مقالات سياسية

الارتقاء بمسئولية الأطباء ومهنتهم قبل كل شيء!

عبد العزيز التوم

رسالة أبعثها مليئة بالحب والتقدير والاحترام ولو أنني أوتيت كل بلاغة، وأفنيت بحر النطق في النظم والنثر لما كنت بعد القول إلّا مقصراً ومعترفاً بالعجز عن واجب الشكر لكل الأطباء والعاملين في الحقل الصحي في أرجاء البسيطة قاطبة وهم يتصدرون الصفوف الأمامية في مواجهة هذا العدو الخفي الذي فتك البنيات الاجتماعية والاقتصادية وما زال يشكل خطرا للسلم والأمن الدوليين تفوق بالمرات خطورة الحروب والهجمات الإرهابية أو أي خطر آخر لتاريخ اللحظة ،وكل هذه التفاني والتضحية التي قدمها شريحة العاملين في الحقل الصحي ادل دليل علي إدراكهم بالمسئولية والقيادة الظرفية Situational leadership فهم الأدري وألافهم بخبايا هذا العدو المتنكر ،وهكذا أن مديونية الإنسان ليست فضيلة، وإنّما السداد فضيلة.. تبدأ الفضيلة عندما يكرس نفسه بنشاط للعرفان بالجميل.

هل يستطيع أحد نُكران معروف ما يقدمه العاملين في الحقل الصحي في السودان ببيئة عملهم القاتلة؟ وفي الوقت ذاته هل ما يتعرض له الأطباء من عنف مادي من قبل بعض المواطنين أو النظاميين نتاج لغياب الحماية القانونية المُلحة لهذه الشريحة كما يرُوج له بعض المتهافتون؟ وهل توفير ترسانة من الحرس ممثلة في الشرطة أو الدعم السريع.. الخ يُوقف هذا العنف؟ إذن ما السبب الكامن وراء هذا العنف؟ ،،،، إن اكثر ما أورد السودانيين الي موارد الهلاك طوال فترات حكم نظام الحركة الإسلامية البغيضة هي سلوكها وتبنيها لمنهجية الحلول السحرية للقضايا الأساسية والتي تتطلب طرائق عملية وموضوعية لمُجابهتها ، مُتذريعين تارة بالمؤامرة الداخلية وطُورا أخري بالجهات الأجنبية، حتي وان وقع خلافا داخل بيوتهم ،فإما نسبوا المسئولية للأحزاب العميلة في الداخل ،أو علقوا السبب الي إسرائيل وأمريكا ، هذه هي الطريقة المُثلي التي كانت تُعالج بها القضايا طوال فترات النظام البائد والتي وفرت لها حاضنة آمنة للهروب من مواجهة الكثير من المشاكل !، ولكن السؤال المُحير في هذا الصدد ،لماذا يعمل بعض مناصري هذه التنظيمات الفاشلة (قحت) علي صناعة ذات الأباطيل والأوهام ؟! الم تكن من الأجدر مواجهة هذا الإرث المتطاول من الأساطير والخرافات التي ألمت بالعقل السوداني؟!، هل يستطيع أي أحد أن يُنكر أن معظم شاغلي الوظائف العامة بما فيهم الأطباء لا يتمثلون بمبادئ وقيم ومُثُل الوظيفة العامة والتي يتوجب احترام المواطن والعمل على خدمته، كما صنعوا لذواتهم أصناما وآلهة صغار ونسوا أو تناسوا انهم خُدام لهذا الشعب؟ أن ارتقاء الموظف العام بالمسئولية وتهيئة البيئة المناسبة لأداء مهام الوظيفة العامة يجب أن تكون المدخل الأساسي لمواجهة الكثير من المشاكل الي تواجه هذا الموظف ،وان أي محاولة للجوء الي حزمة الحلول السحرية كسن قوانين أو غيرها هي ضرب من ضروب وضع الهشيش علي النار ،وقد راينا كيفية تعامل الموظف العام مع المواطنين في كثير من دول العالم ،حيث المحبة والإخلاص والتفاني في تقديم الخدمة ،وكيف أن راينا بأم أعيننا ،حتي كبار ضباط الشرطة في المطارات الدولية يقدمون اعلي درجات الاحترام والتقدير لمخدوميهم ،ولكن انظروا كيف حال موظفينا في الخدمة العامة في السودان وهنا لا نستثني شريحة العاملين في الحقل الصحي، ،فكيف من المنطق والعقل أن نلوم دائما المواطن البسيط في بيئة تعمل علي تكاثر وتوالد العنف؟ ما الذي يجعل الأطباء مُحصنين من العنف إذا كان بعض الأطباء أنفسهم ليسوا على مستوي المسئولية المطلوبة؟ الم يكن في كثير من الأحيان، ومن خلال شواهد كثيرة، أن الأطباء يذهبون جميعهم في تناول وجبة أو احتساء قهوة دونما ترك أي طبيب لحالات الضرورة، في مثل هذه الظروف وفي بيئة لا تعترف إلا بالعنف، من الذي يوقف المواطن أن يخرج من سيطرته لذاته؟

أخيرا أن حماية العاملين في الحقل الصحي لا تتم عبر صناعة هذه الأوهام المتمثلة في منح الحصانات، فان كانت الحصانات تمنع أصحابها من ممارسة العنف عليهم، فكان الأجدر أن توفر الحماية المطلقة للقضاة وأعضاء النيابة العامة والمحامون من العنف، فكيف رأيتم رئيس القضاء تُسير مسيرات ومظاهرات بطريقة تشبه تلاميذ المدارس الثانوية يوم أن جُلد وُركل القاضي أمام المواطنين! ، لابد من ارتقاء الأطباء بالمسئولية وتفعيل قواعد سلوك وأخلاقيات المهنة وتهيئة البيئة المناسبة للعمل من المعينات الطبية اللازمة ،لان تجويد تقديم الخدمات بالصورة المطلوبة هي التي توفر الأمان والطمأنينة ،وليس بإظهار المزيد من القوة المادية القاهرة ، وان هناك قواعد جنائية عامة تُوفر الحماية لكل موظفي الدولة بما فيهم المشتغلين في الحقل الصحي.

عبد العزيز التوم
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق