهرية ،وشيطنة المجموعات الثورية الفعلية في الميدان ،واستجلاب جيش من المُتاجرين بالحروب والباحثين عن الأمان الذاتي والوظيفي ،هذه التكتيكات تم تجريبها ،ومن ثم إعادة تجريبها عدة مرات بلا نتيجة ملموسة سوي التشرذم والتفكك وسط هذه المجموعات المُتهافتة للسلطة ، وما يدور الآن من المسرحيات الهزيلة في مدينة جوبا صورة طبق الأصل لكل تجارب الفشل السابقة، وليتهم يتعظون !. لتاريخ اللحظة لم يتم تشكيل معظم اللجان التي تركز على الحقوق والعدالة وجبر الضرر، مما يؤخر جهود الإصلاح المنظمة والمتوخاة. مثل هذه التأخيرات والتي لا مبرر لها تعوق قدرة الحكومة الانتقالية على مناقشة القوانين والسياسات الرئيسية التي تُعتبر حاسمة للعدالة والمساءلة في سيل من الجرائم والانتهاكات المُرتكبة خلال السنوات الماضية. وعلي الرغم من أن مكتب المدعي العام شكل لجانًا مختلفة للتحقيق في الجرائم الماضية، بما في ذلك قتل المتظاهرين بين ديسمبر 2018 وإسقاط البشير في 11 أبريل، وانتهاكات الحكومة السابقة منذ عام 1989، والجرائم المتعلقة بالفساد، والجرائم في دارفور. ولكن بلا معني وقيمة حقيقية في ظل الحصانات القانونية – التي لا تزال قائمة بموجب مجموعة من القوانين – والتي لا تزال تشكل عقبة أمام المقاضاة، وبمعني أكثر إجمالية، لم تحقق هذه الحكومة أي تطورات ملموسة على صعيد العدالة الانتقالية.

عبد العزيز التوم
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق